من الشعراء إلى المعلمين.. كيف يعيد العنصر البشري صياغة عصر الذكاء الاصطناعي؟

في الوقت الذي يتخوف فيه العالم من سيطرة الآلة، يظهر شاب يبلغ من العمر 22 عاماً ليقلب الموازين ويثبت أن “الذائقة البشرية” هي العملة الأندر في سوق التكنولوجيا اليوم. بريندان فودي، أصغر مؤسس لشركة “يونيكورن” في التاريخ، يدير شركة “ميركور” التي تنمو بسرعة جنونية، لدرجة أنها توظف شعراء وخبراء اقتصاد لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة، دافعة بذلك رواتب تصل إلى 150 دولاراً في الساعة لخبراء الكلمة والإيقاع الشعري.

عندما تصبح “الذائقة” سلعة باهظة الثمن

قد يبدو الأمر غريباً للوهلة الأولى، لماذا تدفع شركة تقنية مبالغ طائلة لشاعر؟ الإجابة التي طرحها فودي في حديثه مع تايلر كوين تكشف عن عمق الفجوة الحالية في تطوير الذكاء الاصطناعي. المختبرات التقنية لم تعد بحاجة فقط إلى نصوص خام، بل هي في مسيس الحاجة إلى “معايير” لتقييم الجودة. تماماً كما يضع أستاذ الأدب الإنجليزي قواعد لتقييم مقال طلابه، تقوم “ميركور” بتوظيف هؤلاء الشعراء والخبراء لوضع أطر تقييم (Rubrics) تعلم الآلة الفرق بين النص الجيد والنص الاستثنائي.

المعضلة هنا تكمن في الذاتية؛ فالفنون والآداب مجالات تعتمد على الذوق، والهدف هو الوصول إلى توافق بين الخبراء المتميزين لتعريف “ما هو الشكل المثالي للعمل”، مع الحفاظ على مساحة للحالات الإبداعية الفريدة التي تخرج عن المألوف. إن تعليم النموذج مرة واحدة بمهارة عالية يسمح بتطبيق هذه المعرفة على مليارات المستخدمين لاحقاً، وهو ما يبرر التكلفة العالية التي تدفعها الشركة لاستقطاب أفضل العقول.

الوجه الآخر للمعادلة: إعداد المعلمين للمستقبل

وبينما تعمل الشركات على صقل قدرات الذكاء الاصطناعي، يظهر تحدٍ آخر على الضفة المقابلة: كيف نعد البشر للتعامل مع هذه التكنولوجيا؟ هنا يأتي دور المبادرات الأكاديمية مثل تلك التي أطلقتها كلية التربية بجامعة كليمسون، حيث طور أعضاء هيئة التدريس دورات مصغرة جديدة مخصصة لمعلمي المراحل الدراسية من الروضة حتى الثانوية (K-12). هذه الدورات لا تهدف فقط لتعليمهم كيفية استخدام الأدوات، بل تركز على “الذكاء الاصطناعي الإنساني”.

داني هيرو، وهي أستاذة في علوم التعلم وزميلة العميد للذكاء الاصطناعي الإنساني، تؤكد أن سوق العمل لم يعد يفرق بين المجالات؛ فالكل يبحث عن أشخاص مستعدين لمهن مدمجة بالذكاء الاصطناعي. الفلسفة هنا تعتمد على اعتبار التكنولوجيا “شريكاً معرفياً” وليست بديلاً عن التفكير، حيث يجب ألا يستهلك استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر من 20% من وقت التعلم، بينما يخصص الوقت المتبقي للتفكير العميق والمناقشات الثرية.

تطبيقات عملية بعيداً عن التنظير

لا تكتفي هذه الرؤية التعليمية بالنظريات، بل تنزل إلى أرض الواقع داخل الفصول الدراسية. تخيل درساً في التاريخ لطلاب المدرسة الإعدادية حول الحفاظ على التراث المعماري؛ بدلاً من التلقين التقليدي، يقوم المعلم بتكليف الطلاب بالبحث عن مصادر موثوقة من ملفات صوتية ومواقع ويب، ثم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحويل هذه المعلومات إلى “بودكاست” تعليمي يتبادلونه فيما بينهم.

هذا النهج يحول الطالب من متلقٍ سلبي إلى منتج للمعرفة، ويجبره على التفكير النقدي في النتائج التي تخرجها الآلة بدلاً من مجرد نسخها ولصقها. المعلمون الذين سيلتحقون بهذه الدورات المكثفة، التي تستمر أربعة أسابيع، سيخرجون بفلسفة واضحة وسياسات خاصة بهم لاستخدام التكنولوجيا داخل فصولهم، تشمل هندسة الأوامر (Prompt Engineering) وفهم التحيزات المتأصلة في الخوارزميات.

نحو تكامل أخلاقي ومستدام

الربط بين ما تفعله شركة “ميركور” وما تقوم به جامعة كليمسون يرسم ملامح المستقبل بوضوح: التكنولوجيا تحتاج إلى خبراء لتعليمها “الذوق والجودة”، والبشر يحتاجون إلى تعليم يركز على الأخلاقيات وكيفية إدارة هذه الأدوات بمسؤولية. ومن المقرر أن تبدأ الجامعة بتجربة هذه الدورات في فبراير 2026 مع مجموعة من المعلمين في ولاية كارولينا الجنوبية، ليقوموا هم بدورهم بتقييم التجربة وتحسينها، مما يخلق حلقة متكاملة من التطور المستمر الذي يضع الإنسان دائماً في مركز القيادة.