انتفاضة المعدن الأصفر: الذهب والفضة يكسران الحواجز التاريخية وسط عواصف سياسية في واشنطن وطهران

افتتحت الأسواق الأمريكية تعاملات الأسبوع بزلزال اقتصادي حقيقي، حيث حلقت أسعار الذهب والفضة لتلامس مستويات قياسية جديدة لم يشهدها التاريخ من قبل. يبدو أن حالة “النفور من المخاطرة” قد سيطرت تماماً على المستثمرين، مدفوعة بموجة من الاضطرابات غير المسبوقة التي تضرب أروقة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بالتزامن مع اشتعال الشارع الإيراني باحتجاجات دموية. هذه العوامل مجتمعة دفعت رؤوس الأموال للهروب نحو الملاذات الآمنة، ليقفز الذهب في عقود فبراير بمقدار 98.30 دولاراً مسجلاً 4599.30 دولاراً للأوقية، بينما صعدت الفضة تسليم مارس بنحو 5 دولارات لتستقر عند 84.205 دولاراً.

حرب تكسير عظام بين إدارة ترامب والفيدرالي

لعل المحرك الأكبر لهذا الصعود الجنوني هو التصعيد الخطير في واشنطن، حيث كشف جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، عن تلقي البنك مذكرات استدعاء من وزارة العدل الأمريكية، ملوحة بتوجيه اتهامات جنائية تتعلق بشهادته الصيف الماضي حول تجديدات مباني البنك. هذا التحرك وصفته وكالة “أسوشيتد برس” بأنه تصعيد غير مسبوق في معركة الرئيس دونالد ترامب ضد “الفيدرالي”، تلك المؤسسة المستقلة التي طالما هاجمها ترامب لعدم خفضها أسعار الفائدة بالسرعة التي يرغب فيها.

القضية ظاهرياً تدور حول مشروع تجديد مبنيين للمكاتب بقيمة 2.5 مليار دولار، وهو ما انتقده ترامب واصفاً إياه بالبذخ المفرط. لكن باول، الذي تخلى عن دبلوماسيته المعهودة وصمته تجاه الإهانات الشخصية السابقة، خرج في بيان مصور ليصف التهديد بتوجيه تهم جنائية بأنه مجرد “ذرائع” تهدف لتقويض استقلالية البنك المركزي في قرارات الفائدة. ورغم نفي ترامب في مقابلة مع “إن بي سي نيوز” علمه المسبق بالتحقيق أو نيته الضغط على باول، إلا أن الأسواق المالية لم تقتنع، لتهوي الأسهم الأوروبية والأمريكية، وينزلق الدولار تحت الضغط، بينما قفز الذهب أكثر من 100 دولار في ليلة واحدة.

طهران تشتعل والاحتجاجات تدخل منعطفاً دموياً

على الجانب الآخر من العالم، يصب الوضع المتفجر في إيران الزيت على نار المخاوف العالمية. فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن قوات الأمن استعادت “السيطرة الكاملة” بعد أسبوعين من الاضطرابات، متهماً إسرائيل والولايات المتحدة بتأجيج المظاهرات التي راح ضحيتها المئات. وبحسب تقارير حقوقية، قُتل أكثر من 540 شخصاً واعتُقل ما يزيد عن 10 آلاف في احتجاجات شملت 186 مدينة، وهي الأعنف منذ ثورة 1979، وقد اندلعت شرارتها الأولى في 28 ديسمبر عقب انهيار مفاجئ للعملة المحلية.

النظام الإيراني يصر على رواية “المؤامرة الخارجية”، حيث صرح عراقجي للتلفزيون الرسمي بوجود أدلة على تدخل أمريكي وإسرائيلي في ما وصفه بـ”الحرب الإرهابية”، متهماً المتظاهرين باستخدام عنف يضاهي ممارسات “داعش”. وفي واشنطن، أكد الرئيس ترامب من على متن الطائرة الرئاسية أن بلاده تدرس “خيارات قوية جداً” للرد على القمع الدموي، مشيراً في الوقت ذاته إلى محاولات من القيادة الإيرانية لفتح قنوات اتصال.

تحول مفاجئ في الملف الفنزويلي

وسط هذه المعمعة، برز تطور لافت قد يغير معادلات سوق الطاقة، حيث ألمح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى احتمالية رفع عقوبات إضافية عن فنزويلا هذا الأسبوع لتسهيل مبيعات النفط الخام. بيسنت كشف لوكالة “رويترز” عن خطط للإفراج عن أصول نقدية مجمدة بقيمة 5 مليارات دولار لدى صندوق النقد الدولي للمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد الفنزويلي، في خطوة تبدو براغماتية تهدف لضخ المزيد من النفط في الأسواق العالمية.

مستقبل غامض ومخاوف من تسييس الاقتصاد

يرى المحللون الاقتصاديون أن ما يحدث هو إعادة تشكيل لقواعد اللعبة. فالهجمات المتكررة على الفيدرالي، واحتمالية خضوع ليزا كوك، عضو مجلس المحافظين، لمحاكمة أمام المحكمة العليا في 21 يناير، تضع استقلالية المؤسسة النقدية الأهم في العالم على المحك. وكما يشير كارستن مينكه من مجموعة “جوليوس باير”، فإن التدخل المتزايد في شؤون الفيدرالي يمثل “الورقة الرابحة” للمعادن الثمينة في عام 2026.

إذا انحازت المحكمة لإدارة ترامب، التي تسعى لإقالة كوك، فقد يهبط الدولار بنسبة قد تصل إلى 2%، مما سيعطي دفعة هائلة للذهب المقوم بالعملة الأمريكية. وفي ظل تضافر هذه العوامل—من انخفاض أسعار الفائدة الأمريكية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، والشعور العام بأن واشنطن قد تتراخى في كبح التضخم—يظل المعدن الأصفر هو الملك المتوج في محافظ المستثمرين الذين يرفضون المخاطرة بأموالهم في سوق تتقاذفه الأمواج السياسية.