بين ترقب العودة للقمر واقتراب وداع “هابل”.. ناسا تعيد ترتيب أوراق الفضاء

يبدو أن وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” تعيش هذه الأيام حالة من الزخم غير المسبوق، حيث تتراوح أنظار العالم ومحبي الفضاء بين ترقب انطلاق مهمة تاريخية تعيد البشر إلى محيط القمر، وبين القلق المتزايد حول مصير التلسكوب الأسطوري “هابل” الذي بدأ رحلة انحداره التدريجي نحو الغلاف الجوي للأرض.

العد التنازلي لـ “أرتميس 2”

بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على إسدال الستار على برنامج “أبولو” الشهير في عام 1972، تقف “ناسا” اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية جديدة، حيث تجري الاستعدادات على قدم وساق لإطلاق طاقم مهمة “أرتميس 2”. الفريق المختص بات جاهزاً لنقل صاروخ نظام الإطلاق الفضائي (SLS) والمركبة الفضائية “أوريون” إلى منصات مركز كينيدي للفضاء، وذلك بعد سلسلة من الاختبارات المكثفة وتجاوز بعض التأجيلات الطفيفة.

وفي تدوينة نشرتها الوكالة يوم 9 يناير، كشفت عن خططها لإجراء “بروفة رطبة” محتملة بنهاية شهر يناير الجاري، مما يمهد الطريق لإطلاق المهمة في موعد قد يكون مبكراً جداً، وتحديداً في السادس من فبراير 2026. وتنظر الوكالة لهذه الخطوة باعتبارها حجر الزاوية نحو تأسيس وجود بشري مستدام على سطح القمر، وهو ما سيشكل بدوره نقطة انطلاق حيوية لتحقيق الحلم الأكبر: إرسال أول رواد فضاء أمريكيين إلى المريخ.

طاقم المهمة وتحديات السباق الجديد

المهمة التي كان من المقرر أصلاً أن تنطلق في نوفمبر 2024، شهدت تغييرات في جدولها الزمني دفعتها إلى أبريل 2026، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بتسارع وتيرة العمل لإطلاقها في وقت أبكر من عام 2026. وسيقود المهمة رائد الفضاء ريد وايزمان، يرافقه فيكتور جلوفر وكريستينا كوك، بالإضافة إلى رائد وكالة الفضاء الكندية جيريمي هانسن. وسيقوم هذا الطاقم الرباعي باختبار أنظمة دعم الحياة في المركبة الجديدة كلياً على مدار رحلة تمتد لعشرة أيام، يقطعون خلالها أكثر من 4000 ميل للوصول إلى الجانب البعيد من القمر.

وتأتي هذه التحركات الأمريكية في وقت يشتعل فيه “سباق فضاء” حديث ومعقد؛ فالولايات المتحدة ليست وحدها في الميدان، إذ تواجه منافسة شرسة من إدارة الفضاء الوطنية الصينية التي نجحت في تنفيذ عدة مهام غير مأهولة وتطمح لهبوط بشري بحلول عام 2030. كما دخلت الهند على الخط بقوة عبر منظمة أبحاث الفضاء الهندية، التي سجلت إنجازاً تاريخياً كأول وكالة تنجح في إنزال مركبة بالقطب الجنوبي للقمر، ناهيك عن جهود القطاع الخاص المتنامية، وعلى رأسها شركة “سبيس إكس” لإيلون ماسك، التي تدفع حدود الممكن نحو القمر والمريخ وما بعدهما.

الأسطورة “هابل” في مواجهة الغروب

وعلى الجانب الآخر من المشهد الفضائي، وبينما تتجه الأنظار للمستقبل، يواجه التلسكوب الفضائي “هابل” – الذي يعد أحد أعمدة علم الفلك الحديث منذ إطلاقه عام 1990 – مصيراً محتوماً. فبسبب السحب الناتج عن الغلاف الجوي والنشاط الشمسي المتزايد، يعاني التلسكوب من تضاؤل مداري مستمر. وتشير التحليلات الأخيرة إلى أن “هابل” قد يعود ليدخل الغلاف الجوي للأرض ويحترق في وقت مبكر قد يكون عام 2029، وإن كانت التوقعات المتوسطة ترجح حدوث ذلك في عام 2033.

يلعب النشاط الشمسي دوراً حاسماً في رسم سيناريو النهاية؛ فالدورات الشمسية التي تستمر 11 عاماً تؤثر بشكل مباشر على كثافة الغلاف الجوي، مما يزيد من مقاومة الأجسام التي تدور في مدارات منخفضة. ونظراً لمستويات التدفق الشمسي الحالية التي جاءت أعلى وأطول أمداً مما كان متوقعاً، فقد تسارع معدل انحدار مدار التلسكوب بشكل ملحوظ. ورغم أن السيناريوهات المتفائلة تمدد عمره حتى عام 2040، إلا أن البيانات الحديثة من المتخصصين تضعنا أمام احتمالات أكثر تشاؤماً، مما يفرض ضغوطاً على المجتمع العلمي للتخطيط لمرحلة “ما بعد هابل”.

غياب خطط الإنقاذ والمخاطر العلمية

ما يعقد الموقف هو غياب بعثات الصيانة التي كانت تمنح “هابل” قبلة الحياة في الماضي. فمنذ تقاعد برنامج مكوك الفضاء وتنفيذ آخر مهمة صيانة في عام 2009، لم يحصل التلسكوب على أي دفعات لرفع مداره، مما تركه عرضة لتقلبات الطقس الفضائي. ورغم الحديث الذي دار في عام 2023 بين ناسا و”سبيس إكس” حول خطة محتملة لرفع مدار التلسكوب عبر برنامج “بولاريس”، إلا أن شياً ملموساً لم يتحقق على أرض الواقع حتى الآن.

ويشكل السقوط المبكر المحتمل لـ “هابل” ضربة موجعة للبحث العلمي، خاصة وأنه لا يزال يفاجئنا باكتشافات مذهلة، كان آخرها رصد جسم كوني جديد أُطلق عليه “سحابة 9” (Cloud 9)، وهي مجرة فشلت في تكوين النجوم لكنها غنية بالمادة المظلمة. إن خسارة قدرات “هابل” الفريدة في رصد الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء القريبة قد تُحدث فجوة في دراساتنا للمجرات البعيدة والكواكب الخارجية، مما يجعل المشهد الفضائي الحالي مزيجاً متناقضاً بين الاحتفال ببدء عصر استكشاف جديد وتوديع حقبة ذهبية لمراقبة الكون.