عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم مسرحية التدريب - بوابة المدينة برس
“مسرحية التدريب”..التكوين والتدريب المهني في المغرب: هدرٌ مُقنَّن أم استثمارٌ حقيقي؟
في كل عام، تُنفق المؤسسات المغربية والعربية ملايين الدراهم على برامج التكوين والتدريب المهني. وفي كل عام، تُصدَر نفس الشهادات، وتُملأ نفس الاستمارات التقييمية، وتُلتقط نفس الصور التذكارية أمام اللافتات. ثم يعود الموظف إلى مكتبه، أو يلتحق المتدرب بورشة عمله، ليواصلا أداء المهام بالأسلوب ذاته الذي كانا عليه قبل التدريب تماماً.
لا أحد يُعلن الفشل، ولا أحد يسأل عن الأثر الميداني الفعلي بعد التدريب، والمفارقة أن ميزانية التكوين تُجدَّد تلقائياً في العام القادم.
ليس هذا الطرح اتهاماً للمدربين، ولا للمتدربين، ولا لمسؤولي الموارد البشرية؛ فهؤلاء في الغالب يبذلون جهداً حقيقياً داخل قاعات التكوين. المشكلة أعمق من ذلك بكثير: إنها مشكلة “بنية”.
حين يتحوّل التقرير الرقابي إلى مرآة
في مطلع عام 2026، نشر المجلس الأعلى للحسابات تقريره السنوي، متضمناً ملاحظاته حول خارطة الطريق الخاصة بمنظومة التكوين المهني بالمغرب. لقد قرأتُ هذه الملاحظات بعينٍ مختلفة؛ لا بعين المحاسب الذي يبحث عن المخالفات المالية، بل بعين “مهندس الأنظمة” الذي يبحث عن نقاط انقطاع التدفق وتآكل القيمة. وما لفت انتباهي لم يكن الأرقام فحسب، بل النمط الهيكلي المتكرر خلفها: استثمار ضخم في البنية التحتية، حوكمة متقطعة في المتابعة، وأثر ميداني يصعب قياسه لأن أحداً لم يضع له مؤشراً دقيقاً منذ البداية.
هذا النمط ليس مغربياً خالصاً ولا استثناءً عربياً. إذ تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن فجوة المهارات تكلّف الاقتصادات خسائر جسيمة في صورة إنتاجية مفقودة وإعادة تكوين مكرر. كما وجد مسح أجرته “ماكينزي” أن 87 بالمئة من الشركات تُقرّ بأنها تعاني فعلاً من فجوة في الكفاءات أو تتوقع حدوثها خلال السنوات القليلة المقبلة، فيما لا يرى سوى ثلثها أن مؤسسته مستعدة للتعامل مع هذا الاضطراب في القوى العاملة. أما المنتدى الاقتصادي العالمي، فيتوقع في “تقرير مستقبل الوظائف 2025″ أن 59 بالمئة من القوى العاملة العالمية ستحتاج إلى إعادة تأهيل أو تطوير للمهارات بحلول 2030، فيما تظل معظم أنظمة التدريب والتكوين المهني مصممة لـ”تقديم المعرفة” لا لـ”إنتاج الأداء”.
السؤال إذن ليس: هل ندرّب كثيراً أم قليلاً؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا لا يتحول التدريب إلى أداء ميداني مستدام؟
المشكلة ليست في المحتوى
الإجابة المعتادة حين يخفق برنامج تدريبي هي: المحتوى غير ملائم، أو المدرب غير كفؤ، أو المتدرب غير مهتم. وعلى هذا الأساس السطحي، يُعاد تصميم البرنامج نفسه، أو يُستدعى مدرب آخر، أو تُضاف ساعات إضافية للمقرر، لتتكرر النتيجة المخيبة ذاتها.
البحث التنظيمي الميداني يشير إلى شيء مختلف تماماً: نسبة ضئيلة فقط من المهارات المكتسبة في قاعات التدريب تنتقل فعلاً إلى بيئة العمل، فيما يتبخّر الجزء الأكبر من الاستثمار التدريبي. وهذه الفجوة موثقة في أدبيات التعلم والتطوير منذ عقود، ولا تزال مستقرة رغم كل التطور الهائل في أساليب التدريب وتقنياته. والسبب ليس أن المحتوى رديء، بل أن النظام المحيط بالمتكَوِّن لم يُصمَّم أصلاً لاستقبال ما تعلّمه.
يخرج الموظف، أو المتدرب حديث التخرج، من قاعة التكوين بحماس حقيقي ورغبة في الإنجاز، ثم يصطدم ببيئة عمل تكافئ السرعة على حساب الجودة، ولا توفر له وقتاً محمياً للممارسة. لا أحد يسأله عمّا تعلّمه، ولا يتابع مديره المباشر أو مشرفه ما إذا كان السلوك المهني الجديد يظهر فعلاً في الوردية. في هذا السياق، العودة إلى النمط القديم ليست مقاومةً للتغيير، بل هي استجابة عقلانية تماماً لنظام لم يتغيّر. هنا، الموظف أو المتدرب لا يقاوم التدريب؛ هو ببساطة يقرأ بيئته ويتصرف وفقاً لما تكافئه.
التدريب ليس حدثاً، بل هندسة
ما يحتاجه المغرب – وما تحتاجه المنطقة العربية ككل – ليس مزيداً من الدورات التدريبية المكدسة، بل إعادة تصميم جذرية للعلاقة بين التعلم والأداء. التحول المطلوب ليس في المحتوى، بل في المنطق الحاكم: من “إدارة أنشطة التكوين” إلى “هندسة الكفاءة”.
الكفاءة الحقيقية لا تُصنع في القاعة، بل تتشكّل في الميدان حين تتوفر ثلاثة شروط مجتمعة: محتوى مُصمَّم انطلاقاً من فجوة الأداء الميداني (لا من المعرفة النظرية المتاحة)، بيئة عمل تدعم التطبيق وتحميه، وآليات متابعة منتظمة تمنع اضمحلال المهارة قبل أن ترسخ كعادة سلوكية.
حين يغيب أيٌّ من هذه الشروط، يتحول الأمر إلى ما أسميه “مسرحية التدريب”: أداء متقن داخل القاعة، تصفيق في الختام، شهادة تُحفظ في الملف، ولا أثر يُذكر في الميدان.
المفارقة أن هذه “المسرحية” لا تزعج أحداً في الوقت الحالي؛ فالجميع مرتاح: المدرب أدى مهمته، والمتدرب حصل على شهادته، والمؤسسة وثّقت عدد ساعات التكوين في تقريرها السنوي. لكن الخسارة الحقيقية خفية، تظهر لاحقاً في تراجع الإنتاجية، وتكرار الأخطاء التشغيلية، وحاجة الصناعة لإعادة تدريب الخريجين من الصفر.
ثلاثة أسئلة قبل أي ميزانية تكوين
أنا لا أدعو إلى إلغاء التدريب، ولا أطرح نظرية معقدة. أدعو إلى شيء أبسط بكثير: أن نبدأ بطرح الأسئلة الصحيحة.
قبل توقيع أو المصادقة على أي ميزانية تكوين، يكفي طرح ثلاثة أسئلة حاسمة على الجهة الطالبة:
هل سيجد الموظف (أو المتدرب الملتحق حديثاً) وقتاً محمياً في جدوله لتطبيق ما تعلّمه خلال الأسبوعين التاليين للتدريب؟
هل سيتابعه مديره المباشر في مكان العمل ويسأله عمّا تغيّر في أسلوب أدائه للمهام؟
هل ثمة مؤشر أداء (KPI) واحد ومحدد سيتغير نتيجة هذا التكوين، ونحن قادرون فعلياً على قياسه؟
إذا كانت الإجابة عن اثنين منها بـ”لا”، فالاستثمار على الأرجح محكوم عليه بالهدر، مهما كان المحتوى متميزاً والمدرب محترفاً. هذه الأسئلة ليست نقداً أو تشكيكاً في نوايا أحد، بل هي الشرط الأدنى لإرساء مساءلة جادة.
رهان المغرب يستحق أكثر من شهادات حضور
يستثمر المغرب اليوم بقوة في مدن المهن والكفاءات، وفي التحول الصناعي، وفي استقطاب الاستثمارات الأجنبية التي تشترط وجود قوة عاملة مؤهلة ومنتجة. هذا الرهان الوطني جاد، ويستحق درجة عالية من الجدية في التنفيذ. لكن ضخ الاستثمارات في البنية التحتية للتكوين دون إصلاح المنطق الحاكم لعمليات نقل المهارة يشبه بناء طريق سيّار حديث بلا إشارات مرور؛ البنية موجودة، لكن الحركة فوضوية.
ما نحتاجه، إلى جانب الاستثمار في المباني والمعدات، هو استثمار حقيقي في “هندسة الكفاءة”: في التصميم العكسي للبرامج انطلاقاً من الأداء التشغيلي المطلوب، وفي قياس الأثر الميداني بمؤشرات موضوعية، وفي تأهيل المديرين والمشرفين ليكونوا شركاء أساسيين في نقل المعرفة إلى الميدان، لا مجرد موقّعين على طلبات التسجيل.
لأن شهادة الحضور، مهما كانت أنيقة، لا تصنع مهندساً، ولا تصنع تقنياً ماهراً، ولا تخلق مؤسسة قادرة على المنافسة.
ختاماً
نحن لا نفتقر إلى الإرادة في التكوين، ولا تنقصنا الميزانيات في أغلب الأحيان. ما يغيب عنا حقاً هو السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح في نهاية كل برنامج تدريبي. لم يعد مقبولاً أن نسأل: “هل كان المتدربون راضين؟”، بل يجب أن نسأل بشجاعة: “كم تغيّر الأداء في الميدان؟”
لقد نبّه جلالة الملك محمد السادس إلى جوهر هذه المعضلة حين حذّر من أن نظامنا التعليمي لا يجوز أن يستمر في تخريج أفواج من حاملي الشهادات الذين يجدون صعوبة قصوى في الاندماج في سوق الشغل، واصفاً ذلك بأنه “هدرٌ صارخ للموارد العمومية، ولطاقات الشباب، مما يعرقل مسيرات التنمية، ويؤثر في ظروف عيش العديد من المغاربة”. وهذا بالضبط جوهر ما تواجهه منظومة التكوين اليوم.
والمخرج، كما لخّصه جلالته في توجيهه نحو “ترسيخٍ حقيقيٍّ لثقافة النتائج، بناءً على معطيات ميدانية دقيقة”، هو الانتقال من ثقافة “كثرة المنجزات” المتمثلة في استهلاك الميزانيات ومراكمة الشهادات وساعات التدريب، إلى ثقافة “الوقع الفعلي” المتمثلة في الأداء الميداني المستدام.
يوم نجعل هذا “الوقع الفعلي” معياراً إلزامياً وحاكماً، لا خياراً تجميلياً، سيتغير كل شيء آخر تلقائياً.








0 تعليق