لم أعد فردانيًا كما كنت ! - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم لم أعد فردانيًا كما كنت ! - المدينة برس

لو سألتني قبل سنوات قليلة كيف تعرف نفسك، لما ترددت لحظة في الإجابة: فرداني.. طوال عقدين من عمري تقريبا كنت أرى أن الإنسان لا يدين بشيء لأحد، الحرية هي القيمة الأعلى، والمجتمع غالبًا ما يكون عبئًا على الفرد أكثر منه سندًا له.

كانت الفردانية بالنسبة لي وعدًا بالخلاص.. ولما لا وأنت الوحيد صاحب الحق الحصري في رسم حدود عالمك بنفسك.. وحدك من يختار الطريق بعيدًا عن ضجيج الآخرين وأحكامهم. سنوات طويلة.. بدا لي هذا التصور منطقيًا للغاية.

لكن مع التقدم في العمر، والاحتكاك اليومي بالناس والأسرة والعمل والأصدقاء.. بدأت أكتشف أن الإنسان ليس كائنًا مستقلًا بالقدر الذي كنت أتخيله، بل على العكس.. كل قرار نتخذه يترك أثرًا في شخص آخر، وكل مسؤولية نهرب منها يدفع ثمنها المجتمع بطريقة أو بأخرى. حينها فقط أدركت أن الفردانية التي آمنت بها ليس خاطئة.. لكنها كانت ناقصة.

 

الفردانية التي نشأت في الغرب -على اختلاف ألوانها- لها ثوابت صارمة.. حرية نعم.. ولكن هناك مسؤولية أكبر. احترام القانون جزء من الحرية، والالتزام تجاه الأسرة والمجتمع هو أساس لاستقلال الفرد وليس نقيضًا له.

 

أما الفردانية عندنا، فهي غالبًا تحتفظ بالنصف الأول فقط، نطالب بحقوقنا كاملة ونريد حرية مطلقة، دون أن نقبل أي تكلفة اجتماعية أو أخلاقية لهذه الحرية! هنا تتحول الفردانية من فلسفة تحرر للإنسان.. إلى غطاء يمنحه المبرر لأن يكون «ابن مصلحته» وكفى.

 

ربما أدركت بعد أن دفعت ثمنًا مناسبًا لأفكاري وقناعاتي، أن القيود الاجتماعية التي كنت أرفضها ليست كلها أدوات للقمع كما كنت أتصور.. بل بعضها وسيلة منضبطة لحماية العلاقات، وحفظ الأسرة، وبناء الثقة بين الناس.

 

صحيح أن المجتمع يحتاج إلى مراجعة مستمرة.. وعادات كثيرة تستحق النقد والتغيير.. لكن هدم فكرة الانتماء نفسها ليس إصلاحًا.. بل بداية تفكك يصعب ترميمه لاحقًا!

 

ماذا عني اليوم إذن؟

اليوم لا أرى نفسي فردانيًا بتفاصيلي القديمة.. وفي الوقت نفسه لا أرتاح للجماعية بمعناها التقليدي.. أصبحت أؤمن أن الإنسان لا يكتمل إلا بمعادلة بسيطة وإن كانت صعبة في الوقت نفسه.

نعم يستطيع أن يحتفظ بحريته كاملة، دون أن ينسى أن هناك آخرين يتأثرون بالطريقة التي يعيش بها هذه الحرية.. فالانتماء للمجموع ليس تنازلًا عن الذات -كما كنت أظن يومًا- بل هو الصورة الأكثر نضجًا لها! 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق