عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الولاء بدل الكفاءة - بوابة المدينة برس
كيف تفقد السياسة في المغرب معناها؟
لم تعد الأزمة السياسية في المغرب، كما في كثير من الدول، مرتبطة فقط بضعف الأحزاب أو تراجع المشاركة الانتخابية، وإنما أصبحت أزمة بنيوية تمس معنى السياسة نفسها. فحين تتحول الأحزاب إلى أدوات لتدبير المواقع بدل إنتاج الأفكار، وتصبح الانتخابات مجرد آلية لتجديد النخب نفسها بدل تجديد المشروع المجتمعي، يفقد العمل السياسي جوهره، ويتحول إلى ممارسة شكلية تدور داخل دائرة مغلقة.
في التجارب الديمقراطية الحقيقية، تنشأ الأحزاب من اختلافات فكرية ورؤى متباينة حول الاقتصاد والتعليم والعدالة الاجتماعية والحريات. أما حين تتقارب الأحزاب إلى الحد الذي يصبح فيه التمييز بين برامجها أمرًا بالغ الصعوبة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا ينتخب المواطن؟ هل ينتخب مشروعًا سياسيًا مختلفًا، أم مجرد أشخاص يتبادلون المواقع داخل البنية نفسها؟
لقد أصبحت البرامج الانتخابية، في كثير من الأحيان، أقرب إلى نصوص إنشائية منها إلى تعاقدات سياسية قابلة للقياس والمحاسبة. تتكرر الوعود نفسها في كل استحقاق انتخابي: تحسين التعليم، إصلاح الصحة، خلق فرص الشغل، محاربة الفساد، دعم الاستثمار، تعزيز العدالة الاجتماعية. لكن هذه الشعارات العامة تكاد تكون مشتركة بين مختلف الأحزاب، دون أن تقدم كل جهة تصورًا متمايزًا يوضح الوسائل والخيارات الاقتصادية والسياسية التي ستمكنها من تحقيق تلك الأهداف.
إن البرنامج السياسي يفقد قيمته عندما يصبح مجرد أداة انتخابية لا وثيقة تعاقدية. وحين يغيب الربط بين الوعد السياسي وآليات المحاسبة، تتحول الانتخابات إلى مناسبة لتبادل الخطابات أكثر منها مناسبة لاختيار السياسات.
ولا يمكن فهم هذا الواقع بمعزل عن طبيعة النخب الحزبية نفسها. ففي العديد من الأحيان، يبدو أن عملية تداول الأشخاص داخل الأحزاب أو انتقالهم بينها لا يصاحبها تحول حقيقي في الأفكار أو في المشاريع. فتتغير الأسماء، بينما تبقى البنية السياسية وآليات اتخاذ القرار والعلاقات مع مراكز النفوذ مستقرة إلى حد بعيد. وبهذا المعنى، يصبح التداول في كثير من الأحيان تداولًا داخل النخبة أكثر منه تداولًا بين مشاريع مجتمعية متنافسة.
ومن أخطر نتائج هذا الوضع أن المواطن يفقد تدريجيًا ثقته في السياسة باعتبارها وسيلة للتغيير. فحين يلاحظ أن الحكومات تتغير بينما تستمر المشكلات البنيوية نفسها، وأن الخطابات تتبدل بينما تبقى النتائج متقاربة، يتولد شعور بأن الانتخابات لا تغير سوى الوجوه، أما السياسات العامة فتظل تتحرك داخل هامش محدود.
كما يؤدي ضعف التمايز البرامجي إلى إفراغ الفضاء العمومي من النقاش الفكري. فبدل أن تتنافس الأحزاب حول نماذج اقتصادية أو رؤى ثقافية أو تصورات مختلفة للدولة والمجتمع، يتحول التنافس إلى صراع حول المواقع، والتحالفات، والتوازنات الانتخابية. وهنا تغيب السياسة بمعناها النبيل لتحل محلها تقنيات إدارة السلطة.
ولا يعني هذا أن جميع الفاعلين السياسيين متشابهون أو أن جميع الأحزاب متطابقة؛ فداخل كل حزب توجد كفاءات وأفكار وتجارب مختلفة، كما أن بعض المبادرات الإصلاحية قد تترك أثرًا ملموسًا. غير أن الإشكال المطروح يتعلق بالبنية العامة للممارسة السياسية عندما تصبح المنافسة على تدبير السلطة أقوى من المنافسة على إنتاج البدائل.
إن الديمقراطية لا تقاس فقط بوجود انتخابات دورية، وإنما بوجود قدرة حقيقية على الاختيار بين مشاريع مختلفة، وبإمكانية محاسبة المسؤولين على أساس ما تعهدوا به. أما إذا أصبح البرنامج الانتخابي مجرد وثيقة دعائية، وأصبحت الأحزاب متقاربة في الخطاب والممارسة إلى درجة يصعب معها تمييز أحدها عن الآخر، فإن العملية السياسية تفقد جزءًا مهمًا من معناها.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الشعارات، بل إلى إعادة الاعتبار للفكر السياسي داخل الأحزاب، وإلى ترسيخ ثقافة البرامج القابلة للتقييم، وإلى تعزيز آليات المساءلة التي تجعل من الانتخابات محطة لمحاسبة السياسات لا مجرد مناسبة لإعادة توزيع الأدوار. فالمجتمع الذي يفقد ثقته في السياسة لا يربح الاستقرار، بل يخسر أهم وسيلة سلمية لإدارة الاختلاف وصناعة المستقبل.








0 تعليق