من يتولى الولاية؟ - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم من يتولى الولاية؟ - بوابة المدينة برس

في يوم بلا لون، كنتُ منهمكاً في ترتيب بعض أوراقي المنسية، فعثرتُ على ورقة غزاها غبار السنين. سطورٌ كتبتها قبل حوالي خمس سنوات، سافرت من خلالها عبر تعرجات ذلك الصراع الأبدي الأزلي بين الباطل والحق، بين الجاه والوجاهة وبشاعة التوظيف الجائر للسلطة، بمفاهيمها الضيقة والواسعة، بين تطويع القوانين لتستجيب للهوى، وبين قوة المصداقية والنزاهة. لم أكن يومها طرفاً في النازلة لا من قريب ولا من بعيد، لكني حملتُ وزرَ الأولين والآخرين، فكتبتُ يومها هذه الصرخة في وجه بلداء بلدي، وهي كالتالي:

“في مكان ما، لم أعد أتذكر تفاصيل تضاريسه جيداً، كانت تنتشر أقوام كالجراد، تناسلت كالفطريات في زوايا مظلمة، عرفها أهل الصفاء بقبيلة أولاد علي. حاكمها لا ينطق إلا على الهوى.

في يوم ما، مازلت أتذكره جيداً، كيف لا وهو يوم الزينة؟ قرعت فيه الطبول، وقُدِّمت فيه المكرومات لأولياء من لا ولي لهم، وتدلت فيه البطون هاربة من أصحابها، كما الجيوب، وحُفِرَت فيه قبور لوأد البنين والبنات، المخلصين والعصاة. يومها كثر الهرج والمرج، وارتعدت فرائس كبير قبيلة أولاد علي، وسأل: من يتولى الولاية؟ نزل السؤال كشهاب ناري في ليلة مظلمة، ثقيلاً كنذير شؤم الغسق، تصبب جبينه عرقاً، لم يعد يعرف ما يقدم ولا ما يؤخر. لقد جنت براقش على نفسها وعلى البلاد والعباد. قيل يومها: الأكبر سناً يحكم. لا، لا، بل الأصغر سناً أولى بالولاية، قال آخرون.

جلست يومها غير بعيد عن الموقد، أرقب وأترقب. قيل لي: أفتِ. قلت: كيف أفتي ومالك في المدينة؟ قالت الحاشية: من الأولى بالولاية؟ قال قائل منهم: أهل الحل والعقد أدرى بمن يتولى الولاية، أليست بيدهم مفاتيح المُغلق، وتُحَلُّ ببركتهم العُقد، ويُشفى على أيديهم كل عليل؟

قال شيخ أحضروه ليكون من الشهداء على حسن الخاتمة، كان يجلس منسياً داخل جلبابه الصوفي، يضع على رأسه عمامة بيضاء كساها غبار يوم الزينة، فتحولت إلى خرقة داكنة. أفتونا فيمن يتولى الولاية. قلت لكبير القوم: كنتُ صائماً يومها، والماء الزلال يفسد صيام الزهاد.

استقر رأي القوم على الأكبر سناً لتولي الولاية. كيف لا وقد ثبت اسمه حبراً في الصحيفة التي لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من أمامها ولا من تحتها؟ قال قائل ممن أوتي الحكمة: قد يأتيها من فوقها. فضحك القوم، وقالوا: إن حدث هذا، والله إنه لأمر عجاب.

صفق كبير القوم، وتبعته غواني الحي بالزغاريد، وهرول الجمع إلى السقيفة ليختاروا من يحكم القبيلة. لم يعد يومها لا حاكم ولا محكوم. صراخ يتطاير كشظايا قنبلة موقوتة انفجرت توّاً، يسقط جمراً ملتهباً على رؤوس البعض، ويثلج صدور البقية الباقية. لا أكبرهم ولا أصغرهم سناً تولى الولاية. شابت ولدان يوم الاثنين، وفي الهزيع الأخير من ليلته، وُلِدَ اللقيط بدون قماط.

في مكان ما، وفي يوم ما، لم أعد أتذكر لونهما، كثر الهرج والمرج، وارتعدت فرائس كبير قبيلة أولاد علي. صاح في القوم بعد أن أزبد وأرعد: كيف لا يولى على القبيلة من الصحيفة؟ إنكم لا تفقهون شيئاً، ولا تعلمون ما علمت حين كنت في المهد صبياً. علمت أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن القانون آلة طرب أيضاً، وأن الميزان آلة وزن من صنع البشر، فلا توصوني بأن أقيم الوزن، وألا أخسر هذا الميزان.

مرت الساعات على كبير قبيلة أولاد علي كأنها أعوام. لقد خرجت أسراب الحمام الزاجل من أقفاصها، لا تحمل كالعادة رسائل المحبة والود والإخاء، بل حملت في هذه المرة الشؤم والخزي والعار، وكشفت عورات أقوام، وحولت السباع الضارية إلى لعب كارطونية بالية.

أصبحت سقيفة القوم قطعة جحيم، صال من صال وجال من جال، وكثرت الأقزام في المكان. وبعيداً عن صخب السقيفة، لم يعد كبير قبيلة أولاد علي يطيق صبراً، صاح في القوم: إن هذا في الصحف الأولى، أكبرهم سناً يعلو ولا يُعلى عليه، قضي الأمر الذي استفتيتموني فيه، ألست أنا كبيركم الذي علمكم السحر؟

اشتد الكرب، وانفرج الكرب، فُتحت الأبواب، وأُعطيت الدروس الإضافية للمتأخرين في الفهم، أو للذين يعانون من مشاكل في العملية التعليمية والتعلمية. وكان ما كان مما لست أذكره. فُتحت الصحف، طُويت الصحف، الأكبر سناً عريس الليل الحالك، الأكبر سناً تولى الولاية، باسم الله مجراها ومرساها. لم تشفع لأصغرهم سناً متون القوانين والسنن، ما تبقى له سوى ماء البحر يغترف منه للارتواء، وللغسل الأكبر والأصغر.

في صبيحة اليوم الموالي، ومع إشراقة شمسه، اجتمع كبير قبيلة أولاد علي بعلية القوم، فكروا وقدروا، ثم نظروا، ثم عبسوا وبسروا، ثم أدبروا واستكبروا، فقالوا: إن هذا لساحر أو به جنة، أبعدوه عن محرابنا المقدس لكي لا يدنس. نودي على المعتوه ليقرأ ما تيسر من سورتي الأحزاب والأنعام، ويصدح بإقامة صلاة الجنائز بلا جثامين. تعجب عقلاء القوم: هل لصلاة الجنازة إقامة؟ قال المعتوه: أمرنا بالإقامة لنحدث للأجيال القادمة ركناً خارج الأركان، ما لكم لا تعقلون؟ فلولا الجنائز ما أقمنا الصلاة، ولا قدمنا القرابين.

هذه أعراف قبيلة أولاد علي الخرافية، تُقام صلوات الجنائز في جوف الليالي المظلمة، وتُذبح الخرفان في الأفراح كما في المآتم، قرباناً للآلهة، نيلاً للرضى وتكفيراً عن الزلات والآثام.

رضيت القرابين بحكم القدر، مؤمنة بأن الله يمهل ولا يهمل، وأنه يضع سره في أضعف خلقه.

عشت يا وطني سالماً معافى، ولن يكون المستقبل إلا لأصغرهم سناً. فللتاريخ مزبلته التي تجيب حين تسأل: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟”

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق