عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم ورقة بحثية ترصد الفجوة بين نمو الاقتصاد وتحسن معيشة الأسر بالمغرب
هبة بريس – شفيق عنوري
سلطت ورقة بحثية جديدة بعنوان “من نمو الاقتصاد إلى تحسن المعيشة – قراءة نسقية استشرافية” صادرة عن مركز “أوميغا”، الضوء على ما وصفته بالمفارقة القائمة بين تحقيق الاقتصاد المغربي معدلات نمو إيجابية، واستمرار شعور شريحة واسعة من الأسر بتراجع أوضاعها المعيشية.
واعتمدت الورقة التي أعدها الخبير الاقتصادي أمين سامي، على مقاطعة معطيات الحسابات الجهوية لسنة 2024 مع نتائج بحث الظرفية لدى الأسر خلال الفصل الثاني من سنة 2026 الصادرين عن المندوبية السامية للتخطيط، في محاولة للإجابة عن سؤال جوهري يتعلق بأسباب عدم انعكاس المؤشرات الاقتصادية الإيجابية على الحياة اليومية للمواطنين.
وأكدت الوثيقة أن الاقتصاد المغربي سجل سنة 2024 نمواً حقيقياً بنسبة 4.4 في المائة، فيما بلغ الناتج الداخلي الإجمالي نحو 1.614,6 مليار درهم، غير أن هذه الدينامية لم تنعكس، وفق المركز، على ثقة الأسر، التي تراجعت إلى 60.1 نقطة خلال الفصل الثاني من سنة 2026.
وأشارت إلى أن نتائج بحث الظرفية أظهرت أن 78.3 في المائة من الأسر تعتبر أن مستوى معيشتها تدهور، في حين لم تتمكن سوى 2.6 في المائة من الادخار، بينما يتوقع 57.2 في المائة من الأسر ارتفاع معدل البطالة، وهو ما اعتبرته الوثيقة مؤشراً على وجود فجوة بين النمو الاقتصادي والأمن الاقتصادي للأسر.
ورصدت الورقة تفاوتات جهوية في وتيرة النمو، حيث تصدرت جهة العيون-الساقية الحمراء بنسبة نمو بلغت 7.6 في المائة، تلتها الداخلة–وادي الذهب بـ7 في المائة، مقابل 1.6 في المائة بجهة فاس-مكناس 2.1 في المائة بجهة بني ملال-خنيفرة.
وفي المقابل، أوضحت أن ثلاث جهات فقط، هي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة، تستحوذ مجتمعة على 58.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، مقابل 7.8 في المائة فقط للجهات الجنوبية الثلاث وجهة درعة–تافيلالت مجتمعة، ما يعكس، بحسب الوثيقة، استمرار التركز الاقتصادي في عدد محدود من الأقطاب.
كما لفتت الورقة إلى أن ارتفاع الناتج الداخلي للفرد لا يعني بالضرورة تحسن دخله أو مستوى معيشته، مشيرة إلى أن المتوسط الوطني للناتج للفرد بلغ نحو 43.891 درهماً، بينما سجلت جهة الداخلة–وادي الذهب نحو 92.904 دراهم للفرد، في وقت لم يتجاوز فيه الاستهلاك الفردي 34.515 درهماً، معتبرة أن هذا التفاوت يفسر جانباً من ضعف انعكاس النمو على الواقع الاجتماعي.
وأرجعت الوثيقة هذا التناقض إلى عدة عوامل، من بينها عدم تحول جزء مهم من الناتج إلى دخل متاح للأسر، وهيمنة الأنشطة الرأسمالية كثيفة الاستثمار قليلة التشغيل، وتأثير التضخم على النمو الاسمي، إضافة إلى التفاوتات المجالية والاجتماعية، وارتفاع تكاليف السكن والنقل والخدمات، فضلاً عن اعتماد بعض الأسر على الاقتراض أو استنزاف مدخراتها للحفاظ على مستوى الإنفاق.
ورأت الدراسة أن الاقتصاد المغربي لم يعد يمثل منظومة متجانسة، بل أصبح يتكون من اقتصادات جهوية متعددة تختلف في بنيتها ومصادر قوتها وهشاشتها، بين جهات صناعية ولوجستية، وأخرى إدارية وخدماتية، وسياحية، وفلاحية متأثرة بالجفاف، وأخرى بحرية وصحراوية صاعدة.
واستشرفت الوثيقة خمسة سيناريوهات للفترة الممتدة بين 2027 و2035، تشمل استمرار تمركز النشاط الاقتصادي في الأقطاب الكبرى، أو بروز أقطاب إنتاجية جديدة، أو تحقيق نمو اقتصادي دون تحسن ملموس في رفاه الأسر، أو التعرض لصدمات متزامنة كالجفاف وتراجع السياحة والقيود التجارية، أو الانتقال نحو نموذج ترابي أخضر قائم على استثمار الموارد المحلية والطاقة والاقتصاد الأزرق.
وأوصت الوثيقة بإرساء مؤشرات جديدة تقيس مدى انتقال الثروة إلى الأسر على المستوى الجهوي، وربط الاستثمار بآثاره على التشغيل المحلي ونقل التكنولوجيا وتقليص الفوارق المجالية، إلى جانب تعزيز سلاسل القيمة بين الجهات، وتطوير سياسات لدعم الادخار الأسري والإدماج المالي وحماية الأسر من المديونية.
وخلصت الورقة إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على رفع معدلات النمو الاقتصادي، بل يتمثل في تحويل هذا النمو إلى دخل محلي مستدام، ووظائف مستقرة، وخدمات عمومية ذات جودة، بما يعزز قدرة الأسر على الادخار ويُحسن شعورها الفعلي بمستوى المعيشة.



0 تعليق