عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم إصدار كتاب “مملكة الأوراش” لكاتبه إسماعيل الحمراوي
يأتي كتاب مملكة الأوراش في سياق محاولة فكرية وأكاديمية لقراءة واحدة من أكثر المسارات السياسية والتنموية فرادةً في العالم العربي والإفريقي المعاصر، وهو المسار الذي بصم المملكة المغربية منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه العلوين. غير أن هذه القراءة لا تقف عند حدود الجرد الكرونولوجي للإنجازات، ولا تكتفي بالإحصاء والتوثيق فقط، بل تسعى إلى فهم البنية العميقة لما جرى: كيف تشكّل نموذج جديد للدولة المغربية؟ وما الخيط الناظم الذي يربط بين عشرات الأوراش المتنوعة في مجالاتها وتواريخها وأهدافها؟ وكيف تحولت سياسة الحكم في هذه المرحلة من ممارسة قطاعية منفصلة إلى رؤية حضارية متكاملة؟
لا يتعامل هذا الكتاب مع “الأوراش الكبرى” باعتبارها مجرد مشاريع للبنيات التحتية أو استثمارات عمومية ضخمة، بل يقرأها بوصفها فلسفة حكم متكاملة تقوم على ثلاث دعائم متشابكة: فكرة الدولة المبادِرة التي لا تنتظر حتى تتضح ملامح الأزمة لتتحرك، بل تستبق وتُصمِّم وتُهندس؛ وفكرة الدولة الاجتماعية التي تجعل من العدالة التوزيعية وتقليص الفوارق المجالية ركيزةً للشرعية لا مجرد التزام أخلاقي؛ وفكرة دولة “الثقة الوطنية” التي تُحوِّل التنمية إلى أداة لإعادة إنتاج الثقة السياسية وتجديد العقد الاجتماعي بين المؤسسة والمواطن.
يطرح الكتاب عنوانا جوهريا يتجاوز حدود الدراسة الوصفية: أو كيف استطاعت المؤسسة الملكية أن تُنجز، في ظرف ربع قرن فقط، تحولاتٍ هيكلية ممتدة عبر قطاعات متعددة ومتباينة، في حين تعثّرت دول مماثلة في تحقيق إصلاحات مقاربة رغم توفرها على موارد أوفر وضغوط دولية أشد؟ والجواب الذي يُقدّمه الكتاب لا يُرجع الأمر إلى الوفرة المادية ولا إلى حسن الطالع التاريخي، بل يكشف عن منطق داخلي يقوم على: الاستمرارية في الرؤية رغم تعاقب الحكومات، والتراكم المؤسسي الذي يُحوِّل كل ورش إلى رافعة للورش التالي، والروايةِ التأسيسية الجامعة التي تمنح مجموع الأوراش معنىً سياسياً ومجتمعياً يتجاوز مجموع أجزائه.
يعتمد الكتاب على مقاربة تحليلية متعددة الأبعاد، تجمع بين القراءة التحليلية للخطاب الملكي بوصفه وثيقةً استراتيجية مؤسِّسة لا مجرد خطاب للشرعية، والتحليل الكرونولوجي المقارن للسياسات العمومية لرصد مسارات التراكم عبر الزمن، واستحضار السياق الإقليمي والدولي لوضع التجربة المغربية في منظورها الصحيح. وهذه المقاربة الثلاثية تُتيح للكتاب تجاوز نقطتَين متقابلتَين: المديح المُفرِط الذي يُهمل الإكراهات والنقائص، والنقد المُجرَّد الذي لا يُقِرّ بحجم ما أُنجز.
يُقارب الكتاب موضوعه عبر ثلاثة محاور كبرى تُشكّل طبقات متراتبة من التحليل. المحور الأول يتناول التنمية البشرية والإصلاح المؤسسي من خلال جملة من الأوراش الكبرى: المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقها الملك عام 2005 لتكون أحد أكبر مشاريع العدالة الاجتماعية في المنطقة، وورش الحماية الاجتماعية الشاملة الذي وُصف بأنه ثورة اجتماعية حقيقية تهدف إلى تعميم التأمين الصحي وتوسيع نطاق التعويضات، والإصلاحات الدستورية لعام 2011 التي أرست مبدأ استقلالية السلطة القضائية ووسّعت دائرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويُبرز الكتاب في هذا المحور الرابط الحيوي بين الإصلاح الحقوقي وهيئة الإنصاف والمصالحة من جهة، والاستقرار السياسي والمؤسساتي من جهة أخرى، بما يُقدِّم تجربة العدالة الانتقالية المغربية نموذجاً في بناء الثقة وطيّ صفحات الماضي.
المحور الثاني يُقارب الأوراش الاقتصادية والطاقية والبنية التحتية من زاوية الجغرافيا الاستراتيجية لا من زاوية المشاريع المنفردة. فالقطار الفائق السرعة البراق والمركب المينائي طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي ليست مشاريع متجاورة بالصدفة، بل أضلاع متماسكة لرؤية واحدة: تحويل المغرب من هامش البحر الأبيض المتوسط إلى مركز ربط استراتيجي بين ثلاث قارات. وفي المجال الطاقي، يُبيّن الكتاب كيف تحوّلت استراتيجية الطاقات المتجددة — من الطاقة الشمسية إلى طاقة الرياح وصولاً إلى أفق الهيدروجين الأخضر — إلى رافعة لاكتساب السيادة الطاقية وتعزيز التنافسية الاقتصادية وترسيخ المكانة الدولية في آن واحد. ويُحلّل الكتاب أيضاً ورش الجهوية المتقدمة الذي أعاد رسم توزيع السلطة بين المركز والأقاليم، والنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي يجعل من الصحراء المغربية قطباً اقتصادياً وصلةَ وصل إفريقية.
المحور الثالث يُفرد الكتاب لمكانة الشباب في الخطاب الملكي عبر أربع مراحل زمنية بين 1999 و2024، كاشفاً عن تحول جوهري في فلسفة الدولة: من نموذج «الرعاية» الذي يُعامل الشباب موضوعاً للسياسات، إلى نموذج «التمكين» الذي يجعل منه فاعلاً في المشروع التنموي الوطني. وهذا المحور يكشف من زاوية مُغايِرة عن طبيعة العقد الاجتماعي الجديد الذي تُؤسِّسه سياسة الأوراش الكبرى: عقد يقوم على الاستثمار في الرأسمال البشري الشاب بوصفه شرطاً للاستدامة التنموية لا مجرد التزاماً اجتماعياً.
يتوقف الكتاب بالتفصيل عند الأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية لهذه الأوراش، مناقشاً كيف سعى المغرب إلى إعادة تموقعه إقليمياً ودولياً. فالانفتاح الأفريقي الذي قاده الملك محمد السادس بنفسه عبر أكثر من خمسين زيارة لدول القارة وتوقيع مئات الاتفاقيات التنموية، ليس دبلوماسيةً ناعمةً عابرة، بل مشروعٌ سيادي يرمي إلى تحويل المغرب إلى بوابة التقاء محورَي التجارة الأطلسي والإفريقي. ويُحلّل الكتاب هذه الاستراتيجية من خلال مشاريع محوريةٍ عدة: أنبوب الغاز المغرب–نيجيريا بوصفه مشروعاً للتكامل الطاقي القاري الذي يُعيد رسم خريطة الأمن الطاقي الأوروبي–الإفريقي، وترسيم المجالات البحرية بوصفه خطوةً سيادية تُحدِّد حقوق الاستغلال الحصري للموارد، والمسار الدبلوماسي الطويل في ملف الصحراء المغربية الذي توّج بالقرار الأممي 2797 عام 2025.
يُقدِّم الكتاب في خاتمته تجربة المغرب في الإصلاح التدريجي والاستقرار المؤسساتي والتنمية المتواصلة بوصفها نموذجاً في تدبير الانتقال والتحول داخل الدول الصاعدة. فـ«مملكة الأوراش» ليست كتاباً عن المشاريع فقط، بل هو كتاب عن فكرة الدولة وعن إرادة الإصلاح وعن العلاقة بين الشرعية والتنمية وعن السياسة حين تتحول إلى رؤية حضارية طويلة النفس. وما يجعل هذا النموذج جديراً بالتحليل والتأمل هو قدرته على الجمع بين ثلاثة توترات يعجز كثير من الأنظمة عن التوفيق بينها: التجديد دون قطيعة، والتراكم دون جمود، والاستقرار دون ركود. وهذا بالضبط ما يُسمّيه الكتاب «مملكة الأوراش»: ليس مملكةَ المشاريع المُنجَزة فحسب، بل مملكةَ الأوراش المفتوحة دائماً على المستقبل.



0 تعليق