عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم شركات صناعة “الكابلاج” بالمغرب.. “الجحيم الصامت” للعمال

حجم الخط:
استمع للخبر
هبة بريس-عبد اللطيف بركة
بينما تتصدر صادرات قطاع السيارات واجهة النجاح الاقتصادي للمغرب، تتوجه الأنظار خلف الأسوار العالية للمناطق الصناعية الحرة بطنجة والقنيطرة و بوزنيقة وأكادير ووجدة ، حيث تنسج خيوط واقع اجتماعي مرير.
هنا، في معامل تركيب أسلاك السيارات، تواجه آلاف العاملات والعمال يوميا منظومة إنتاج مستنزفة للجهد البشري، والمفارقة الأكبر أن هذا الاستغلال الممنهج يحظى برعاية وتسهيلات مالية سخية من الدولة عبر الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك)، حيت تبدأ الاختلالات الهيكلية لهذا القطاع من بوابة عقود “الإدماج”، فبموجب هذه التسهيلات، تتهرب كبريات الشركات متعددة الجنسيات من إبرام عقود شغل مستقرة، مستغلةً امتيازا تمنحه الدولة يتجلى في أداء وكالة (أنابيك) لقسط من الأجرة الشهيرة للعامل أو تحمل مساهماتها وتحفيزاتها الضريبية.
هذا الدعم العمومي، الذي رصد في الأصل لتأهيل الشباب وتسهيل ولوجهم لسوق الشغل، تحول إلى آلية لـ”الريع الصناعي”، حيث تعمد شركات عديدة إلى التخلص من العمال ومغادرتهم بمجرد انتهاء مدة الدعم القانونية (سنتين في الغالب)، لتبدأ دورة استقطاب جديدة بضحايا جدد والاستفادة مجدداً من المال العام.
في المقابل، يترجم هذا التحايل على الأرض بظروف عمل توصف بـ”الجحيم الصامت”، بعدما تضطر العاملات، اللواتي يشكلن النسبة الأكبر في خطوط الإنتاج، إلى الوقوف لثماني ساعات متواصلة دون حق في الجلوس، وسط حصار صارم يطال أبسط الحقوق الإنسانية، كولوج المرافق الصحية أو أخذ قسط يسير من الراحة.
ورغم الإنتاجية العالية والضغط النفسي والجسدي الرهيب للوصول إلى الأهداف اليومية، لا تتعدى الأجور الحد الأدنى (السميك)، وهو مبلغ يتبخر أمام لهيب الأسعار وتكاليف العيش بالحواضر الصناعية، ناهيك عن الأمراض المهنية المزمنة كالدوالي وآلام الظهر الحادة التي تلازم العمال دون أي تعويض أو اعتراف علمي بها.
ولضمان استمرار هذه المنظومة، تفرض إدارات الشركات قبضة حديدية تمنع أي شكل من أشكال العمل النقابي، حيث يواجه كل من يطالب بحقوقه الطرد الفوري أو الإدراج في “لائحة سوداء” غير معلنة تتداولها الشركات لمنع توظيف العمال “المشاغبين” في أي مصنع آخر داخل المنطقة الحرة أو الأحياء الصناعية، غير أن هذا الضغط المفرط فجّر مؤخراً أزمة “عزوف جماعي” وهجرة غير مسبوقة لليد العاملة من هذه المصانع بسبب سمعتها السيئة، ما اضطر شركات بطنجة والقنيطرة إلى تقديم منح مالية مشروطة (تتراوح بين 250 و500 درهم) لكل عامل ينجح في استقطاب عامل جديد من معارفه، في مفارقة صارخة لشركات عابرة للقارات تعجز عن جذب العاطلين عن العمل.
إن هذا الواقع يضع وزارة الشغل والوكالة الوطنية (أنابيك) أمام مسؤولية تاريخية لمراجعة شروط هذه التسهيلات ومأسسة تفتيش صارم داخل المناطق الحرة، للتأكد من أن أموال دافعي الضرائب تُستثمر في خلق فرص شغل تحفظ كرامة المغاربة وسلّمهم الاجتماعي، وليس في تمويل استنزاف طاقتهم البشرية.



0 تعليق