د. باسم عادل يكتب: كيف استثمر نجيب ساويرس في "معركة الوعي".. صدفة اللقاء مع فاروق حسني.. وكواليس الصدام التاريخي مع نظام الإخوان (2/2) - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم د. باسم عادل يكتب: كيف استثمر نجيب ساويرس في "معركة الوعي".. صدفة اللقاء مع فاروق حسني.. وكواليس الصدام التاريخي مع نظام الإخوان (2/2) - المدينة برس

من أكثر المحطات دلالة في مسيرة نجيب ساويرس أنها لم تقتصر على اقتحام الأسواق الناشئة أو الاقتصادات التي تعاني نقصًا في الخدمات، بل امتدت إلى واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية تنافسية وتنظيمًا في العالم، وهي كندا، ففي الوقت الذي كان فيه كثيرون يظنون أن المنافسة في سوق تهيمن عليه شركات عملاقة تكاد تكون مستحيلة، قرر أن يخوض التجربة من خلال شركة WIND Mobile، واضعًا نصب عينيه هدفًا يتمثل في تقديم مشغل جديد قادر على كسر هيمنة اللاعبين التقليديين، وتقديم خدمات أكثر تنافسية للمستهلك الكندي.

ولم يكن الطريق مفروشًا بالنجاح، فقد واجهت التجربة تحديات قانونية وتنظيمية معقدة، وخاضت معارك مرتبطة بطبيعة ملكية الشركات الأجنبية والقواعد المنظمة لقطاع الاتصالات، إلا أن مجرد دخول مستثمر مصري إلى هذا السوق، ومنافسته لشركات تمتلك تاريخًا طويلًا وإمكانات هائلة، كان في حد ذاته رسالة بأن الكفاءة لا تعرف جنسية، وأن رأس المال المصري قادر على أن ينافس في أكثر الأسواق تطورًا إذا امتلك الرؤية والإدارة والإصرار.

وربما كانت المفارقة الأجمل في مسيرة نجيب ساويرس أنه جمع بين نقيضين قلما يجتمعان؛ فقد استثمر في كندا، إحدى أكثر الاقتصادات انفتاحًا وشفافية، واستثمر أيضًا في كوريا الشمالية، إحدى أكثر دول العالم انغلاقًا وتعقيدًا، وبين هاتين التجربتين تتجلى فلسفة الرجل الاستثمارية؛ فهو لم يكن يبحث عن السوق السهلة، وإنما عن السوق التي يرى فيها فرصة لا يراها الآخرون، مؤمنًا بأن المستثمر الحقيقي لا يصنعه المكان، وإنما تصنعه قدرته على قراءة المستقبل، وتحويل التحديات إلى فرص، والمغامرة المحسوبة إلى نجاح يضيف صفحة جديدة إلى تاريخه.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في تجربة نجيب ساويرس أنه لم يسمح للنجاح أن يتحول إلى قيد، فكثير من رجال الأعمال يقعون في حب شركاتهم، حتى تصبح الشركة جزءًا من هويتهم، فلا يجرؤون على بيعها مهما بلغت قيمتها، ويظنون أن التخلي عنها اعتراف بالهزيمة، بينما كان هو يرى الأمر من زاوية مختلفة؛ فالشركة عنده ليست تمثالًا يُعبد، وإنما فكرة تنمو، فإذا بلغت أقصى قيمتها الاقتصادية، لم يتردد في اتخاذ القرار الأصعب، وهو التخلي عنها والبحث عن فكرة جديدة.

ولهذا جاءت الصفقة التاريخية التي أعادت رسم خريطة الاتصالات في المنطقة، حين دخل في واحدة من أكبر صفقات قطاع الاتصالات في الشرق الأوسط، بعد اندماج وبيع أصول رئيسية من أوراسكوم تيليكوم في صفقة بمليارات الدولارات، لم يكن الحدث مجرد انتقال ملكية، بل كان إعلانًا بأن شركة خرجت من مصر استطاعت أن تصل إلى مستوى جعلها محط أنظار كبار المستثمرين في العالم، وأن العقل المصري قادر على تأسيس كيان تبلغ قيمته عشرات المليارات، ثم إعادة توظيف تلك القيمة في استثمارات جديدة أكثر تنوعًا.

وهنا يظهر الفارق بين التاجر ورجل الأعمال، فالتاجر يبحث عن الربح في الصفقة، أما رجل الأعمال فيبحث عن المستقبل بعد الصفقة، ولذلك لم يجلس نجيب ساويرس فوق ما حققه، ولم يتحول إلى رجل يكتفي بإدارة ثروته، بل بدأ رحلة جديدة، ربما كانت أكثر تعقيدًا، نحو التعدين واستخراج الذهب.

وقد يتساءل البعض: ما الذي يدفع رجلًا صنع اسمه في الاتصالات إلى أن يذهب إلى مناجم الذهب؟ والإجابة تكمن في فلسفته ذاتها؛ فهو لا يرتبط بصناعة بعينها، وإنما يرتبط بالفرصة، فإذا رأى أن العالم يتجه إلى ارتفاع الطلب على الذهب والمعادن، وأن الاضطرابات الاقتصادية تجعل الذهب ملاذًا آمنًا، فإنه لا يتردد في الانتقال إلى هذا القطاع، ولو كان بعيدًا تمامًا عن المجال الذي صنع فيه مجده الأول، وهكذا أصبح من أبرز المستثمرين العالميين في شركات التعدين، ولم يعد اسمه مرتبطًا فقط بالهواتف المحمولة، وإنما أيضًا بالمناجم الممتدة في قارات مختلفة.

ثم امتدت استثماراته إلى التكنولوجيا، فاستثمر في شركات ناشئة، مؤمنًا بأن الاقتصاد الحديث لن تصنعه المصانع وحدها، وإنما ستصنعه الأفكار والبرمجيات والذكاء والابتكار. ودخل كذلك عالم الإعلام، مدركًا أن التأثير في العقول أصبح صناعة لا تقل أهمية عن التأثير في الأسواق، وأن من يفهم حركة الإعلام يفهم جزءًا كبيرًا من حركة الاقتصاد والمجتمع.

كما حضر في قطاع السياحة والفنادق، وفي التطوير العقاري، وفي الاستثمارات المالية الدولية، وكأن الرجل كان يطبق قاعدة بسيطة؛ وهي ألا يسمح للثروة أن تعتمد على ساق واحدة، فالتنوع ليس رفاهية في عالم المال، بل هو أحد أهم قوانين البقاء.

ولم تكن حياته كلها أرقامًا وصفقات. فقد قرر أن يدخل إلى عالم السياسة، مؤمنًا بأن رجل الأعمال لا ينبغي أن يظل حبيس مكتبه، وأن له حقًا في المشاركة في الشأن العام، فقد أسس حزب المصريين الأحرار، وخاض تجربة سياسية أثارت جدلًا واسعًا، وواجه فيها من الصعوبات ما لم يواجهه في كثير من استثماراته، وهناك اكتشف، كما اكتشف غيره، أن السياسة لا تخضع لمنطق السوق، وأن النجاح الاقتصادي لا يضمن النجاح السياسي، لأن الاقتصاد تحكمه الأرقام، أما السياسة فتحكمها المشاعر والأفكار والتوازنات والتاريخ.

وقد يختلف الناس معه في بعض تصريحاته، وربما يرى البعض أنه كان أكثر صراحة مما ينبغي، لكن هذه الصراحة نفسها تكشف عن جانب أصيل في شخصيته، فهو لا يبدو من أولئك الذين يجيدون ارتداء الأقنعة، ولا ممن يفضلون الصمت حفاظًا على الشعبية، يقول ما يعتقده، ويتحمل تبعات ما يقول، سواء اتفق الناس معه أو اختلفوا، وقد يكون هذا الأسلوب مكلفًا في بعض الأحيان، لكنه يمنح صاحبه ميزة نادرة، وهي أن الناس يعرفون أين يقف.

ولا يمكن تجاهل معركة رجل الأعمال نجيب ساويرس مع الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين فعليًا منذ اللقاء الأول الذي جمعهما في 6 فبراير 2011، وتصاعدت حدة الخلاف لتشمل صدامات سياسية واقتصادية وقضائية بارزة انتهت بتأييد ساويرس لدعوات الإطاحة بحكم مرسي في يونيو 2013.

وفي اجتماع عُقد بدعوة من نائب الرئيس الأسبق اللواء عمر سليمان، مازح ساويرس مرسي بنيته الانضمام إلى حزب الحرية والعدالة، ليرد عليه مرسي بأنه لا يمكن قبوله إلا كـ "عضو منتسب"، فاعتبر ساويرس هذا الرد تمييزًا ضده كمواطن مصري مسيحي، وتصاعد الموقف ليخبره بانفعال: "أنا مصري أكتر منكم"، وأصبح ساويرس من أشد المعارضين لسياسات جماعة الإخوان بعد تولي مرسي الرئاسة، وتحمل نجيب ساويرس نتيجة هذا الموقف، حين اتهمت حكومة مرسي عائلة ساويرس وشركة أوراسكوم بالتهرب من دفع ضرائب مستحقة تتجاوز مليار دولار، وهو ما رد عليه ساويرس لاحقًا بضغطه لاسترداد هذه الأموال واصفًا إياها بأنها أُخذت ظلمًا، ثم بعد ذلك دعم نجيب ساويرس بقوة التظاهرات الشعبية التي انطلقت ضد الرئيس محمد مرسي، ولعب دورًا بارزًا كمعارض بارز ومالك لقناة "أون تي في" التي تصدرت المشهد الإعلامي في تغطية ودعم مسار 30 يونيو 2013 الذي أدى إلى إنهاء حكم مرسي.

ولو توقفت رحلة نجيب ساويرس عند حدود المال، لكان رجل أعمال ناجحًا فحسب، لكن ما يلفت الانتباه أن حضوره امتد إلى مساحات أخرى تتجاوز منطق الربح والخسارة، فقد أسس وعائلة ساويرس مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية، التي أصبحت واحدة من أبرز مؤسسات العمل التنموي في مصر، حيث تعمل على تمكين الفئات الأكثر احتياجًا، ودعم المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال، والمساهمة في التعليم والتشغيل والتنمية المستدامة، إلى جانب دورها الثقافي البارز من خلال جائزة ساويرس الثقافية، التي تحولت على مدار سنوات إلى واحدة من أهم الجوائز الأدبية العربية، ونجحت في اكتشاف عشرات المواهب الشابة ومنحت المبدعين منصة حقيقية للظهور، حتى أصبحت الجائزة موعدًا سنويًا ينتظره الوسط الثقافي باهتمام بالغ، كما لا يمكن إغفال ما تقدمه شركاته من خلال برامج المسؤولية المجتمعية، التي أسهمت عبر السنوات في توجيه مئات الملايين من الجنيهات لدعم المستشفيات، والمؤسسات الخيرية، والمبادرات التنموية، ومنظمات المجتمع المدني، انطلاقًا من قناعة بأن نجاح الشركات لا يكتمل إلا إذا انعكس أثره على المجتمع الذي نشأت فيه.

ولعل أكثر ما استوقفني أيضًا أن نجيب ساويرس لم يكتفِ بدعم التنمية، بل اختار أن يكون حاضرًا في معركة الوعي والثقافة، من خلال عضويته البارزة في مجلس أمناء مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون، حيث يشغل منصب نائب رئيس مجلس الأمناء، وأرى أن وجود رجل أعمال بهذا الحجم في مؤسسة ثقافية ليس مجرد منصب شرفي، بل رسالة عميقة مفادها أن الثقافة ليست ترفًا، وإنما أحد أعمدة بناء الأمم،  وقد أخبرني الوزير الفنان فاروق حسني، في أحد اللقاءات التي جمعتني به، أن نجيب ساويرس عرض عليه أكثر من مرة تقديم دعم مالي للمؤسسة، إلا أنه رفض ذلك، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية لا تكمن في المال، وإنما في وجود شخصية بحجم نجيب ساويرس مؤمنة بالفكرة، ومساندة لها، وحاضرة بقيمتها المعنوية قبل أي قيمة أخرى، وأحسب أن في هذه الواقعة درسًا بليغًا؛ فليست كل أشكال الدعم تُقاس بالأرقام، فثمة رجال يكون حضورهم نفسه دعمًا للمشروع، ورسالة ثقة في رسالته.

ولم يتوقف حضوره عند الاقتصاد والثقافة والعمل التنموي، بل امتد إلى الرياضة أيضًا، حين دخل عالم كرة القدم باستثمارات واضحة، مؤمنًا بأن الرياضة لم تعد مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت صناعة متكاملة، واقتصادًا قائمًا بذاته، وأداة لاكتشاف المواهب وصناعة الأمل لدى الشباب، فجاءت تجربته في امتلاك أحد أندية كرة القدم لتؤكد مرة أخرى أنه لا ينظر إلى الاستثمار بوصفه نشاطًا ماليًا محدودًا، وإنما باعتباره وسيلة للمشاركة في بناء المجتمع عبر أكثر من بوابة، وأن رجل الأعمال الحقيقي لا يحصر أثره في الميزانيات والقوائم المالية، بل يترك بصمته حيثما وجد فرصة لإضافة قيمة حقيقية.

ولا يمكن الحديث عن نجيب ساويرس دون التوقف أمام الإسهام الوطني الذي قدمته شركات مجموعة أوراسكوم في بناء البنية الأساسية، وهي المهمة التي لا تحظى غالبًا بالاهتمام الذي تستحقه، رغم أنها تمثل العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية. فعلى امتداد سنوات طويلة، شاركت شركات المجموعة في تنفيذ مشروعات كبرى في مجالات الطرق والكباري والأنفاق، ومحطات الكهرباء والطاقة، وشبكات المياه والصرف الصحي، والمنشآت الصناعية، والموانئ، والمطارات، والمرافق العامة، فضلًا عن المشروعات العمرانية والتنموية داخل مصر وخارجها، مستعينة بآلاف المهندسين والفنيين والعمال المصريين الذين حملوا خبراتهم إلى مختلف أنحاء العالم.

ولم تكن هذه المشروعات مجرد عقود تجارية، بل كانت جزءًا من معركة بناء الدولة الحديثة، التي لا تقوم على جهود الحكومة وحدها، وإنما على شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص الوطني، كلٌّ يؤدي دوره في إطار من المسؤولية والكفاءة. ومن هنا، فإن تجربة أوراسكوم تؤكد أن رجل الأعمال الحقيقي لا يُقاس فقط بما يحققه من أرباح، وإنما أيضًا بما يتركه من طرق يسلكها الناس، ومحطات تنير المدن، ومرافق تخدم ملايين المواطنين، وفرص عمل تحفظ كرامة الأسر، وخبرات وطنية تتراكم عامًا بعد عام.

وحين يصبح الاستثمار وسيلة لبناء الوطن قبل أن يكون وسيلة لتحقيق العائد، فإن الاقتصاد يرتقي من كونه نشاطًا ماليًا إلى كونه رسالة وطنية، وهي الرسالة التي أدركهانجيب ساويرس مبكرًا، فكانت حاضرة في كثير من مشروعات التنمية التي أسهمت في تغيير وجه مصر وتعزيز قدرتها على بناء مستقبلها بثقة واقتدار.

وأنا الآن أكتب هذه السطور، لا أبحث عن تلميع صورة رجل، فكل إنسان له ما له وعليه ما عليه، ولكنني أبحث عن قيمة غائبة في مجتمعاتنا، وهي قيمة دراسة النجاح، لقد أصبحنا بارعين في نقد الناجحين، وضعفاء في فهمهم، ونسأل دائمًا: كم يملك؟ ولا نسأل: كيف فكر؟ كيف اتخذ قراره؟ كيف واجه خسائره؟ كيف نهض بعد تعثره؟ كيف سبق الآخرين إلى ما لم يروه؟

وأحسب أن هذه هي القضية التي تستحق أن ننشغل بها، فالشباب المصري لا يحتاج إلى أن يحفظ حجم ثروة نجيب ساويرس، ولا عدد شركاته، ولا ترتيب اسمه في قوائم الأغنياء، إنما يحتاج إلى أن يتعلم أن الجرأة ليست تهورًا، وأن المخاطرة ليست مقامرة، وأن النجاح لا يولد في الأماكن المريحة، وإنما كثيرًا ما يولد على حدود المجهول، حيث يتراجع الأكثرون ويتقدم القليلون.

لقد علّمنا التاريخ أن الأمم التي تكتفي بتوزيع الثروة، ولا تهتم بصناعة الثروة، تظل أسيرة لما ينتجه الآخرون. أما الأمم التي تدرس تجارب بناة الاقتصاد، وتحوّلها إلى مناهج في الجامعات، وإلى قصص يقرأها الشباب، فهي التي تستطيع أن تنجب في كل جيل رجالًا يضيفون إلى رصيدها الاقتصادي والحضاري.

ولذلك فإنني لا أكتب عن نجيب ساويرس بوصفه رجلًا جمع مليارات الدولارات، فهذه حقيقة يعرفها الجميع، وإنما أكتب عنه لأنه قدّم نموذجًا مصريًا خرج من حدود الجغرافيا، وجلس على موائد القرار الاقتصادي في عواصم العالم، وطرق أبوابًا مغلقة، ودخل أسواقًا كان كثيرون يعدونها ضربًا من الجنون، وأثبت أن الجرأة، حين تقترن بالعلم والإدارة والرؤية، قد تصنع ما يعجز عنه رأس المال وحده. 

وسيبقى نجيب ساويرس، في تقديري، واحدًا من أهم النماذج الاقتصادية المصرية في العصر الحديث، لا لأنه أغنى من غيره، بل لأنه امتلك شجاعة التفكير خارج الخرائط المألوفة، والأمم لا تتقدم بمن يحسنون السير في الطرق المعبدة، وإنما بمن يملكون الجرأة على رسم طرق جديدة، حتى لو ساروا فيها وحدهم في البداية.
 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق