عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم بنيس: الاختلاف ليس دونية .. و"تمغربيت" تجسد قيمة التنوع المتكامل - بوابة المدينة برس
قال الباحث السوسيولوجي والأكاديمي المغربي سعيد بنيس إن “الاختلاف ليس دونية، والدفاع عن الحب هو دفاع عن كرامة الإنسان”، معتبرا أن العالم “في حاجة إلى خطة رصينة، وإلى تدبير اختلافاتنا على الصعيدين الداخلي والخارجي، حفاظا على الحب، بعدما وصلنا إلى احتمال فقدانه”.
وأضاف بنيس، خلال ندوة “دفاعا عن الحب في زمن الكراهية” التي افتتحت الدورة 20 لمهرجان “ثويزا” الثقافي بمدينة طنجة، مساء أمس الخميس، أن “الدفاع عن الحب يستوجب استشراف مآلات الكراهية؛ لأن ملامح الحب ظاهرة ومشتركة إنسانيا، بينما تمظهرات هذه المشاعر السلبية المشار إليها كامنة ومتعددة بتعدد الخصوم وخلفياتهم الثقافية والسياسية”.
ويمكن، حسب منظور الباحث السوسيولوجي، أن “تنعكس الكراهية في بعض الممارسات التي تتجلى في العنصرية، ورهاب الأجانب (الإكزينوفوبيا)، والعنف الرمزي، والتنمر، والتحرش، والنزعة التراتبية، والاختزالية، ودعوات الصفاء العرقي واللغوي، والطهرانية الدينية”.

وفي تمفصلات الحب والكراهية، يجد المتحدث أن ثمة مفارقة، وهي أن الحب قيمة فضلى يرغب الإنسان في بلوغها، فيما الكراهية ممارسة أو فعل أو سلوك دنيء يسعى الإنسان إلى تغليفه وتبريره باعتباره موقفا أو رأيا، وتساءل: “فكيف (إذن) يمكن مقاربة هذه المفارقة، على أساس أن القيمة والممارسة تقعان على طرفي نقيض؟”.
وشدد السوسيولوجي ذاته، المدافع بشراسة عما يسميه “تمغرابيت”، على أنه إذا كان التفكير سينصب على التحولات المجتمعية، فمن الضروري استشراف مصفوفة القيم الكفيلة بحماية الحب، والحد من تفشي ممارسات الكراهية، حفاظا على الشخصية الحضارية للأمم، حتى لا تتحول التحولات المجتمعية إلى تشوهات إنسية.
وتساءل الباحث مجددا: إذا كان الحب تشابكا، وحركية، وتفاعلا، وانسجاما، وتواطؤا إيجابيا، بل هو أساس وإسمنت بناء العيش المشترك والرابط الاجتماعي، فكيف تحول إلى وعاء يحتمل مقولات متضاربة، من قبيل التكامل والتنافر، والإقصاء والعداء، والتشظي والتسامح، والتوتر؟، وقال: “إننا أمام فصام جديد، تصاحبه السكيزوجلوسيا (Schizoglossia)، أي الانفصام اللغوي، الذي يتجلى في قولنا: أستحضر ‘أحبك’ خطابيا و’أكرهك’ سلوكيا، أو العكس: ‘أكرهك’ خطابيا و’أحبك’ سلوكيا”.
وتساءل أيضا: “هل صارت الكراهية وسيلة للتعبير عن الحب؟ وهل أصبح الإنسان يعبر عن حبه من خلال كراهية عدو صديقه؟ الأمر الذي أفرز تجارا جددا يتاجرون بالكراهية بين الشعوب، ولا سيما داخل البيئة الرقمية الحاضنة لها”، وتابع: “هل قلبت المنصات الرقمية الموازين؟ وهل أحدثت ثورة في العلاقات الإنسانية فأصبحت رهينة لتقنيات رقمية، من قبيل: الإعجاب، والتضامن، والحظر، والتبليغ، والتهكم، والباروديا (المحاكاة الساخرة)؟”.
وأضاف: “هل يمكن لعهد ما بعد الإنسان، أو عهد البيانات، أن يقلص مساحة الحب وفي المقابل يوسع مساحة الكراهية؟ وهل أضحى الحب مرادفا لعلاقات إنسانية سلبية وسامة كما ترى إيفا إيلوز؟ وهل ما زال الحديث قائما عن مشترك إنساني في قيمة الحب؟ وهل ما تزال حاجة الإنسان الأخلاقية إلى الحب حاجة ملحة؟ وهل يمكن القول بنقيض ذلك؟ أي إن حاجة الإنسان إلى الكراهية أصبحت حاجة حيوية؟”.

كما تساءل ضيف “ثويزا” أيضا: “هل ممارسات الكراهية مجرد وسائل دفاع سطحية ومجانية؟ وهل توجد علاقة بين الحب، بوصفه مقولة، وبين تراجع القيم في مجالات مثل الرابط الاجتماعي، والذوق العام، والحس المدني، والإعلام؟ وما دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية، كالأسرة والمدرسة والحزب والنادي، في تثبيت مقولة الحب أم إنها تحولت إلى فضاءات لبناء وصقل خطاب الكراهية؟ وفي خضم ذلك، هل توجد مؤشرات على تراجع الحب؟”.
تفاعلا مع كل هذه الأسئلة التأطيرية، رصد بنيس مؤشرا يرتبط بـ “تضخم الخطابات حول الحب، في الفضاءين الواقعي والافتراضي، مقابل تراجع القيم والسلوكات الناظمة له؛ فأضحى الحب تمثلا أكثر منه ممارسة”، بالإضافة إلى مؤشر آخر يلفت إلى “بروز حب جديد ذي طبيعة مغايرة؛ حب سائل، متغير، وعائم”.
المؤشر الثالث، وفق صاحب كتاب “نْيُوتَمَغْرِبِيتْ: ملاحظات حول المجتمع الافتراضي المغربي”، يحيل إلى وجود “هشاشة رابطة الحب ضمن الروابط الاجتماعية، بحسب التقارير الوطنية والدولية؛ إذ أصبحت من أكثر الروابط الإنسانية والمجتمعية هشاشة”، فيما يثير المؤشر الرابع “تفشي الكراهية في الحياة اليومية، ثم انتقالها إلى العالم الرقمي وتطورها فيه بطريقة أُسِّيّة (Exponential)، مع أتمتتها (Automation)”.
وخلص الأكاديمي ذاته إلى أنه “لا يمكن حماية الحب إلا بربطه بمدى تملك الفاعلين لأسس المواطنة، والتنوع، والعيش المشترك، والتمازج، والرابط الاجتماعي، من خلال اعتماد مقولة التنوع المتكامل”، موردا أن “من الضروري تجاوز منطق التنوع إلى منطق التنوع المتكامل”، وقال: “في الحالة المغربية، يتجسد هذا التنوع بالذات في سردية تمغربيت”.

وإلى جانب ذلك، دفع بنيس بالحاجة إلى “تفاوض مجتمعي حول مقولة الحب لضبط خريطتها بما ينسجم مع واقع المملكة المغربية وسياقها”، مشددا على أن الأمر يقتضي “حماية الحب من خلال الانتقال من مقولة المظلومية إلى مقولة التعايش”، فضلا عن “تعزيز دور المؤسسات الثقافية والسياسية والتربوية في إشاعة ثقافة التنوع وخطاب التسامح”.
ودعا المتحدث في ختام مداخلته إلى “ترسيخ التنشئة المستدامة في مكافحة الكراهية، ابتداء من المستويات التعليمية الأولى، من خلال نماذج مثل مدارس العيش المشترك بمدينة وجدة، التي تستهدف الأطفال بين 9 و12 سنة عبر تنظيم ورشات وأنشطة ثقافية ورياضية”.








0 تعليق