عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم محطات تاريخية (الحلقة الثانية) - المدينة برس
وانطلق الإسلام بعد رحيله (صلى الله عليه وسلم)، ليكمل مشواره فاتحًا ما وسعه من الأرض التي حوله، ومبلغًا أمر الله لمن استعبد العباد -مملكتا الفرس المجوس، والروم- أعتى قوتين في ذاك الزمان.
وبدأ المسلمون منذ عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في إزالة خطرهما على جزيرة العرب بعد أن تحولت للإسلام، إلا أن المسلمين تفتقت أذهانهم في عهد عمر رضي الله عنه إلى تحديد أيهما خطره داهم وأشد على المسلمين، ومن ثم تكون البداية به، فإذا بالمجوس عبدة النار (فارس) هي الأعنف، والأشرس، والأخبث سريرة..
فقرر الخليفة عمر تركيز الضربات عليها، ثم التحول إلى الثانية الأقل خطرًا وهم الروم.. فلازالت أصداء حادثة بعث الرسول (صلى الله عليه وسلم) كتابه إلى كسرى ماثلة في الأذهان، حينما أرسل رسول الله -صلوات ربي وسلامه عليه- عبد الله بن حذافة السهمي في العام السادس للهجرة إلى عظيم البحرين، ليدفعه عظيم البحرين إلى كسرى.
وقرأ فيه كسرى قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) « بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، إلى الناس كافة، لينذر من كان حيًَّا، أسلِمْ تَسْلَم، فإن أبيت عليك إثم المجوس » تاريخ الطبرى جـ2 ص654.
فما كان من كسرى إلا أن مزَّق كتاب الرسول، فلما علم صلوات ربي وسلامه عليه قال: «مزَّق الله ملكه ».
هذا وقد عوَّل اليهود على عبدة النار المجوس، مملكة فارس العتيدة، علها تُسقط لهم دولة الإسلام التى شردتهم من مكامنهم في جزيرة العرب. وبدأت تلوح في الأفق نذر المواجهة بين العرب المسلمين والفرس، فكانت أرض السواد هى محط اللقاء بين العرب المسلمين الفاتحين، وجحافل الفرس..
أرض السواد كما كان يُطلق عليها قديمًا، هي في الحقيقة أرض العراق، العراق الحضارة والتاريخ الذي وقع في قبضة الفرس، حينما سقطت -مملكة الكلدانيين عام 537 ق.م- ودان للغاصبين الفرس الأمر، وصارت أرض السواد -العراق- مرتعًا للمجوس عبدة النار..
الذين عبثوا بهوية البلاد، فطمسوا معالمها الحضارية، واستبدلوها بخرافات الزرادشتية، وعقائد شاذة طيلة عشرة قرون من العسف والجور، حتى أتت يد الفاتحين المسلمين وخلَّصتهم من شرور المجوس الفرس عام 633م.
لقد مرت على العراق عشرة قرون مريرة، حوَّلت العراق لبؤرة توتر وفتن على طول تاريخه، وصارت أرض العراق في تلك المدة الطويلة جزءًا من بلاد فارس، وعلى مدار الألف عام، لم تتوقف موجات النزوح الفارسي، إلى قلب العراق الكسير، وأقام ملوك فارس مدينة طيسفون على ضفتي نهر دجلة جنوبي بغداد..
واختيرت طيسفون بعناية لتكون العاصمة الشتوية للأكاسرة، وفيها أقام كسرى إيوانه الشهير الذى ذاع صيته في مرويات التاريخ، ذلك الإيوان الذى طالما استقبل وفود العرب عبر التاريخ، وأطلق العرب على العاصمة طيسفون (المدائن) فقد تبدت لهم وكأنها مدن عديدة.
وبدأ مشروع القضاء على مملكة المجوس عبدة النار (الفرس) فى عهد الصديق أبي بكر، حين أرسل المثنى بن حارثة الشيباني ليطلق شرارة الحرب فى الفرات الغربي، ووصلت أنباء ما أحرزه المثنى بن حارثة لأبي بكر الصديق، فأرسل الصديق إليه خالد بن الوليد على رأس جيش لُجب..
وفعل خالد الأفاعيل بالفرس، حينما حط في الحيرة، فتساقطت حصون الفرس بين المناوشات والاستسلام، وطاش صواب الفرس، ولم يصدقوا ما آلت إليه الأمور، فراحوا يعدون العدة لوقف تغلغل المسلمين، حتى كانت موقعة ذات السلاسل عام 12هـ، وكان الظفر فيها للمسلمين، إذ سقط ميناء الأبلة على الخليج العربى.
ويأمر أبو بكر الصديق خالد بن الوليد بترك ميدان العراق، والتوجه سريعًا لملاقاة الروم في الشام، ويعود الأمر ثانية للمثنى بن حارثة، الذى يغير أسلوبه القتالي، فيعمد إلى الصحراء ليتخذها مكمنًا بعيدًا عن المدن كي يرقب الأعداء من بعيد.
ويأتي عهد عمر بن الخطاب، ليجعل المعركة مع الفرس هي الرئيس والأساس، وانهالت ضربات فتيان العرب المسلمين أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومنهم سعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن هبيرة -في القادسية، والمدائن، وجلولاء عام 16،17هـ. حتى كان الحسم النهائي فى فتح الفتوح على يد النعمان بن مقرن، ثم حذيفة بن اليمان بنهاوند عام 19هـ..
وتبعثرت أشلاء فارس، وطار حلمها في البقاء، واستسلمت جيوشها، ولم يدم فرار آخر ملوكها «يزدجرد الثالث» طويلًا حيث قُتل في عام 31هـ، وبموته سقط آخر رمز لدولة الفرس «آل ساسان» ودخل الفرس في الإسلام بحكم الواقع الذي فرض نفسه، فقد كان عصرًا إسلاميًا فيه العرب أصحاب الكلمة العليا..
من هنا أضمر الفرس عداءهم القديم للعرب، فالعصبية العرقية مستحكمة فيهم، إذ أنهم ينتمون للجنس الآري، والعرب من الجنس السامي، وذلك هو عصب الخلاف بين الفرس والعرب، فلم يتقبل الفرس أصحاب السؤدد والمجد، لم يتحملوا ظهور البدو العرب عليهم، فعزموا على الثأر لمجدهم التليد..
بيد أن الأوضاع تبدلت، وصار العرب أصحاب الحسم في ميادين القتال، فلجأ الفرس إلى التسلل وإدعاء الإسلام، لضربه من الداخل، إذ بدا لهم أن الإسلام هو عنصر قوة العرب.. وإلى الحلقة القادمة في سلسلة ( محطات تاريخية )








0 تعليق