البحر أقلُّ رعبًا من الوطن - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم البحر أقلُّ رعبًا من الوطن - بوابة المدينة برس

“الضياع الذي لا تُفَسِّرُه البطالة وحدها”

مرة أخرى، تعود صور سبتة إلى الواجهة. عشرات، بل مئات من الشباب والقاصرين يلقون بأجسادهم في البحر، وكأنهم لا يفرون من وطن بقدر ما يفرون من شعور عميق باللاجدوى. تتكرر المشاهد، وتتكرر معها التحليلات السريعة، بطالة، فقر، تفاوت اجتماعي… وكأن اختزال هذه المأساة في بعدها الاقتصادي وحده يكفي لفهمها.

لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

الضياع الذي يدفع شابًا في السادسة عشرة أو السابعة عشرة إلى مواجهة أمواج البحر ليس مجرد ضيق اقتصادي، بل هو حالة جماعية من فقدان المعنى. إنه شعور بأن المستقبل يوجد في مكان آخر، وأن الحياة الحقيقية تبدأ بعد اجتياز السياج أو عبور البحر.

وهنا تكمن المشكلة.

لقد حقق المغرب خلال العقدين الأخيرين إنجازات كبرى في البنيات التحتية، والطاقات المتجددة، والصناعة، والاستثمارات، والموانئ، والطرق السيارة، والتحول الرقمي. وهي مكتسبات حقيقية لا يمكن إنكارها. لكن التنمية الاقتصادية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تصنع الأمل إذا لم تتحول إلى شعور جماعي بالانتماء والمشاركة والكرامة.

الشباب لا يبحث فقط عن وظيفة.

إنه يبحث عن معنى، وعن اعتراف، وعن فرصة ليكون جزءًا من المستقبل، لا مجرد متفرج عليه.

ما يحدث اليوم على حدود سبتة يستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الانفعالات السياسية والإعلامية.

من السهل تحويله إلى مادة للمزايدات بين الرباط ومدريد، أو ربطه بكل محطة دبلوماسية جديدة، لكن الوقائع لا تسمح بهذه التبسيطات. حتى مع استمرار التعاون الأمني الوثيق بين المغرب وإسبانيا في إدارة الحدود والهجرة، شهدت الأيام الأخيرة موجة استثنائية من محاولات العبور، وهو ما وضع مدينة سبتة تحت ضغط كبير وأثار نقاشًا واسعًا داخل إسبانيا حول أبعاد الظاهرة.

لهذا، يبقى السؤال الحقيقي ليس لماذا عبر هؤلاء؟

بل، لماذا أصبح البحر بالنسبة إليهم أقل رعبًا من البقاء؟

هذا السؤال ينبغي أن يقلقنا جميعًا.

جيل اليوم يعيش داخل فضاء رقمي مفتوح يرى فيه أوروبا كل يوم عبر الهاتف، لكنه يرى بلده من خلال تجارب شخصية قد تكون مليئة بالإحباط. إنه يقارن نفسه بغيره في كل لحظة، ويقيس النجاح بما تعرضه الشاشات لا بما يعيشه الواقع.

هكذا يتحول الحلم إلى ضغط نفسي دائم، ويتحول الضياع إلى عدوى جماعية تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما تنتشر عبر الأحياء الفقيرة.

ولعل أخطر ما في الظاهرة هو أن القاصرين أصبحوا في قلبها.

حين يصبح طفل أو مراهق مستعدًا للمخاطرة بحياته في البحر، فإننا لا نكون أمام أزمة هجرة فقط، بل أمام أزمة ثقة في المؤسسات، وفي المدرسة، وفي الأسرة أحيانًا، وفي صورة المستقبل نفسها.

إن المجتمع الذي يفقد أبناءه قبل أن يدخلوا الحياة العملية يحتاج إلى مراجعة عميقة، لا إلى حلول ظرفية.

الهجرة غير النظامية ليست مشكلة مغربية فقط، كما أنها ليست مشكلة إسبانية فقط، بل هي نتيجة تحولات عالمية يعيشها جنوب المتوسط بأكمله، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع التحولات الثقافية والنفسية والرقمية والديموغرافية، والجيواسترتيجية..

ولهذا فإن المعالجة الأمنية، رغم ضرورتها، لن تكون كافية.

كما أن خلق فرص الشغل، رغم أهميته، لن يكون وحده الجواب النهائي.

نحتاج إلى إعادة بناء الثقة.

نحتاج إلى مدرسة تُعيد إنتاج الأمل، وإعلام لا يبيع الوهم، وسياسات شبابية تجعل المواطن شريكًا في صناعة المستقبل لا مجرد متلقٍ له.

لقد أصبح الضياع شعورًا جماعيًا أكثر منه حالة فردية.

وهذا أخطر ما في الأمر.

إن الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طُرُق وموانئ ومصانع، بل أيضًا بما تبنيه داخل نفوس شبابها من يقين بأن الغد يستحق الانتظار.

ولهذا، فإن ما يجري اليوم بين الفنيدق وسبتة ليس مجرد حدث حدودي عابر، بل مرآة لتحولات اجتماعية وثقافية عميقة، وسؤال مفتوح حول طبيعة العقد الجديد الذي ينبغي أن يربط الدولة بشبابها.

قد يكون البحر قادرًا على ابتلاع الأجساد، لكنه لا يستطيع أن يبتلع الأسئلة.

والسؤال الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم ليس:

كم شابًا سيُحاول العبور غدًا؟

بل، كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الوطن، في مخيلة بعض أبنائه، مكانًا للمغادرة أكثر منه مكانًا للبقاء؟

أخبار ذات صلة

0 تعليق