عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم أروبا ليست جنة الله في الأرض! - بوابة المدينة برس
من يشاهد المشاهد القادمة من سبتة والفنيدق، لا بد أن يطرح على نفسه أسئلةً عميقة حول الأسباب التي دفعت شباباً ومراهقين، وهم سواعد الوطن، بل وحتى أمهات وأطفالاً، إلى المخاطرة بحياتهم، وهم يعتقدون أن إسبانيا جنة، وأن الوطن سجن.
إنها لحظة تستوجب المصارحة والمكاشفة، ولحظة مساءلة ومحاسبة لكل من يتحمل جزءاً من المسؤولية؛ من أحزاب، وجمعيات، ونخب، ومثقفين، وإعلام، ولكل اللّوبيات التي تعرقل الإصلاح تحت ستار الشعارات البراقة، بينما غايتها الحقيقية الحفاظ على الامتيازات والمصالح، ولو كان ثمن ذلك تعطيل مسيرة الوطن.
قد تكون الحقيقة مُرّة وقاسية، لكنها تظل الطريق الوحيد نحو مستقبل أفضل. لقد آن الأوان لإرساء آليات حقيقية للمحاسبة والشفافية، وتوزيع الثروة بعدالة، وفتح حوار جاد مع الشباب وكل القوى الصادقة الساعية إلى الإصلاح، من أجل بناء نموذج تنموي يستوعب جميع أبناء الوطن، وفي الوقت نفسه تصحيح تلك العقلية التي توهم الكثيرين بأن الحل السحري يوجد دائماً في الضفة الأخرى.
لقد زرت أوروبا مرات عديدة، وبخاصة جارنا إسبانيا، وأقول بكل صدق: إن سر تفوقهم لا يكمن في الموقع الجغرافي أو نوعية البشر، بقدر ما يكمن في قوة المؤسسات، وآليات المحاسبة، والشفافية، وسيادة القانون. نعم، يتفوقون علينا في البنية التحتية، والخدمات الاجتماعية، والتعليم، والصحة، لكن أوروبا ليست جنة كما يتصور البعض؛ فهي لا تمنح أحداً شيئاً مجاناً، وإنما تكافئ من ينتج ويعمل بجهد، ومن يخترم القانون، ويؤدي واجباته قبل المطالبة بحقوقه.
أما نحن، فنملك من المقومات ما يجعلنا قادرين على أن نكون أفضل بكثير: مساحة شاسعة، وثروات متنوعة، وموقعاً استراتيجياً، وطاقات بشرية شابة، وعقولاً مبدعة. وأبناؤنا ينشؤون على الكفاح والصبر وتحمل المسؤولية، كما أن قيم التضامن وصلة الرحم وبر الوالدين لا تزال متجذرة في مجتمعنا.
والحقيقة أن هذه الأزمة لا يجب أن تنسينا المقاربة التنموية، لذا نقترح ما يلي:
أولاً: على مستوى الاستثمار التنموي في أقاليم الشمال:
الاستثمار المكثف في أقاليم الشمال (الفنيدق، المضيق، تطوان، الناظور) لخلق فرص عمل بديلة.
إنشاء مناطق صناعية ولوجستية موجهة للتصدير تستفيد من قربها من أوروبا.
تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر إعفاءات ضريبية وتمويل ميسر.
تطوير التكوين المهني في المهن المطلوبة محلياً (الصناعة، اللوجستيك، الاقتصاد الرقمي، السياحة).
دعم الصيد البحري والفلاحة والصناعات الغذائية لخلق قيمة مضافة محلية.
ثانياً: على مستوى مكافحة الفساد:
وضع آليات مراقبة صارمة وشفافة لإنفاق المال العمومي، وتشديد العقاب بإصلاح المنظومة القانونية الزجرية، وربط التمويل العمومي للأحزاب والجمعيات بنتائج قابلة للقياس، وليس بمجرد الوجود القانوني.
فرض نشر الحسابات المالية والتقارير السنوية للعموم.
تقوية الرقابة على الجمعيات التي تتلقى تمويلاً أجنبياً، مع ضمان حرية العمل الجمعوي المشروع.
تجريم استغلال المساعدات الاجتماعية أو الجمعيات لأغراض شخصية أو انتخابية.
ثالثاً: على مستوى الإصلاح السياسي:
تعزيز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب.
تشجيع الكفاءات والشباب على الولوج إلى العمل السياسي.
تقوية استقلال هيئات الرقابة ومكافحة الفساد وحماية المبلغين.
تسريع الرقمنة في الخدمات الإدارية لتقليل الاحتكاك المباشر والرشوة.
رابعاً: على مستوى سياسة الهجرة:
تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات الاستثمار والتنمية، وليس فقط في مراقبة الحدود.
فتح قنوات للهجرة النظامية والعمل الموسمي، مما يقلل من الهجرة غير النظامية.
تطوير برامج لإعادة إدماج الشباب العائدين من محاولات الهجرة غير المشروعة.
خامساً: على المستوى الاجتماعي:
تحسين جودة التعليم وربطه بسوق العمل.
توسيع خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي للشباب.
الاستثمار أكثر في الرياضة محلياً، والثقافة، ومراكز الشباب للحد من الإحباط الاجتماعي.
الدعوة لميثاق إعلامي أخلاقي، ترعى فيه طبيعة المجتمع المغربي وخصوصيته، وتحافظ على ثوابت الوطن.
إن أملنا كبير في الله، وثقتنا راسخة في وطننا. ونؤمن أن المستقبل سيكون أفضل بإذن الله، متى امتلكنا الشجاعة لمواجهة الحقيقة، والإرادة الصادقة للإصلاح، والإيمان بأن بناء الأوطان يبدأ من الداخل، لا من الضفة الأخرى.






0 تعليق