نحو سبتة - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم نحو سبتة - بوابة المدينة برس

1. لحظة سبتة كحدث سوسيولوجي لا كحادثة عابرة

في ماي 2021، عبر الآلاف من الشباب المغربي، بينهم قاصرون كثر، السياج الحدودي نحو سبتة المحتلة في مشهد جماعي غير مسبوق من حيث الكثافة والتزامن. القراءة الأمنية السريعة اختزلت الحدث في “تسييل حدودي” ناتج عن توتر دبلوماسي عابر بين الرباط ومدريد. لكن هذا التفسير، وإن كان لا يخلو من صحة، لا يقدم تفسيرا شاملا: فحشد آلاف الأجساد نحو نقطة عبور واحدة، في ظرف ساعات، ليس قرارا فرديا متكررا بل ظاهرة جمعية تستدعي أدوات السوسيولوجيا السياسية وعلم النفس الاجتماعي معا. السؤال الذي يستحق أن يطرح ليس فقط “لماذا هاجروا؟” بل “كيف تحول القرار الفردي المتردد إلى اندفاع جماعي متزامن؟”.

الأرقام وحدها تكشف حجم الاستثناء: في أقل من ثمان وأربعين ساعة، عبر ما يقارب ثمانية آلاف شخص، بينهم آلاف من القاصرين غير المرفوقين الذين تم إيواؤهم لاحقا في مستودعات ومخازن مهجورة بسبتة قبل أن تشرع السلطات الإسبانية في ترحيل جزء منهم. هذا التزامن الكمي، وليس فقط الفعل الفردي المتكرر، هو ما يفرض سؤال السوسيولوجيا الجماعية. وما يؤكد أن الأمر تجاوز اللحظة الظرفية هو تكرر المشهد نفسه في صيف 2026، والذي أطلق موجة عبور جديدة ونقاشا مشابها حول أسباب تجدد الاندفاع بعد خمس سنوات من الأزمة الأولى.

غير أن قراءة الظاهرة عبر لحظتي الذروة هاتين وحدهما تحمل مخاطرة منهجية: فمحاولات العبور لا تتوقف بين موجة وأخرى، بل هي فعل يومي متكرر يسجله البلاغ الأمني المحلي بانتظام: سباحون منفردون يُعترضون قبالة الشاطئ، شبان يُضبطون مختبئين في شاحنات أو عربات نقل البضائع، قوارب صيد صغيرة تحاول الالتفاف ليلا. اللحظتان الكبيرتان، 2021 و2026، ليستا استثناء يقطع تدفقا هادئا، بل ذروتان مرئيتان لتيار بنيوي مستمر يصبح، في لحظات معينة فقط، كثيفا بما يكفي لينتقل من صفحات الحوادث إلى صدارة النقاش العمومي.

2. الرهان الجيوسياسي: الحدود كأداة ضغط لا كخط دفاعي

الحدود بين المغرب وسبتة ليست فقط خطا جغرافيا بل أداة تفاوضية توظفها الدولة في لحظات التوتر. حين استقبلت إسبانيا إبراهيم غالي عن جبهة البوليساريو الانفصالية للعلاج، ردت الرباط بما يشبه “فك الاشتباك الأمني” المؤقت عند الحدود، فتحول الجسد المهاجر، دون علمه غالبا، إلى ورقة ضغط في صراع سيادي أوسع يتعلق بملف الصحراء المغربية والاعتراف الإسباني بمخطط الحكم الذاتي. هذا التوظيف ليس استثناء مغربيا، فالأدبيات الحديثة في العلاقات الدولية تصف هذا النمط بـ “تسليح الهجرة” (weaponization of migration)، حيث تتحول تدفقات السكان إلى عملة تفاوض بين دول الجوار والاتحاد الأوروبي، كما وقع بين بيلاروسيا وبولونيا في أواخر 2021 حين وجهت مينسك آلاف طالبي اللجوء نحو الحدود البولونية ردا على عقوبات أوروبية، أو بين تركيا واليونان عند حدود إيفروس سنة 2020. النمط واحد رغم اختلاف السياقات: الحدود تفتح وتغلق وفق توقيت تفاوضي لا وفق منطق أمني بحت. الخطورة السوسيولوجية هنا أن الدولة، في لحظة معينة، تكف عن أداء وظيفتها الحارسة فتتحول الحدود من حاجز إلى قناة، بإرادة سياسية مؤقتة يعاد إغلاقها بمجرد أن تحقق غرضها التفاوضي.

3. البعد القضائي: حين تتحول الحماية القانونية إلى حافز غير مقصود

إلى جانب القرار التنفيذي، ثمة فاعل ثالث غالبا ما يغيب عن التحليل: القضاء الإسباني نفسه، بوصفه سلطة مستقلة عن الحكومة قد تعيد رسم “بنية الفرصة” الحدودية دون أن تقصد ذلك. فبعد أحداث 2021، اعتبرت محاكم إسبانية، من بينها المحكمة العليا في إقليم الأندلس، أن الإعادة الفورية لقاصرين مغاربة غير مصحوبين إلى بلدهم شكلت خرقا لحقوقهم، في امتداد لإدانة سابقة صادرة عن لجنة حقوق الطفل الأممية سنة 2019 بخصوص محاولة إعادة قاصر من سبتة بالطريقة نفسها. هذا الاجتهاد القضائي، وإن كان مبنيا على منطق حقوقي صرف، رسخ لدى العائلات فكرة أن وضعية القاصر توفر حماية قانونية تحول دون الترحيل الفوري.

الأبلغ من ذلك هو ما وقع صيف 2026، حين أصدرت المحكمة العليا الإسبانية الحكم رقم 814/2026، الذي قضى بأن آلية “الرفض عند الحدود” أو الإعادة الفورية، لا يجوز تطبيقها على من يصل إلى سبتة أو مليلية عن طريق السباحة، لأن هذه الآلية مرتبطة قانونا بتجاوز عناصر احتواء مادية كالأسوار، بينما يخضع القادمون من البحر للمسطرة العادية المنصوص عليها في قانون الأجانب. الحكم لم يمنح إقامة تلقائية ولم يلغ إمكانية الترحيل لاحقا، لكن هذه الدقائق القانونية لم تكن ما انتشر بين الشباب، فما تداولته المجموعات الرقمية كان خلاصة مبسطة ومغرية: الوصول سباحة يعني الإفلات من الإعادة المباشرة. وهكذا تحولت قاعدة إجرائية دقيقة، صادرة عن سلطة قضائية لا علاقة لها بالحسابات الدبلوماسية، إلى “فرصة متخيلة” خفضت في أذهان كثيرين كلفة المخاطرة ورفعت احتمال النجاح المتصور. هذا المثال يوسع فهمنا لـ “الرهان الجيوسياسي” في الفقرة السابقة: فالثغرة التي تفتح الباب أمام الاندفاع الجماعي لا تصدر فقط عن قرار تنفيذي محسوب، بل قد تنتج، دون قصد، عن اجتهاد قضائي إنساني النية، يعاد تأويله وتبسيطه عبر الخوارزميات إلى وعد بالعبور الآمن.

4. الدوافع الداخلية: الحرمان النسبي ورأسمال الأمل المهدور

لكن الرهان الجيوسياسي والقضائي وحدهما لا يفسران لماذا يقبل آلاف الشباب المخاطرة بأجسادهم عند أول ثغرة تتيحها الدولة أو يفتحها اجتهاد قضائي. هنا تصبح قراءة بيير بورديو مفيدة: حين ينسد أفق تحويل رأس المال المدرسي أو الرمزي إلى رأس مال اقتصادي داخل الحقل الوطني، يصبح “الحقل” نفسه، بالنسبة للفاعل الشاب، فضاء مغلقا لا يستحق الاستثمار فيه أكثر. البطالة الهيكلية للشباب، والهوة بين مستوى التعليم المحصل والفرص المتاحة، تنتج ما تسميه أدبيات علم الاجتماع “الحرمان النسبي”، أي أن الشعور بالغبن لا ينبع من الفقر المطلق بل من المقارنة بين ما ينتظره الفرد وما يحصل عليه فعليا، وبين وضعه ووضع أقرانه الذين نجحوا في الهجرة أو حسّنوا وضعهم. سبتة، في هذا المعنى، ليست مجرد مدينة قريبة بل رمز لأوروبا المتاحة على مرمى حجر، تختزل كل وعود الحراك الاجتماعي التي عجز الحقل المحلي عن الوفاء بها.

المثال الأوضح محليا هو مدينة الفنيدق نفسها، فبعد أن كانت “التجارة الموازية” مع سبتة تشغل عشرات الآلاف من الأسر في التهريب المعيشي، أدى إغلاق هذا المنفذ سنة 2019 إلى تجفيف مصدر رزق كامل لجيل بأكمله دون بديل اقتصادي مكافئ. فالمنطقة التي أنتجت أعلى نسب المشاركين في أحداث ماي 2021 هي بالضبط المنطقة التي فقدت حقلها الاقتصادي التقليدي قبل سنتين فقط، في تزامن يصعب اعتباره محض صدفة.

5. الانقياد: من القرار الفردي إلى السيكولوجيا الجماهيرية

هذا هو المستوى الأقل تناولا في التحليلات الإعلامية، رغم كونه الأكثر تفسيرا لصورة “الاندفاع الجماعي” بحد ذاتها. غوستاف لوبون، في تنظيره المبكر لسيكولوجيا الجماهير، لاحظ أن الفرد داخل الحشد يفقد جزءا من عقلانيته النقدية لصالح “عدوى ذهنية” تسري بين الأجساد المتلاصقة، فالقرار الذي كان سيبدو متهورا لو اتخذه الفرد بمفرده، يصبح معقولا حين يراه محاطا بمئات ممن اتخذوه قبله. هذا ما تؤكده أيضا تجارب سولومون آش الشهيرة في الامتثال الاجتماعي: حين يرى الفرد أغلبية تتصرف بطريقة معينة، يميل إلى تبني سلوكها حتى ضد حكمه الذاتي، خاصة في لحظات الغموض حيث لا تتوفر معلومة موثوقة عن حجم المخاطر الحقيقية. أما رينيه جيرار فيضيف بعدا آخر عبر مفهوم “الرغبة المحاكاتية”: فالمهاجر لا يرغب في أوروبا بذاتها بقدر ما يرغبها لأن آخرين، يعتبرهم نظراء أو نماذج، يرغبونها ويسعون إليها. الانقياد هنا ليس ضعفا أخلاقيا فرديا كما تصوره بعض الخطابات المحافظة، بل آلية اجتماعية-نفسية موثقة تتفعل بقوة في لحظات الفوضى الحدودية وغياب المعلومة الموثوقة وتكاثر الشائعات حول “تساهل” مؤقت. المثال الملموس هنا هو الدور الذي لعبته مقاطع الفيديو المتداولة على واتساب وفيسبوك، والتي أظهرت شبانا يسبحون أو يعبرون سيرا نحو الشاطئ الإسباني دون اعتراض، هذه المقاطع، أكثر من أي تحليل مكتوب أو حتى من نص الحكم القضائي نفسه، هي التي حولت القاعدة القانونية الدقيقة إلى “دليل بصري” دفع بمن كانوا مترددين إلى الانضمام فورا، في نموذج مصغر لما تصفه أدبيات الإعلام الرقمي بـ”العدوى الرقمية” التي تُسرع من وتيرة الانقياد التقليدي وتوسع نطاقه الجغرافي في زمن قياسي.

6. سيميائية الصورة: السجود وعلامة النصر وتحويل العبور إلى طقس

يكاد المشهد يتكرر بالتفاصيل نفسها في كل موجة عبور: شاب يصل منهكا إلى الشاطئ الإسباني، فيسجد أرضا قبل أن يقف، وأخرى ترفع إصبعي السبابة والوسطى في علامة النصر أمام هاتف من يرافقها. هذا المشهد ليس توثيقا محايدا للحظة عابرة، بل بناء رمزي مكتمل الأركان يستحق قراءة سيميائية لا تكتفي بالمضمون الظاهر. فالسجود، في الحقول الدينية والثقافية المغربية، فعل مشحون بدلالة الشكر على نجاة من خطر محقق، أقرب إلى “طقس عبور” بالمعنى الذي بلوره الأنثروبولوجي فيكتور تيرنر: مرحلة “عتبية” (liminal) يغادر فيها الفرد وضعا سابقا ويدخل، عبر اختبار جسدي محفوف بالمخاطر، إلى هوية جديدة يعاد فيها تعريف موقعه الاجتماعي. العبور هنا لا يقرأ فقط بوصفه انتقالا جغرافيا من ضفة إلى أخرى، بل بوصفه “ولادة ثانية” رمزية يعلنها الجسد قبل أن يعلنها أي خطاب.

أما علامة النصر، فتنقل الحدث من سجل الامتنان الديني إلى سجل المبارزة: الجسد الذي كان قبل لحظات “غير شرعي” أمام السلطة الحدودية يقدم نفسه فجأة “منتصرا” على تلك السلطة ذاتها. هذا الانتقال السريع من علامة الخضوع (السجود) إلى علامة الغلبة (النصر) يختزل، في ثانيتين من فيديو، البنية الكاملة التي يشرحها رولان بارت في مفهوم “الأسطورة” (mythologie): تحويل فعل واقعي محدد (عبور سياج أو سباحة محفوفة بالخطر) إلى دال مفتوح يحمل معنى مضاعفا لا علاقة له بحيثياته الفعلية، فيغدو العبور نفسه، بمعزل عن ظروفه اللاحقة من هشاشة قانونية وإيواء مؤقت وترحيل محتمل، رمزا جاهزا للبطولة الفردية.

وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تفوق هذه الصور الشحيحة اللغة تأثيرا على أي خطاب تحذيري مكتوب: فهي لا تنقل معلومة عن “احتمال النجاح” فحسب كما أشرنا في المحور الرابع، بل تمنح المُشاهد نموذجا جاهزا للأداء الرمزي بعد الوصول، أي “سيناريو” يعرف مسبقا كيف سيقف أمام الكاميرا حين يصل، قبل أن يقرر أصلا إن كان سيحاول العبور. الصورة، بهذا المعنى، لا تصف الفعل بل تسبقه وتشكله. فالمراهق الذي يشاهد عشرات المقاطع المتشابهة لا يستورد فقط فكرة “العبور ممكن”، بل يستورد أيضا الوضعية الجسدية والإيماءة الرمزية التي ستمنحه، هو أيضا، لحظة اعتراف اجتماعي فور وصوله، بغض النظر عما سيحدث بعد إغلاق الكاميرا.

المفارقة الأخيرة أن هذه الصورة نفسها تتغذى عليها روايتان متعاكستان: الخطاب الإسباني الرسمي والإعلامي يقرأ المشهد ذاته بوصفه دليلا على “غزو” أو “فوضى حدودية” تستدعي تشديد الإجراءات، بينما تحوله المنصات المغربية المتداولة إلى رمز فردي للفوز والتحرر. الصورة الواحدة تصبح، بحسب موقع الناظر إليها، إما تهديدا أمنيا أو إنجازا بطوليا، وهو ما يؤكد أن قوة هذه الرموز لا تكمن في محتواها الثابت بل في مرونتها التأويلية التي تسمح لكل طرف بتوظيفها لخدمة سرديته الخاصة.

7. تساؤل مفتوح: هل ثمة دوافع خارجية في تضخيم الموجة؟

يبقى سؤال منهجي معلقا بعد كل ما سبق: هل العدوى الرقمية التي وصفناها في المحورين الخامس والسادس عفوية بالكامل، أم أن أطرافا خارجية، لا تربطها بالمهاجرين أنفسهم أي صلة مباشرة، تجد مصلحة في تضخيم هذا النوع من المحتوى وترويجه؟ السؤال مشروع لأن منطق “تسليح الهجرة” الذي شرحناه في المحور الثاني على مستوى الدول قد يتكرر، بصيغة أخف وأكثر تمويها، على مستوى المحتوى الرقمي: فكل صورة تقدم المغرب كبلد يفر منه شبابه جماعيا تخدم، موضوعيا، أي جهة معنية بإضعاف صورته الدولية، سواء كانت دولة منافسة، أو حسابات إعلامية معادية، أو حتى مجرد صفحات تجارية تستثمر خوارزميا في محتوى الإثارة والمغامرة بمعزل عن أي حسابات سياسية.

هذا لا يعني وجوب اعتناق تفسير تآمري جاهز، فالخوارزميات، كما تبين أدبيات الإعلام الرقمي، تكافئ أصلا كل محتوى مثير للانفعال بصرف النظر عن مصدره أو نيته، وقد يكون الانتشار الواسع نتاج منطق تجاري بحت لا يستلزم توجيها خارجيا مقصودا. لكن غياب دليل قاطع على تدخل خارجي منظم لا يبرر أيضا استبعاد الفرضية سلفا دون فحص: من الذي ينتج هذا المحتوى تحديدا؟ هل تتكرر الحسابات والصفحات نفسها من موجة إلى أخرى؟ وهل يستفيد بعضها من عوائد إعلانية أو من كسب رمزي مرتبط بإضعاف صورة المغرب؟ هذه أسئلة تستحق تحقيقا رقميا متخصصا يتتبع مصدر المحتوى وأنماط انتشاره، أكثر مما تستحق جوابا قاطعا يُصاغ من داخل مقال تحليلي عام. وما دام هذا التحقيق غائبا، يبقى الأمانة العلمية تقتضي طرح السؤال دون حسمه في أي من الاتجاهين.

8. تقاطع المستويات: حين تلتقي الدولة والقضاء والحقل والحشد

القراءة النقدية الحقيقية لا تكتفي بعرض هذه المستويات جنبا إلى جنب بل ترصد كيف تتغذى على بعضها. القرار الجيوسياسي بفك الاشتباك الحدودي، أو الاجتهاد القضائي الذي يضيق نطاق الإعادة الفورية، لا ينتج أثره إلا لأنه يصادف مخزونا اجتماعيا من الإحباط جاهزا للانفجار. والإحباط الفردي لا يتحول إلى فعل جماعي متزامن إلا عبر آليات العدوى النفسية والمحاكاة التي تحتاج بدورها إلى لحظة “انفتاح” يوفرها القرار السيادي أو الحكم القضائي على حد سواء. بعبارة أخرى، لا الدولة ولا القضاء يصنعان الرغبة في الهجرة، لكن كليهما قد يفتح، كل بمنطقه الخاص، الصمام الذي يحول رغبة فردية كامنة إلى سيل جماعي مرئي، تتكفل بعدها الصورة، بشحنتها السيميائية من سجود وعلامات نصر، بترجمته إلى سردية بطولة قابلة للتقليد وللتوظيف الإعلامي والدبلوماسي في آن. وهذا بالضبط ما يجعل من هذه اللحظات أداة مزدوجة الوظيفة: ضغطا تفاوضيا على الخارج، وصماما أمنيا يخفف الاحتقان الداخلي دون الحاجة إلى معالجة أسبابه البنيوية.

9. خاتمة: ما بعد اللحظة الحدودية

الخطر الحقيقي في تحليل هذه الظاهرة هو الاكتفاء بأحد المستويات، الجيوسياسي أو القضائي أو النفسي-الاجتماعي، على حساب البقية. من يختزل الحدث في “مؤامرة دبلوماسية” يعفي الحقل الاجتماعي المحلي من مسؤوليته في إنتاج اليأس الذي يجعل المخاطرة بالحياة خيارا مقبولا. ومن يختزله في “قرار طائش لشباب منقاد” يعفي الدولة من مسؤوليتها السياسية في إعادة تشكيل حسابات المخاطرة لدى المهاجرين المحتملين. المقاربة السوسيولوجية النقدية مطالبة بالجمع بين هذه المستويات: فضح التوظيف الجيوسياسي للحدود من جهة، ومساءلة الأثر غير المقصود للاجتهادات القضائية حين تنتقل من قاعة المحكمة إلى شاشة الهاتف من جهة ثانية، ومساءلة السياسات العمومية التي تترك رأسمال الأمل لدى الشباب بلا قناة تصريف داخلية من جهة ثالثة. فما لم يعالج انسداد الحقل الاجتماعي محليا، ستبقى كل ثغرة حدودية أو قضائية، متى فتحت، مرشحة لتكرار المشهد نفسه، بغض النظر عن كثافة الخطاب الرسمي حول “السيادة” و”حماية الحدود”.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق