عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الكتاب المدرسي - بوابة المدينة برس
هل يرى التلميذ المغربي نفسه في الكتاب المدرسي؟
تحتل المدرسة مكانة مركزية في بناء الفرد وتشكيل وعيه بذاته ومحيطه، فهي تؤدي دورا أساسيا في نقل المعارف والمهارات، وتسهم في إنتاج تصورات المتعلم حول المجتمع والثقافة والهوية. وما تقدمه المؤسسة التعليمية من مضامين لا يمثل اختيارات بيداغوجية فقط، بل يعكس كذلك طبيعة النظرة التي يحملها المجتمع تجاه مكوناته الثقافية المختلفة.
ومن بين أهم الوسائط التي تجسد هذه الوظيفة الكتاب المدرسي، باعتباره وثيقة تربوية وثقافية ترافق المتعلم طوال مساره الدراسي. وتسهم النصوص والصور والمعارف التي يتضمنها في تشكيل تمثلات المتعلم عن ذاته والآخر، وعن العناصر التي تعد جزءا من الذاكرة الجماعية، وتلك التي تحظى بالاعتراف داخل المعرفة المدرسية.
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز الجانب البيداغوجي إلى أبعاد اجتماعية وثقافية أوسع: هل يجد التلميذ المغربي مختلف مكونات هويته داخل الكتاب المدرسي؟ وهل تعكس المناهج التعليمية التنوع الثقافي الذي يطبع المجتمع المغربي؟
التنوع الثقافي: حق إنساني وواقع اجتماعي
يشكل التنوع الثقافي إحدى الخصائص الأساسية للمجتمعات الإنسانية، إذ يصعب تصور مجتمع خال من الاختلاف في اللغات والعادات والتقاليد وأنماط التعبير. وقد انتقل الاهتمام بهذا التنوع من كونه واقعا اجتماعيا إلى اعتباره حقا من حقوق الإنسان، خاصة مع تطور النقاش الدولي حول مكانة الثقافة في بناء المجتمعات.
فقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 على حق كل فرد في المشاركة في الحياة الثقافية، ثم جاء الإعلان العالمي للتنوع الثقافي الذي اعتمدته منظمة اليونسكو سنة 2001 ليؤكد أن التنوع الثقافي يمثل تراثا مشتركا للإنسانية، وأن حمايته وتعزيزه مسؤولية جماعية (اليونسكو، 2001).
ولا يرتبط الدفاع عن التنوع الثقافي بمجرد الحفاظ على الخصوصيات المحلية، وإنما يتصل أيضا بقضايا الاعتراف والإنصاف، لأن حضور ثقافة معينة داخل المؤسسات الاجتماعية يمنحها شرعية رمزية، بينما يؤدي غيابها أو تهميشها إلى إضعاف موقعها داخل الوعي الجماعي.
المدرسة المغربية وسؤال تمثيل الهوية المتعددة
يتميز المغرب بتعدد روافده التاريخية والثقافية، فقد تشكلت هويته عبر تفاعل مكونات عربية وأمازيغية وإفريقية وأندلسية وحسانية ويهودية، وهو تنوع يعكس مسارا تاريخيا غنيا بالتراكمات الحضارية.
وقد شهد الاعتراف بهذا التنوع تحولا مهما مع دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الذي أكد أن الهوية الوطنية تقوم على روافد متعددة، كما نص على حماية مختلف التعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب (دستور المملكة المغربية، 2011). كما أكدت الوثائق المؤطرة لمنظومة التربية والتكوين على أهمية بناء مدرسة تستجيب لهذا الغنى الثقافي، حيث دعا الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى ترسيخ الهوية المغربية والانفتاح على مكوناتها، وأكدت الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 على ضرورة بناء مدرسة قائمة على الإنصاف والجودة والارتقاء (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2015).
غير أن الاعتراف بالتنوع في الوثائق المرجعية يطرح سؤالا آخر يتعلق بمدى حضوره الفعلي داخل المناهج والكتب المدرسية، لأن المدرسة تعبر عن اختياراتها من خلال النصوص الرسمية، كما تكشف عنها المضامين التي تقدمها للأجيال الجديدة.
الكتاب المدرسي وصناعة صورة المجتمع لدى المتعلم
لا يمكن النظر إلى الكتاب المدرسي باعتباره مجرد أداة لنقل المعرفة، فهو أيضا فضاء لإنتاج المعاني والرموز التي تؤثر في طريقة فهم المتعلم لمجتمعه. فالنصوص المختارة، والصور المصاحبة، والشخصيات المقدمة، كلها عناصر تساهم في بناء صورة معينة عن الثقافة والتاريخ والهوية.
ومن هذا المنطلق، فإن حضور مكون ثقافي معين داخل الكتاب المدرسي يتجاوز مساحته الكمية ليشمل مكانته الرمزية أيضا. فحين تظهر بعض الثقافات بصورة متكررة، بينما تحضر أخرى بشكل محدود أو عرضي، فإن الأمر يصبح مرتبطا بسؤال الاعتراف والتمثيل.
وقد بينت دراسات سوسيولوجيا التربية أن المدرسة ليست فضاء محايدا تماما، بل يمكن أن تعكس اختيارات ثقافية واجتماعية معينة. ويرى بيير بورديو وجان كلود باسرون أن النظام التعليمي قد يساهم في إعادة إنتاج بعض أشكال الهيمنة الرمزية عندما يمنح ثقافة معينة موقعا أكثر شرعية من غيرها (Bourdieu & Passeron, 1970). ولا يعني ذلك أن المدرسة مطالبة بعرض الثقافات المختلفة في شكل منفصل، بل يقتضي منها تقديم صورة أكثر توازنا عن المجتمع الذي توجد داخله، بما يسمح للمتعلم بفهم تعدد مكوناته في إطار وحدة وطنية جامعة.
المدرسة فضاء للتنوع وبناء الهوية المشتركة
إن إدماج التنوع الثقافي داخل الكتب المدرسية يشكل مطلبا يتجاوز فئة معينة، ويندرج ضمن بناء مدرسة أكثر عدالة وقدرة على الاستجابة لتحولات المجتمع. فالمتعلم يدخل إلى الفصل الدراسي حاملا خلفيته الاجتماعية والثقافية، ولغة أسرته وذاكرة محيطه وتجربته الخاصة.
وعندما يجد المتعلم أن هذه العناصر تجد مكانا لها داخل المعرفة المدرسية، فإن ذلك يدعم علاقته بالمدرسة ويقوي شعوره بالانتماء. أما عندما تغيب بعض المكونات الثقافية أو تقدم بصورة هامشية، فقد تنشأ مسافة بين المتعلم والمعرفة التي تقدمها المؤسسة التعليمية.
إن سؤال “هل يرى التلميذ المغربي نفسه في الكتاب المدرسي؟” يرتبط بتمثيل ثقافة أو لغة أو مكون اجتماعي معين، كما يتصل بمستقبل المدرسة المغربية وقدرتها على بناء مواطن يدرك أن هويته الجماعية تكونت عبر تفاعل تاريخي بين روافد متعددة. فالكتاب المدرسي الذي يحتضن هذا التنوع يقدم معرفة أكثر شمولية، ويسهم في ترسيخ قيم الاعتراف والتعايش والانفتاح، ويجعل من الاختلاف الثقافي عاملا للإغناء وبناء مجتمع أكثر انسجاما.
المراجع
الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 1948.
منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، الإعلان العالمي للتنوع الثقافي، باريس، 2001.
المملكة المغربية، دستور المملكة المغربية، 2011.
وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 1999.
المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء 2015-2030، الرباط، 2015.
Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. La Reproduction: éléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Les Éditions de Minuit, 1970.








0 تعليق