عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم رهانات النزعة الفردانية - بوابة المدينة برس

شهدت بداية سبعينيات القرن الماضي تحولاً عميقاً في الفكر التربوي والاجتماعي. فقد تراجعت موجات التنميط والتقنين التي كانت تكرس النزعة اللا فردانية وتقدس التوجهات المعممة للمعرفة والسلوكات، والتي أقصت مبادرات الذات الفاعلة. وبالمقابل، برز نموذج جديد يتمحور حول الذات البشرية وخصوصياتها وقدراتها الإبداعية، باعتباره البديل الأمثل لتحقيق النجاعة والفعالية، استجابة لمنطق التغيير المستمر ودينامية المجتمع الفكرية. وقد انعكس هذا التحول مباشرة على حقل التربية والتكوين، حيث استثبت منظور جديد يولي أهمية للمبادرة الذاتية للمتعلم ولمؤهلاته في بناء الفعل التربوي، وبذلك أضحت مشاريع التلاميذ إطاراً فعالاً لاحتواء النشاط البيداغوجي بدل الاقتصار على التلقين التقليدي.
وفي هذا السياق لم تعد فكرة “المشروع الذاتي للتعلم” حكراً على حقل واحد، بل أصبحت إطاراً جامعاً للتفاعلات الإنسانية. فالإنسان في حياته هو في جوهره “مشروع متتابع” يتحقق عبر سلسلة من الاختيارات الذاتية، كما يؤكد الوجوديون. والمشروع عموماً هو خطة عمل استباقية لاستشراف المستقبل، تدعو إلى ترسيخ سلوكات التوقع واتخاذ القرار واليقظة واستثمار الذكاء. أما المشروع الشخصي للتعلم عند التلميذ فيعني تأهيله الذاتي في اختياراته التربوية وتوجهاته العملية، من خلال إشراكه في مشاريع خاصة داخل الحياة المدرسية، إلى جانب مشاريع أخرى داخل المنظومة التربوية كمشروع المؤسسة والمشروع البيداغوجي ومشروع العمل التربوي.
وتتجلى أهم رهانات هذا المشروع في بناء شخصية التلميذ وتحديد هويته الذاتية، وفي تحويل المعرفة إلى المحيط عبر انفتاح المؤسسة التعليمية على مكوناتها المجتمعية، وفي تعمق التقاطع بين النظري والتطبيقي سواء في المعرفة أو في التكوين المهني، وكذلك في خلق تجاوب فعال بين المكوِّن والمكوَّن، وأخيراً في التهيئة للاندماج الاجتماعي الفعال واستبطان قيم المواطنة. وتتحقق هذه الرهانات عبر تدابير عملية، من أهمها وضع التلميذ أمام وضعيات إشكالية تفرز سيرورة المشروع لبناء معارف جديدة، وإشراكه إلى جانب المدرس في تدبير وتقويم مشروعه. كما تستند هذه المقاربة إلى مرجعيتين أساسيتين هما علم الأداء الذي يبحث عن أفضل الطرائق لحل مشكلات الفعل التربوي، والبنائية الذاتية لبياجي القائمة على خلخلة التمثلات القديمة عبر الصراع المعرفي وبناء توازن جديد أرقى.
غير أن تفعيل هذا التوجه استدعى بالضرورة إعادة رسم خريطة الأدوار داخل الفصل، فمهمة قيادة المشروع الشخصي للتلميذ ليست بسيطة، إذ تتطلب إخراجه من عزلته ودفعه للاشتغال على ذاته، انطلاقاً من صورته عن نفسه وما يأمل وما يستشرف لمستقبله، وربط ذلك بمساره الدراسي الحالي والسابق. إلا أن الإشكال الحقيقي يكمن في أن التلميذ غالباً لا يكون في حالة وعي كامل بمشروعه الخاص، ولا يستشعر الحاجة إلى التغيير، فهو منشغل بدراسته اليومية وبمشاكل التمدرس، وعلى رأسها الخوف من الفشل الدراسي. كما أن بعض التلاميذ قد يتبنون مشاريع بهدف تقليد الراشدين فقط، ويرفضها آخرون لارتباطهم بمنهج دراسي “عادي” بعيد عن التعقيد والاجتهاد، وهنا يجد المدرس نفسه أمام وضعيات متضاربة وغير ثابتة وصعبة التعميم، تتطلب أولاً فهمها والوعي بها قبل الشروع في التأطير.
وخلاصة القول إن مشروع التعلم الذاتي يمثل تمهيداً حقياً للفردانية في اكتساب المعرفة، وانتقالاً من منطق التلقين إلى منطق المبادرة. ورغم صعوبات التفعيل وتباين استجابات التلاميذ، فإنه يظل المدخل الأساسي لبناء متعلم فاعل، قادر على الاختيار، ومؤهل للاندماج في مجتمع متجدد يعلي من قيمة الذات المبدعة.
النشرة الإخبارية
اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا
اشترك
يرجى التحقق من البريد الإلكتروني
لإتمام عملية الاشتراك .. اتبع الخطوات المذكورة في البريد الإلكتروني لتأكيد الاشتراك.
لا يمكن إضافة هذا البريد الإلكتروني إلى هذه القائمة. الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني مختلف.








0 تعليق