عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم المحلل الصيني شينج جيونج: كوريا الشمالية حليف مثير للقلق للصين - بوابة المدينة برس
نيويورك - (د ب أ)
نشر في: الأربعاء 12 أغسطس 2026 - 11:58 ص | آخر تحديث: الأربعاء 12 أغسطس 2026 - 11:58 ص
على الرغم من العلاقات الودية القوية بين الصين وكوريا الشمالية باعتبارهما حليفين في آسيا، تشعر الصين بقلق متزايد إزاء دور بيونج يانج في خلق المخاطر التي تهدد مصالحها في شمال شرق آسيا وتفاقمها. كما تشعر الصين بالحاجة إلى تعديل استراتيجيتها تجاه كوريا الشمالية لإدارة العلاقات معها دون تأجيج التوترات وزيادة زعزعة استقرار المنطقة.
وقد ازدادت بيونج يانج غموضا مع تنامي جرأتها بفضل برنامجها النووي، الذي تواصل تطويره رغم عقود من العقوبات والإدانات والعزلة الدولية. ورغم أن كوريا الشمالية لا تزال تعتمد على الصين في الدعم الاقتصادي، فإن تنامي علاقاتها الأمنية مع روسيا جعلها أقل اعتمادا على بكين مما كانت عليه في السابق. كما تخشى الصين، من التهميش في حال اندلاع أزمة تشمل كوريا الشمالية مع خروج الصراع عن السيطرة.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز قال شينج جيونج أستاذ وعميد معهد الدراسات الإقليمية في جامعة تيانجين للدراسات الخارجية الصينية إن علاقة بكين مع بيونج يانج استندت على مدى حوالي 8 عقود إلى روابط تاريخية وصداقة رمزية وتنسيق غير رسمي. إلا أن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الزعيم الكوري الشمالي كيم يونج أون جعل الراوبط التاريخية والصداقة الرمزية غير كافية.
وتهدف استراتيجية الصين الجديدة، التي تجسدت بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينج لكوريا الشمالية في يونيو الماضي إلى إعادة بيونج يانج إلى الفلك الصيني وجعل العلاقات الثنائية أكثر استقرارا وقابلية للإدارة. كما أن بكين لا تريد انهيار كوريا الشمالية، التي تعد نموذجا محتملا لكيفية إدارة الصين لعلاقاتها مع حلفائها بفعالية، لكنها تدرك حاجتها إلى طرق أفضل لتجنب المفاجآت من بيونج يانج، والتي قد تزعزع استقرار الصين أو تؤدي إلى اتساع الانتشار العسكري لليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة في منطقة شمال شرق آسيا.
وعلى الرغم من اشتراك الصين وكوريا الشمالية في حدود برية طويلة، وكلاهما دولتان شيوعيتان، شهدت علاقتهما تقلبات عديدة منذ تأسيسهما. وبعد تولي كيم يونج أون زعامة كوريا الشمالية في أواخر عام 2011، تدهورت علاقات البلاد مع الصين بشكل حاد بسبب الخلافات حول تصرفات بيونج يانج، بما في ذلك سعي كيم لامتلاك أسلحة نووية، واعتقال عمه وإعدامه.
وبلغ استياء بكين من بيونج يانج ذروته في عام 2017، عندما أجرت كوريا الشمالية تجربة نووية والعديد من التجارب الصاروخية التي كشفت عن إتقانها لتكنولوجيا القنبلة الهيدروجينية، وتسارع وتيرة تطوير قدراتها النووية. ولم يتعارض الاختبار النووي مع معارضة الصين المعلنة لبرنامج كوريا الشمالية النووي فحسب، بل كان محرجا سياسيا لبكين أيضا، إذ تزامن مع استضافة الصين لقمة قادة مجموعة البريكس. وفي ذلك العام، صوتت الصين لصالح 5 قرارات في مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات مشددة على كوريا الشمالية وتشديد متطلبات المراقبة عليها بسبب برنامجها النووي.. وأدى قلق الصين من احتمال تصعيد الصراع بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة إلى دعوتها لرئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، جوزيف دانفورد، لزيارتها وإجراء مناقشات حول البرنامج النووي لكوريا الشمالية والأمن الإقليمي.
ولا تزال الصين شريكا لا غنى عنه لكوريا الشمالية من الناحية الاقتصادية، فأكثر من 70% من إجمالي واردات كوريا الشمالية، ونحو 60% من غذائها، و75% من سلعها الاستهلاكية تأتي من الصين. كما أن بكين تزود بيونج يانج بنحو 520 ألف طن نفط وما بين 500 ألف و800 ألف طن من الحبوب والأسمدة سنويا
لكن السنوات الأخيرة شهدت تكثيف الدعم الروسي لكوريا الشمالية. فبعد توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين موسكو وبيونج يانج في يونيو 2024، قدمت الأولى ضمانات أمنية، وتكنولوجيا عسكرية، وإمدادات طاقة، وأسواقاً لتصدير العمالة، ودعما للأخيرة في التحايل على العقوبات. في المقابل، أرسلت كوريا الشمالية أسلحة وذخيرة وجنودا للقتال لدعم روسيا في حربها في أوكرانيا.
ورغم أن توطيد العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية يخفف بعضا من التزامات الصين بتقديم المساعدات الاقتصادية والضمانات الأمنية لجارتها الشمالية الشرقي، منح هذا التوطيد كوريا الشمالية قوة تفاوضية أكبر، وغير من طبيعة علاقتها بالصين. فبعد أن كانت الصين الممول الوحيد لكوريا الشمالية، أصبحت الآن مجرد داعم كبير لها من بين عدة جهات.
وبالنسبة لبكين، يكمن الخطر الأكبر من تعزيز التعاون بين كوريا الشمالية وروسيا في أنه يوفر ذريعة مثالية لتعزيز تحالف اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة. فإذا استمرت كوريا الشمالية وروسيا في العمل الوثيق على تطوير الأسلحة النووية، ستستغل اليابان وكوريا الجنوبية التهديد الكوري الشمالي لتبرير تعزيز تحالفاتهما مع الولايات المتحدة. وقد تدفعان باتجاه المزيد من تبادل المعلومات الاستخباراتية الثلاثية، والمناورات العسكرية المشتركة، وتكامل الأسلحة. وكل هذا من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى قيام تحالف مؤسسي لا يستهدف كوريا الشمالية فحسب، بل الصين أيضا، مما يكثف الضغوط على الصين من جبهات متعددة ويفاقم التهديدات العسكرية حول نقاط التوتر مثل مضيق تايوان.
في الوقت نفسه فإن التنافس بين الصين والولايات المتحدة يزيد احتمالية تحول الاحتكاكات الأمريكية مع بيونج يانج إلى مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة والصين. وتولي الصين أولوية قصوى لتجنب أي صراع عسكري غير ضروري مع الولايات المتحدة، إلا أن استفزازات كوريا الشمالية النووية والصاروخية المتواصلة، وتعميق تعاونها العسكري مع روسيا، وتزايد عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاتها، كلها عوامل تنذر بتورط الصين في أزمة غير محسوبة. ويعكس حرص بكين على تجنب زعزعة الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية رغبتها في توطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتجنب أي تصعيد محتمل قد يفضي إلى صراع مباشر.
أخيرا، بإمكان بكين استغلال اعتماد كوريا الشمالية عليها اقتصاديا، لكي تضغط على بيونج يانج لاتخاذ إجراءات ضبط النفس، كالامتناع عن الأعمال الاستفزازية التي قد تؤدي إلى اتساع الانتشار العسكري لليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة. ولا يعد الدعم الاقتصادي مجرد ثمن تدفعه الصين للحفاظ على استقرار كوريا الشمالية، بل هو أيضا أداة عملية لتوجيه تصرفات بيونج يانج ومنع تهميش بكين في المنطقة. كما يمكن للصين ربط المساعدات الإنسانية، والانفتاح على التجارة الحدودية، وإمدادات الطاقة، وتوفير البنية التحتية، باستعداد كوريا الشمالية لكبح جماح تهديداتها العسكرية.



0 تعليق