رهانات الانتخابات المقبلة - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم رهانات الانتخابات المقبلة - بوابة المدينة برس

الحلقة الثانية

تعيش بلادنا اليوم مرحلة مفصلية، مرحلة انتقال من بناء الدولة الوطنية إلى بناء القوة الوطنية؛ من بناء رؤية لنموذج تنموي تراكمي ودينامي إلى إعادة توجيه العلاقة بين المنظومة الاقتصادية والمنظومة الاجتماعية؛ من بناء فلسفة الدولة الاجتماعية إلى إعادة ضبط وتعديل مسار تفعيل هذه الفلسفة وترسيخ دعائم العدالة الاجتماعية والمجالية لتجاوز مغرب السرعتين. لذلك فهي مرحلة تستلزم وعيا تاريخيا واجتماعيا ممكنا، يجعل الانتخابات المقبلة وعاء ديموقراطيا ممكنا لتدبير التناقض الأساسي في المجتمع، وحله حلا سياسيا ملائما. بهدف تيسير هذا الانتقال المركب. لأن التناقض داخل المجتمع قائم بشكل موضوعي. وصار، نتيجة تراكماته، وعلاقته بميزان القوى، أكثر وضوحا، وكلما ازداد هذا التناقض وضوحا ازداد أثره على الكتلة الاجتماعية التي تدفع فاتورة الاستقرار الاجتماعي من رصيد كرامتها وحقوقها الأساسية. لهذا تعد المرحلة مفصلية، والانتقال فيها يقتضي أن يكون نوعيا. ومن ثم، تُعد الانتخابات المقبلة، برهاناتها الوطنية، محطة أساسية لفرز حل سياسي لهذا التناقض، يعزز الثقة والتفاؤل والأمل في المستقبل.

خطاب العرش لهذه السنة، من حيث هو رؤية لتجديد الاستمرارية والتأسيس للمستقبل، لم يتحدث عن هذه الانتخابات المقبلة، ولكنه تحدث عما بعدها. لأنه خطاب استراتيجي (المدى الزمني الممتد)، وعلى الفاعلين السياسيين والمدنيين والمحللين والمتتبعين للشأن الوطني أن يجدوا الفرضيات التكتيكية الملائمة (في المدى الزمني القصير/ الزمن الانتخابي)، لتفعيل هذه الرؤية الاستراتيجية. الانتخابات رهان تكتيكي في أساسه، لكنه في هذه المرحلة صار رهانا استراتيجيا أمام الفاعلين، نظرا لطبيعة المرحلة. لا يمكن أن تكون الانتخابات المقبلة مجرد دورة من دورات تفعيل خيار الديموقراطية، كأرقى شكل لتدبير التناقض الموضوعي في المجتمع بحل سياسي مرحلي ملائم، وإنما هي محطة توحدت فيها الاستراتيجية مع التكتيك. إنها جسر انتقال من بناء الدولة الوطنية إلى بناء القوة الوطنية، وهذا الجسر يجب أن يقوم على دعائم صلبة، وفي صلب هذه الدعائم تبرز أهمية الوعي التاريخي والاجتماعي الممكن لا المزيف. الوعي الذي يجعل الفعل الانتخابي بمضمونه السياسي فعلا منتجا للتحول، لا لإعادة إنتاج السائد في نسخة أكثر توترا، قادرا على حل التناقض لا إلى دفعه إلى الثبات. من هنا تأتي أهمية هذه الانتخابات. ومن هنا تأتي أهمية المشاركة لا التخلي. وعلى هذا الأساس تقوم ضرورة الاستثمار في الثقة والتفاؤل بدل الاستثمار في خطابات اليأس والإحباط.

في الحلقة الأولى قاربت السؤال: لماذا يجب الاستثمار في روح الثقة والتفاؤل بدل تعزيز الاستثمار في خطابات اليأس والإحباط، وفي المشاركة بدل التخلي أو النكوص، أو حتى الهروب إلى الأمام؟ بدأت، وأنا أحاول بسط رهانات الانتخابات المقبلة، بالمقاربة التربوية البيداغوجية في استثمار الخطاب الملكي، في ضوء فلسفة الإرادة، كمفهوم اشتغلتُ عليه ضمن اهتماماتي التربوية، في بعده النظري والتطبيقي، وقمت بتحريكه خارج حقل إنتاجه واشتغاله، بنقله من مقاربة الشأن التربوي في ظل خصوصية المدرسة، إلى مقاربة الشأن العام حيث تتكامل الإرادة الملكية مع إرادة المجتمع في الخطاب الملكي السامي. وفي هذه الحلقة سأقارب سؤالا آخر، هو كيف يمكن أن تكون المشاركة، يقظة بوعي تاريخي واجتماعي ممكن، خيارا لجعل الفعل السياسي المرحلي فعلا للتقدم النوعي؟

فإذا كان السؤال الأول استدعيت لمقاربته مفهوم الإرادة بأبعادها السبعة، حيث شكلت نسيجا تكاملت فيه الإرادة الملكية وإرادة المجتمع، فإني، لمقاربة السؤال الثاني، سأستدعي مفهوم ” الكتلة الاجتماعية”، لبسط وتحليل رهانات الانتخابات المقبلة عبر المدخل السياسي. وبذلك تتكامل عناصر المقاربة في التحليل، تتكامل الرؤية التربوية مع الرؤية السياسية. لأن الانتخابات في حد ذاتها فضاء تمارس من خلاله التربية السياسية، أو هكذا يُفترض، كما يمارس الفعل السياسي نفسه. فما أحوج بلدنا، في هذه المرحلة بالذات، إلى تربية سياسية مواطنة، وإلى ممارسة سياسية تدعم المشاركة المواطِنة الواعية. فعندما تغيب التربية السياسية عن التنظيمات السياسية وبرامجها التأطيرية والتكوينية، يغيب الوعي بالمواطنة عن الفعل السياسي الحزبي. وعندما يغيب هذا الوعي تصير السياسة فضاء تضيع في دروبه وتفاصيله، الروح الوطنية، والجدية، والمسؤولية، والالتزام، والأمانة. فتصاب الثقة بداء فقدان المناعة، وتصير الغاية مبررة للوسيلة، وتصير كل الطرق تؤدي إلى المصلحة الخاصة، فينتعش الإحباط واليأس، وتزحف الخطابات الشعبوية والعدمية. وهكذا يصير فعل السياسة في نظر الموطن فعلا بلا جدوى.

المدخل السياسي من خلال مفهوم الكتلة الاجتماعية:

إن التأمل في مسار الدولة الوطنية المغربية، منذ الاستقلال إلى الآن، ينتهي بنا، أو هذا ما أظنه، إلى الوقوف على حقيقة مفادها أن الدولة المغربية قطعت، على مستوى سلم الأولويات، في ظل شروط تاريخية مختلفة، وفي ظل تحديات داخلية وخارجية متعددة، أربع مراحل كبرى نوردها مختصرة على الشكل الآتي:

مرحلة أولى استهدفت البناء السياسي للدولة الوطنية من خلال إحداث المؤسسات وترسيخ دورها في بنية الدولة والمجتمع، في وقت لم يكن الشرط الموضوعي لبناء هذه المؤسسات متوفرا. ومن تم، جاء البناء السياسي متقدما على شرطه الموضوعي ليحسم التناقض القائم داخل الكتلة السائدة الموروثة عن فترة الحماية لفائدة دولة المؤسسات أولا. مما كان له انعكاس سلبي قوي على الوضع الاجتماعي، لأن تحسين الوضع الاجتماعي لا يتحقق بالضرورة عبر الحل السياسي وحسب، وإنما يتحقق بتحقق شرط التنمية والنمو الاقتصادي الذي يقوده الرأسمال الوطني، بحيث يؤدي هذا الشرط الموضوعي، المؤطر بالوعي الوطني، والمعزز بالإرادة، الى تراكم فائض القيمة، تتم إعادة استثماره في توسيع قاعدة الإنتاج وتنويع مصادره، من جهة، لامتصاص البطالة، وتحسين شروط العمل والدخل الفردي، ومن ثم الارتقاء الفردي والمجتمعي، من جهة ثانية. وهو ما لم يكن قد بلغ نضجه بعد، نتيجة عوامل داخلية ذاتية تمثلت في تركيبة الكتلة السائدة غير المنسجمة، وعوامل خارجية تتمثل في تحول الاستعمار الكولونيالي إلى استعمار جديد داعم للنمط الرأسمالي التبعي. الأمر الذي جعل التناقض داخل الكتلة الاجتماعية السائدة محصورا في تراكمه الكمي لا النوعي، أدى حله سياسيا إلى بروز نموذج للدولة قائم على التعددية الحزبية، دون أن يقدم نموذجا ديموقراطيا صحيا يجعل هذه التعددية الحزبية نوعية داعمة للديموقراطية في بعدها الاجتماعي. أفرز هو ذاته نموذجا سلطويا قمعيا من جهة، ونموذجا معارضا غير منسجم (إصلاحي- راديكالي) في رؤيته للدولة ذاتها من جهة ثانية.

مرحلة ثانية استهدفت بناء الاقتصاد الوطني عن طريق تشجيعات قوية، وعلى رأسها مشروع خوصصة القطاع العام وتفويت مؤسسات اقتصادية وعقارات وضيعات بمقابل رمزي، وتفويت رخص للاستثمار الريعي (النقل العمومي، المقالع، الصيد في أعالي البحار،…)، إلى جانب ما حظي به الرأسمال الوطني بمختلف أشكاله من احتضان، ومن تشجيعات وتسهيلات وإعفاءات ضريبية. لقد كان لمشروع الخوصصة هدفان، أولهما تعزيز وتوسيع نطاق الرأسمال الوطني ودفعه إلى التطور القسري بأقل تكلفة ممكنة، وبأكثر نجاعة مطلوبة. والثاني توفير الاعتمادات المالية لتغطية نفقات استكمال ترسيخ البناء السياسي للدولة وتفعيل خيار الديموقراطية كخيار استراتيجي لتدبير تناقضات المجتمع المتراكمة كميا، وكذا توفير الاعتمادات المالية لتغطية نفقات السلم الاجتماعي، وخاصة بعد التوقيع على التصريح المشترك سنة 1996 والانعطاف اليميني للكونفدرالية الديموقراطية للشغل، كقوة اجتماعية فاعلة ومؤثرة، مع مؤتمرها الثالث سنة 1997، وتبنيها لما سمي بالثقافة النقابية الجديدة الداعمة للتضامن بين كتلة الرأسمال الوطني وكتلة المأجورين لمواجهة زحف العولمة الاقتصادية. في حين لم تمثل هذه الثقافة إلى تجليا من تجليات الوعي الزائف الذي أسست له القوة الحزبية المؤثرة في الكتلة الديموقراطية التي نشأت في أعقاب معركة 14 دجنبر 1990، وتمثلها أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وهي أحزاب لم تكن منسجمة في شرطها الموضوعي، لأنها تمثل مكونا من مكونات الكتلة الاجتماعية السائدة (حزب الاستقلال)، ومكونات من الكتلة النقيضة (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية). عدم الانسجام هذا في الشرط الموضوعي انتهى إلى حل تناقضه سياسيا عن طريق تناوب توافقي ممكن في سياقه محروس بإرادة ملكية.

مرحلة ثالثة استهدفت المزاوجة بين استكمال بناء الاقتصاد الوطني، من جهة، وبناء مقومات البناء الاجتماعي بما يسمح بتفعيل رؤية استراتيجية مركبة في التنمية، تقوم على التكامل بين تعزيز الاقتصاد المنتج، وإرساء البناء الاجتماعي الداعم للعيش الكريم. هذه الرؤية الاستراتيجية المركبة استدعت اتخاذ أربعة تدابير ذات الأولوية: الأول ترسيخ مبادرة المفهوم الجديد للسلطة بما اقتضته من انفتاح ومصالحة وجبر الضرر وتوافق اجتماعي وسياسي؛ والثاني إطلاق مبادرة تحديث المجتمع، في شكل مبادرات إصلاحية قائمة على قاعدة هذا التوافق (إصلاح منظومة التربية والتكوين- مدونة الأسرة- خطة إدماج المرأة في التنمية- تدبير الشأن الديني)؛ والثالث إطلاق مبادرة التنمية البشرية تحت إشراف وزارة الداخلية؛ والرابع ترسيخ رؤية الدولة للتخطيط الاقتصادي (الأوراش الكبرى) عن طريق تجاوز ما سمي في حينه “بالمنهجية الديموقراطية” في تعيين الوزير الأول على رأس الحكومة التي أفرزتها انتخابات 2002، والذي لم يكن سوى إدريس جطو، وهو تكنوقراطي وخبير اقتصادي متمرس. لكن هذه المرحلة الاستراتيجية، التي شملت أربع مراحل سياسية قادها كل من إدريس جطو التكنوقراطي، وعباس الفاسي الاستقلالي، وعبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني عن حزب العدالة والتنمية، كما كان لها إيجابيات التجديد والتأسيس وتأمين الاستمرارية والاستقرار، في سياق وطني متحول، وسياق إقليمي مضطرب، كانت لها نتائج سلبية على مستوى التنفيذ والتعبئة والتدبير، وخاصة على مستوى العلاقة بين القطاعين الاقتصادي والاجتماعي، والحريات العامة، أدت إلى انفجار احتجاجات اجتماعية متعددة، أبرزها الحركة الاحتجاجية الوطنية التي قادتها حركة 20 فبراير سنة 2011، ثم احتجاجات الحسيمة سنة 2016 ، ثم احتجاجات جرادة سنة 2017. وهي جميعها احتجاجات توفر شرطها الموضوعي، لكنها افتقرت إلى شرطها الذاتي المتمثل في قيادة سياسية منسجمة قادرة على تأمين فعالية التنظيم والتأطير والتفاوض لحل التناقض سياسيا لفائدة الكتلة الاجتماعية الكادحة وحلفائها الموضوعيين من داخل الكتلة السائدة. وهو ما يفسره غياب الأحزاب السياسية كتعبيرات سياسية تمثل هذه الكتل الاجتماعية عن هذه المعارك، إما بالوقوف وقوف الصامت المتفرج، أو بالوقوف على هامش الاحتجاجات متذبذبة المواقف، في أحسن الأحوال، وإما بالهروب إلى الأمام ونعت هذه الاحتجاجات بأوضع النعوت والأوصاف، كما حصل مع احتجاجات الحسيمة. فإذا كانت احتجاجات 2011، بسياقها الوطني والإقليمي، قد أنتجت حلا دستوريا متقدما، فسح المجال لتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، وسياسيا أنتج أغلبية عددية نوعية لفاعليين جدد في الفضاء التنفيذي والتدبيري، فإن التدبير السياسي للعلاقة بين المنظومة الاقتصادية والمنظومة الاجتماعية لم يستطع تقديم فرضيات فعالة لفائدة هذه الأخيرة. فساء الوضع الاجتماعي أكثر، وانفجرت الاحتجاجات، واجهتها السلطة التنفيذية بالقمع وبتفتيت قيادتها الميدانية وإرغامها على التوقف عن مواصلة التعبئة والاحتجاج، من دون تفاوض، ولا استجابة للمطالب. وفي أعقاب هذه الاحتجاجات، جاء الإعلان الرسمي عن فشل النموذج التنموي القائم، والدعوة الملكية إلى مراجعة النموذج التنموي في خطاب جلالته أمام نواب الأمة في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية للولاية التشريعية العاشرة يوم 13 أكتوبر سنة 2017، حيث داعا جلالته إلى فتح نقاش وطني حول هذا النموذج التنموي القائم، مؤكدا على أنه لم يعد قادرا على الاستجابة لحاجات المواطنين. ثم أعلن جلالته في خطاب العرش لسنة 2019 عن قرار إحداث لجنة النموذج التنموي الجديد، وعين شكيب بن موسى رئيسا لها في 19 نونبر 2019، ثم عين أعضاءها في 12 دجنبر من نفس السنة. ولم يرفع رئيس اللجنة تقريرها العام بين يدي جلالة الملك إلا يوم 25 مايو 2021.

مرحلة رابعة بدأت بإقرار النموذج التنموي الجديد. لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن النموذج التنموي في نسخته الجديدة، نجح بشكل متقدم في تشخيص الحالة المغربية، شأنه شأن تقرير “خمسين سنة من التنمية”، قبل عقدين من الزمن، لكنه، في الوقت ذاته، لم ينجح بنفس المقدار في تقديم الحلول الملائمة للإشكاليات العميقة والمعيقة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك نتيجة ضغط التوافق المفروض على لجنة التقرير تحقيقه. بما جعل خيار ترسيخ مستلزمات استدامة الاستقرار تنقصه الدعائم الفعالة، والجرأة المطلوبة، والجدية اللازمة. وحيث أن تفعيل توصيات هذا النموذج الجديد صادف إفراز انتخابات 2021 لحكومة جديدة، بتركيبة جديدة، تدعمها أغلبية ذات امتداد ترابي، فقد سمح ذلك بوقوع انزياحات قوية، ومفارقات بين طبيعة التشخيص وطبيعة فرضيات التجاوز، من جهة، وطبيعة تفعيل هذه الفرضيات وتحويلها إلى برنامج سياسي مندمج والتقائي من جهة ثانية، وخاصة إذا علما أن المكون المهيمن داخل الكتلة الاجتماعية السائدة، والذي قاد هذه الأغلبية، هو مكون يمثل الرأسمالية النيوليبرالية الاحتكارية والأليغارشية المالية الريعية. ومن ثم، كان أهم بناء تم تقويض مستلزماته، هو البناء الاجتماعي التي تعرض للهجوم المتواصل، في سياق دولي متحول، وسياق وطني متحرك. وقد تمثل هذا الهجوم بقوة في تحرير الأسعار، وتغول سوق المحروقات، وضعف الاستثمار في القطاعات المنتجة للشغل أدى إلى ارتفاع نسب البطالة وخاصة وسط الشباب، في مقابل ذلك تحفيز الاستثمار في قطاعات العقارات والتجارة والتصدير والاتصالات والتأمينات والأبناك والخدمات وغيرها، وهي في الغالب غير منتجة للشغل، كما هي منتجة للربح ولفائض قيمة يتم إعادة تدويره في نفس القطاعات، في الداخل والخارج على حد سواء. بالإضافة إلى هذا وذاك، أنتجت هذه التوجهات السياسية تدهورا في القطاعات الاجتماعية الحيوية تجلى في استمرار ضعف استجابة القطاع الصحي للطلب الاجتماعي، وفي استمرار ضعف استجابة قطاع التربية والتكوين لحاجات الارتقاء الفردي والمجتمعي، وفي استمرار ضعف إمكانية الولوج إلى السكن، في مقابل ذلك تشجيع القطاع الخاص واستثماراته في هذه القطاعات الحيوية. واقع يتحرك على إيقاع مفارقات بين الرؤية والتنزيل. الأمر الذي استدعى اعتماد إجراءات تدخلية ذات طبيعة استعجالية في القطاعات الحيوية من طرف الحكومة بتوجيه ملكي (الصحة- التربية الوطنية- التعليم العالي- السكن- التشغيل- الثقافة- الفلاحة- الماء- الطاقة-..). وبموازاة هذا وذاك كان جلالة الملك قد أطلق أوراشا وطنية كبرى يتطلب إرساؤها اعتمادات مالية ضخمة، وفترات زمنية ممتدة للإنجاز، وعلى رأسها مشروع الحماية الاجتماعية كورش لترسيخ دعائم الدولة الاجتماعية، ثم أطلق جلالته مشروع العدالة الاجتماعية والمجالية، ثم أخيرا ، دعا إلى تخصيص اعتمادات إضافية للنهوض بالقطاع الصحي وقطاع التربية الوطنية وقطاع الشباب، وإطلاق مشروع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة كخيار يعتمد مقاربة جديدة في التمويل والتدبير لتجاوز مغرب السرعيتين، وخاصة بعد الاحتجاجات الشبابية التي انفجرت في الربع الأخير من السنة الماضية، وبروز احتجاجات متفرقة أخرى في أوساط قروية، كلها تطالب بالعدالة الاجتماعية والمجالية والعيش الكريم، ومحاربة الفساد واقتصاد الريع وتضارب المصالح.

في ظل هذه الوضعية المفصلية التي بلغ فيها التناقض بين الكتلتين الاجتماعيتين في المجتمع مستوى متقدم من التراكم الكمي، وقبل أن يحتدم التناقض وينجز تحوله النوعي الحاسم الذي قد يفشل النموذج الديموقراطي بتراكمه الحالي في احتوائه وتدبيره، وخاصة في ظل معارضة هشة غير قادرة على تأطير الفعل الاحتجاجي وعقلنته والترافع باسمه، يأتي الخطاب الملكي، اليوم، ليؤكد على أن الاستقرار هو الرأسمال الاستراتيجي، وعملة نادرة يتمتع بها المغرب. وهذا يفيد أمرين: أولهما أن الدولة الأمة توجد فوق المجتمع، تتدخل لحل التناقض في الوقت المناسب من دون انعكاسات سلبية على استقرار المجتمع. والثاني يعني أن الصراع الاجتماعي الدائر بين الكتل الاجتماعية يتم حل تناقضاته بشكل سلمي دون أن يسمح له بالتحول النوعي المنتج لنقيضه. فبماذا يمكن أن نفسر ذلك؟

يفسر هذا، أولا، بأن الصراع الاجتماعي في حقيقته لم يصل بعد إلى مرحلة التناقض الكلي الشامل الذي يصبح معه الصراع بين كتلتين اجتماعيتين متناقضتين صراعا متوترا، بين كتلة سائدة في مقابل كتلة نقيضة. وثانيا، أن هذا الصراع، موضوعيا، ما زال داخل الكتلة السائدة نفسها، ما يعني أنها كتلة اجتماعية مركبة من ذرات اجتماعية غير منسجمة، تحمل في طياتها توافقا في التكتيك، وتناقضا في الاستراتيجية. ما يعني، تبعا لذلك، بأن الصراع، في هذه الحالة، لا يمكن أن ينتج نقيضه البنيوي، وإنما فقط ينتج تطورا داخل نفس الكتلة. وثالثا أن الصراع الاجتماعي لا يحسم سياسيا بشكل موضوعي إلا بوجود تعبيرات سياسية تمثيلية قائمة على الانسجام بين شكلها الذاتي والموضوعي. وما يدل على كل هذا هو تركيبة النسخة الحالية من البرلمان. فهو يمثل الغطاء السياسي للصراع القائم داخل هذه الكتلة السائدة. وبما أنها كتلة غير منسجمة المكونات، بل في وضعية صراع يتطور، فقد أفرزت تحالفا أغلبيا متوافقا على البرنامج المرحلي فرضته خصوصية المرحلة، لكنها في الوقت ذاته أفرزت خطابات استراتيجية غير منسجمة تزايدت حدتها في السنة الأخيرة من الولاية الحكومية الجارية بين مكونات الأغلبية الحكومية والأحزاب التي تقودها. وهو ما يفسر الخرجات التي طبعت خطابات بعض قياديي كل من حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة في أكثر من مرة، بل أحيانا تنزاح هذه الخطابات لتصير أقرب إلى خطاب المعارضة منها إلى خطاب الأغلبية. في مقابل هذه الأغلبية المتوافقة سياسيا، والمتناقضة موضوعيا، توجد معارضة هشة، غير منسجمة، تنتج خطابا يتراوح بين النقد البناء، والسطحية، والشعبوية، والتبعية. والنتيجة هي أغلبية تحت رحمة تناقضاتها الموضوعية، وأقلية معارضة تحت رحمة ضعفها التمثيلي، غير قادرة على إنتاج خطاب سياسي ترافعي تعبوي تأطيري جذاب.

إن هيمنة الرأسمالية النيوليبرالية المحلية ذات النزعة الاحتكارية، والأوليغارشية المالية ذات النزعة الريعية، على الكتلة الاجتماعية السائدة، أدى إلى تفعيل سيء لفلسفة الدولة الاجتماعية، تفعيل اختار الاعتماد على القروض الخارجية لتغطية النفقات وتوفير الاعتمادات، وعلى التغطية الاجتماعية التي تنتهي مردوديتها إلى جيوب هذه الرأسمالية نفسها، من خلال استثماراتها الزاحفة على القطاعات الاجتماعية، كما اعتمدت على الدعم المباشر بناء على مؤشرات مجحفة. وكلها إجراءات لن يكون لها دور في تطور مستوى العيش ولا في صون كرامة المواطن، ولا كان لها دور في تنمية الإنتاج، وتحسين ظروف العمل، وتحسين الأجور، ولا حتى التقليص من حدة البطالة. ومن ثم، ما كان لها انعكاس على المردودية الاجتماعية للتنمية. وهكذا بدل أن يكون خيار الدولة الاجتماعية خيارا داعما للاستقرار، ومعززا لدولة الحق والقانون ولحقوق المواطنة بما فيها الحق في التنمية، زحف في اتجاه نقيضه، الأمر الذي خلق تناقضا جديدا، فصار التناقض مركبا: تناقض بين هذا المكون المهيمن من داخل الكتلة السائدة والدولة بعدما فرض مصالحه على الدولة نفسها ومؤسساتها ومصالحها الاستراتيجية، وتناقض بينه وبين باقي مكونات هذه الكتلة السائدة، في حين بقيت الكتلة النقيضة، موضوعيا، متوفرة على إمكانيات التقدم، وذاتيا، ظلت فاقدة للتعبيرات السياسية القادرة على التنظيم والتأطير والتعبئة وقيادة الاحتجاج الاجتماعي لحل التناقض بشكل أفضل، مما أدى إلى انفجار احتجاجات اجتماعية من دون قيادة، ولا رؤية سياسية تكتيكية، ولا حتى رؤية سياسية استراتيجية واضحة، لا حول كيفية حسم التناقض سياسيا، ولا حول نموذج الدولة المطلوب، ولا حول آليات الاستقطاب والتنسيق مع باقي مكونات الكتلة السائدة ذات المصلحة في التغيير، لبناء تحالف وطني حقيقي يجيب عن أسئلة الوضعية الراهنة سياسيا، فيضمن الاستقرار من جهة، ويطرح الفرضيات الممكنة للتحول في العلاقة بين النمو المتحقق في المنظومة الاقتصادية الوطنية وأثره على المنظومة الاجتماعية، من جهة ثانية. إنه نمو اقتصادي من دون أثر اجتماعي. وتحول نوعي في تدبير السياسات المالية من دون أثر إيجابي على القدرة الشرائية.

في ضوء هذا التحليل، ونتيجة الوضعية الراهنة لطبيعة التناقض المركب القائم، وطبيعة شرطيه الذاتي والموضوعي، فإن المعركة الانتخابية المقبلة تبقى محسومة لفائدة الكتلة الاجتماعية السائدة، لسبب بسيط، هو أن الكتلة الاجتماعية النقيضة بقيادة الطبقة الوسطى توجد ذاتيا وموضوعيا خارج هذه المعركة، بل فقط على هامشها. والسبب هو أنها بالإضافة إلى كونها لم تستطع بناء تحالف سياسي حقيقي يعكس واقعها وطموحها، ولم تستطع إقامة علاقة جديدة وفعالة مع حلفائها التاريخيين، أي مع باقي مكونات الكتلة الاجتماعية الكادحة، هي أيضا لم تستطع الاستفادة من التناقضات الموضوعية القائمة بين مكونات الكتلة الاجتماعية السائدة، ومن تم، لا هي توسعت كميا ولا نوعيا، لا أفقيا ولا عموديا، بل اضطرت تحت ضغط واقعها الذاتي المتسم بالتشرذم والانقسام الذي تغذيه صراعات ثانوية في أغلبها تدور حول الشرعية التاريخية، والزعامات، والحسابات الشخصية، للتراجع عن دورها الاجتماعي والسياسي معا. ومن ثم خسرت مسبقا معركة الانتخابات قبل أن تدخلها. لماذا؟

لأن الأرقام التي قدمتها المندوبية السامية للتخطيط في الإحصاء الأخير تفيد بأن أكثر من 70 % من الساكنة يتوفرون على حق التصويت، أي أكثر من 25 مليون مواطن هم في وضعية قانونية للمشاركة في المعركة الانتخابية، في حين أن إحصائيات وزارة الداخلية تفيد أن إجمالي المسجلين في اللوائح الانتخابية 15.800.136 ناخبة وناخب. وأن إجمالي عدد المسجلين الجدد خلال الفترة الممتدة من 15 ماي إلى 10 يوليوز2026 الاستثنائية هو 391.000 ناخبة وناخب. وأن الفئة العمرية 18-24 سنة لا تمثل سوى حوالي 3% من مجموع الناخبين المسجلين، وهو مؤشر على استمرار عزوف الشباب عن التسجيل، رغم حملات التحسيس الرسمية والحزبية، ما يعني أن الهيئة الناخبة تميل إلى الشيخوخة نسبيا، وأن التأثير الانتخابي للشباب يبقى محدودا مقارنة بالفئات العمرية المتوسطة والكبيرة. ماذا يعني هذا أيضا؟ في اعتقادي، يعني أن أزيد من عشرة ملايين مواطن فرض على نفسه بنفسه الخروج من المعركة الانتخابية، أي ما يقارب 40 % من الكتلة الناخبة. وأن أغلبهم شباب. كما أن الكتلة الناخبة التي ستكون موضوعا للتعبئة في المعركة الانتخابية المقبلة هي كتلة تقودها للمشاركة في الانتخابات عوامل، تعرف الكتلة الاجتماعية السائدة، عبر تعبيراتها السياسية القائمة، كيف توظفها وتستفيد منها في ترسيخ فعل المشاركة الموجهة من جهة، وفي إعادة تدوير “أصواتها” من جهة ثانية. في مقابل ذلك، تفيد الأرقام أن التعبيرات السياسية التي تدعي أنها تمثل الكتلة الاجتماعية النقيضة تفتقد ذاتيا وموضوعيا إلى ما يجعلها مؤهلة لخوض غمار الانتخابات على أساس الفعل الممكن والمؤثر، وإنما باستثمارها في خطاب الياس والإحباط، بخطاب شعبوي أو عدمي، قد تسهم، بشكل أو بآخر، في جعل الكتلة الناخبة رهن إشارة الأحزاب السياسية التي تعيد إنتاج الوضع القائم، لا تلك التي يمكن أن تستثمر في انتقال نوعي عبر هذه الانتخابات.

إذن كيف يمكن لهذه الانتخابات أن تكون مفيدة للدولة والمجتمع معا، وتحقق نقلة سياسية نوعية تشكل بدورها وعاء لمرحلة جديدة ونوعية، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الطبقة الوسطى التي من المفروض أن تقود الكتلة الاجتماعية النقيضة هي في وضعية هشاشة وتشردم لم تستطع الحسم حتى في شرطها الذاتي، وتفتقر إلى شكلها السياسي الذي يمكن أن تخوض به معركة انتخابية من موقع الفعل لا من موقع الهامش؟ علما بأن الطبقة الوسطى، حتى لو توفر لها الشرط الذاتي (التعبير السياسي)، والشرط الموضوعي (الانتماء الاجتماعي)، فهي طبقة أثبتت التجارب التاريخية أنها تنفتح على الكتلة النقيضة وعينها على الكتلة السائدة لإعادة التموقع في بنية المجتمع. ومع ذلك يمكن أن تلعب دورا تاريخيا في دعم الرأسمال الوطني كمكون من مكونات الكتلة السائدة لإنجاز انتقال نوعي عن طريق دعم الحل السياسي للتناقض القائم داخل هذه الكتلة السائدة نفسها، من خلال تحالف وطني يعزز الانتقال الديموقراطي الأكثر تمثيلية والأكثر وضوحا وانسجاما.

إذا كانت المرحلة القادمة تقتضي بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، كما جاء في الخطاب الملكي “انبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى. فإن رهان الانتخابات المقبلة، في اعتقادي، يكمن فيما يلي:

الاستثمار الجيد للكتلة الناخبة المتوفرة في ترسيخ المشاركة المواطنة لتعزيز الخيار الديموقراطي من طرف الدولة ومن طرف الأحزاب السياسية على حد سواء.

الاستثمار الجيد من طرف الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات في الجدية والمصداقية والثقة عن طريق فرز استراتيجي لمسالة “التزكيات”، وذلك بتحمل المسؤولية، والتحلي بالشجاعة والجرأة وروح المواطنة، والأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المرحلة المقبلة. وهو ما يفرض عليها الانفتاح على الكفاءات والمرشحين المتوفرين على المصداقية والامتداد الجماهيري في مجالات القرب المتوفرين على أرصدة مشجعة من الثقة.

الانخراط في الرؤية السياسية الاستراتيجية من طرف التعبيرات السياسية المتبنية لخطاب الإصلاح الاستراتيجي، وعلى رأسها تلك التي تنتمي إلى منظومة اليسار، من أجل تعزيز حضورها من جهة، كمعارضة، بحكم موقعها في ظل شروطها الذاتية والموضوعية، ومن جهة ثانية، كداعمة للمكونات المؤهلة لقيادة المرحلة المقبلة من داخل الكتلة السائدة حتى تتمكن هذه الأخيرة من حسم التناقض لصالحها.

انخراط الكتلة الناخبة في استراتيجية التفاؤل والأمل في المستقبل عن طريق دعم التعبيرات السياسية الممثلة للكتلة الاجتماعية الكادحة ذات المصلحة في التغيير من جهة، وعن طريق دعم المكونات المؤهلة لقيادة المرحلة المقبلة من داخل الكتلة السائدة للوقوف في وجه المكون الذي هيمن على التجربة الحالية، وقاد البلاد إلى ما هي عليه، بدل الانخراط في استراتيجية اليأس والإحباط التي هي في الحقيقة لن تسهم إلا في تقديم خدمة مجانية لهذا المكون لتعزيز حضوره من جديد في المشهد الانتخابي، ومن تم الاستفادة من جديد من حالة اليأس والإحباط التي انتشرت في صفوف هذه الكتلة، “فمصائب قوم عند قوم فوائد” كما يقول المثل الشعبي.

وعلى هذا الأساس، أعتقد أن الرهان في الانتخابات المقبلة، في ضوء هذه الوضعية، مزدوج، أساسه التوصل إلى أغلبية قوية منسجمة قادرة على حسم التناقض الموضوعي القائم داخل الكتلة السائدة لصالح الرأسمال الوطني المنتج من جهة، والقادر على إعادة بناء الثقة في المستقبل ومواجهة تحديات الواقع الموضوعي، في السياسة كما في الاقتصاد، كما في رهانات العدالة الاجتماعية والمجالية. ثم من جهة ثانية، التوصل إلى معارضة منسجمة قادرة على تجاوز حالة الهشاشة والانقسام الذي تعانيه الكتلة الاجتماعية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق