قل عملة أجنبية ولا تقل عملة صعبة - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم قل عملة أجنبية ولا تقل عملة صعبة - المدينة برس

عملة صعبة.. مصطلح يُعيد إنتاج الصعوبة

في اللغة اليومية للمصريين، يتردد مصطلح عملة صعبة كلما ذُكر الدولار أو اليورو أو الجنيه الإسترليني. يُستخدم المصطلح مجازًا للدلالة على العملات الأجنبية القوية القابلة للتحويل بحرية في الأسواق الدولية. 

غير أن هذه التسمية، رغم شيوعها، تحمل في طياتها إيحاءً سلبيًا عميقًا؛ فهي لا تصف فقط قوة العملة الأجنبية، بل توحي ضمنيًا بضعف العملة المحلية وصعوبة الحصول عليها، وكأن الجنيه المصري في حالة معاناة دائمة أمام نظيراته الأجنبية. 

هذا الإيحاء ليس محايدًا؛ فهو يترك أثرًا نفسيًا واقتصاديًا يعيق، ولو جزئيًا، جهود الترويج للاستثمار وجذب رؤوس الأموال وتعزيز حركة التجارة الدولية.


يرجع أصل مصطلح «Hard Currency» في الاقتصاد الدولي إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة في إطار اتفاقية بريتون وودز عام 1944، حين أصبح الدولار مرتبطًا بالذهب ومرجعًا عالميًا للمعاملات. كانت العملات الصعبة تعني تلك التي تحتفظ بقيمتها ويمكن تحويلها بسهولة دون قيود، في مقابل العملات الرخوة التي تعاني من عدم الاستقرار أو القيود على التحويل.

أما في السياق العربي والمصري، فقد اكتسب المصطلح بُعدًا إضافيًا مرتبطًا بندرة العملات الأجنبية في أوقات الأزمات، حتى أصبح مرادفًا للصعوبة والقسوة في أذهان المواطن والمستثمر على حد سواء.


على مدار خمسة وثلاثين عامًا، من 1990 إلى 2025، شهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري سلسلة من الارتفاعات الحادة التي رسخت هذا الشعور. في مطلع التسعينيات، ومع برامج الإصلاح الاقتصادي المدعومة من صندوق النقد الدولي، ارتفع الدولار من نحو 1.5 جنيه في 1990 إلى حوالي 3.3 جنيه في 1991، ثم استقر نسبيًا حول 3.4 جنيه طوال معظم العقد. 

 

مع بداية الألفية، بدأت موجة جديدة؛ ففي 2003 أدى التعويم المُدار إلى ارتفاع الدولار نحو 6 جنيهات. واستمر التدرج حتى وصل إلى نحو 8.8 جنيه قبيل نوفمبر 2016، حين جاء التعويم الكبير فقفز السعر إلى نحو 18 جنيهًا. 

 

توالت التحركات بعد ذلك: في 2022 ارتفع إلى مستويات 24-25 جنيهًا، ثم تجاوز 30 جنيهًا في مطلع 2023، ليصل مع تعويم مارس 2024 إلى حوالي 49-50 جنيهًا. وبحلول 2025 استقر نسبيًا في نطاق 47-50 جنيهًا، بعد سلسلة من الإجراءات التي أعادت بعض التوازن. هذه المحطات المتتالية جعلت مصطلح العملة الصعبة يبدو وكأنه وصف موضوعي للواقع، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج صورة ذهنية سلبية.


الأثر السلبي لهذا المصطلح يتجاوز الجانب اللغوي. فهو يعطي انطباعًا بأن الحصول على العملة الأجنبية مهمة شاقة، وأن الاقتصاد المحلي في موقف ضعف دائم. هذا الإيحاء يقلل من جاذبية المناخ الاستثماري، ويؤثر على ثقة الشركاء الأجانب، ويُضعف الرسالة التي تسعى الدولة إلى إيصالها حول استقرار السياسات الاقتصادية وقدرتها على الوفاء بالالتزامات. 

في عالم تتنافس فيه الدول على جذب الاستثمارات، يصبح الخطاب اللغوي جزءًا من أدوات الترويج؛ واللغة التي تكرس الصعوبة لا تساعد على بناء صورة إيجابية.


الحل يبدأ بتغيير المصطلحات. بدلًا من عملة صعبة، يمكن استخدام عبارات محايدة ومهنية مثل: العملات الأجنبية الرئيسية، أو العملات القابلة للتحويل، أو العملات الدولية المرجعية، أو العملات الحرة. هذه الصياغات تنقل المعنى الاقتصادي دون أن تحمل دلالات المعاناة أو الضعف.


أما القضاء على الظاهرة ذاتها، فيتطلب خطوات عملية واضحة:
أولًا: تعزيز الاحتياطيات الأجنبية بشكل مستدام من خلال زيادة الصادرات وتحويلات المصريين بالخارج وجذب الاستثمارات المباشرة.
ثانيًا: توحيد سوق الصرف والقضاء على الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، بما يعيد الثقة في الآليات الرسمية.
ثالثًا: تبني سياسة نقدية مستقرة وشفافة تقلل من التقلبات الحادة وتجعل التوقعات أكثر قابلية للتنبؤ.
رابعًا: تنويع مصادر النقد الأجنبي بعيدًا عن الاعتماد المفرط على مصدر واحد، سواء السياحة أو قناة السويس أو الطاقة. خامسًا: تحسين مناخ الأعمال وتقليل البيروقراطية المرتبطة بالمعاملات بالعملة الأجنبية، ليشعر المستثمر بسهولة الحركة لا بصعوبتها.


سادسًا: تبني نظام ربط الجنيه بسلة عملات بدلًا من الارتباط شبه الأحادي بالدولار. يقوم مفهوم سلة العملات على تحديد قيمة العملة المحلية بناءً على متوسط مرجح لمجموعة من العملات الرئيسية (مثل الدولار واليورو واليوان والجنيه الإسترليني)، وفق أوزان تعكس هيكل التجارة الخارجية والاستثمار. هذا النظام يقلل من تأثير تقلبات عملة واحدة، ويوفر مرونة أكبر، ويُظهر الجنيه كعملة مرتبطة بمؤشرات دولية متعددة لا كعملة صعبة أمام دولار واحد.

إن اللغة ليست مجرد أداة وصف؛ إنها تصنع الواقع الذي تصفه. عندما نستبدل العملة الصعبة بمصطلحات أكثر توازنًا، ونربط ذلك بسياسات اقتصادية جادة، نكون قد قطعنا خطوة مهمة نحو بناء صورة ذهنية إيجابية تدعم الاستثمار والتجارة، وتُعيد للجنيه مكانته كعملة وطنية قادرة على المنافسة في عالم مفتوح.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق