عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم عمرو منير دهب يكتب: قلِّدْ وأبدِعْ.. الفصل الثامن والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه" - بوابة المدينة
الإبداع الخالص - بمعنى الخروج بعمل أو فكرة لم يسبق إلى أيٍّ منهما أحدٌ تماماً - يكاد يكون مستحيلاً، أو لعله بالفعل مستحيل. كلّنا نقلّد بدرجة أو أخرى.
في المقابل، وبنفس القياس، يبدو التقليد الحرفي على أي نطاق مستحيلاً، فلا أحد يماثل غيره – حتى توأمه المتطابق – تماماً؛ وإن يكن ذلك لا يقود إلى الاستنتاج بأن كلّاً منّا مبدعٌ بالضرورة؛ فإذا لم يكن ممكناً لأي فرد أن يكون نسخة مطابقة لآخر، فالأرجح أن كل فرد هو مجموع نسخ متفرقة من آخرين، ولا يكون الفرد مبدعاً إلّا بقدر ما تبتعد تلك النسخ عن أن تكون ملتقَطة حرفياً من المصادر التي نقلت عنها سواء قصداً أو عفواً.
في "طريق الحكمة السريع" أن "أول من طرح الفكرة التي أضحت تقليدية هو مبدع بامتياز؛ أول من قلّده هو مبدع لفكرة التقليد. البقية عليهم أن يُسألوا".
بتجاوز صعوبة/استحالة ابتداع فكرة من العدم كما أشرنا، فإن التقليد الأول – بدرجة ما – للفكرة التي لم يعرفها/يعتدْها الناس من قبلُ ينطوي على جرأة تبدو منطوية بدورها على ابتداع تجسّده فكرة السبق إلى اعتناق ما قد أوجِد بالفعل لكنه لا يزال غير رائج، ومن ثم غير مأمون العواقب من حيث القبول أو الرفض، وتلك هي مغامرة محاولات التقليد الأولى لأية فكرة أو عمل، والمغامرة إجمالاً تتضمّن مدى من الإبداع بحسب طبيعتها وحجمها. ماذا إذن عن محاولات التقليد التالية للمحاولات الأولى الناجحة التي ضمنت الرواج وأمّنت من يقوم بها من الفشل واللوم؟
للإجابة على السؤال أعلاه نقفز من "طريق الحكمة السريع" إلى "ألهِمْ" ضمن المجموعة الكاملة "عميق"، فتحت عنوان "إلهام وليس محاكاة" نقرأ الطمْأنة التالية: "لا تنزعج إذا وجدت نفسك قمت بتقليد سلوك أو فعل لشخص آخر. يغدو التقليد مصدراً للقلق بصورة خاصة عندما يتكرر كما لو كان عادة". ذلك بتكثيف شديد مكمن العلّة في التقليد، أنْ يتكرّر حتى يصبح كالعادة فلا يكاد يُرى أحدُهم إلّا مستنسخاً فكرة أو عملاً من غيره في كل ما يعتنقه أو يقوم به.
هل تعني الأصالة إذن الإبداع؟ ربما نعم، حتى إذا اقتصرت أصالتك على أن تكون نفسك، أن تجد لذاتك طريقها الخاص في الحياة دون الانشغال بما إذا كان ذلك الطريق قد سلكه أيٌّ من الناس قبلك أم لا، فهوس الخوف من الوقوع في التقليد ينمّ عن ثقة متدنّية، والأصالة ثقة رفيعة لا تنشغل بالمقارنة، والإبداع كذلك ثقة رفيعة في القدرة على الإتيان بالجديد، لكنها ثقة تنطوي على الشك في كل المسلّمات وإن انشغلت بالمقارنات للتأكّد من صحّة تحقّقها، فالإبداع لا يُسمَّى كذلك إلّا بعد اجتيازه اختبارات تلافي النقل عمّا سبق في بابه.
وفي "ألهِمْ" ضمن "عميق" أيضاً أنّ "التقليد يشبه نسخ ورقة دون فهم محتواها، في حين أن الإلهام عملية أكثر تعقيداً أقرب شبهاً بقراءة بحث واستيعاب محتواه وتأمّل كيفية الاستفادة منه"، أي أن "التقليد يكاد يكون عملية ميكانيكية" في حين أن "الإلهام إبداع يتضمن بُعداً روحياً عميقاً". بذلك، فإن الإبداع يتحقّق بالإلهام لا بالتقليد، وبذلك فإن الإبداع ليس هو نقيض التقليد بقدر ما يبدو التقليد كما لو كان وسيلة ناقصة لبلوغ الإبداع، أو – للدقة – وسيلة مدمّرة تحول دون بلوغ الإبداع.
نتحدّث أعلاه عن التقليد الحرفي، أمّا التقليد بوصفه نقطة انطلاق – لا وسيلة دائمة – للمران على الابتداع فيبدو كما أشرنا مسألة لا مناص منها، فلا أحد يولد مبدعاً منذ بداياته على أيّ طريق، ومهما يُولدْ الفرد عملاقاً في مجاله تبدُ محاولاته الأولى – وربما الثانية والثالثة أيضاً – في الغالب بوصفها أشكالاً مقلّدة واعدة للإبداع؛ بل إن المحاولات الأولى لكثير من المبدعين لا تشي بأية إمارات على مستقبلهم الواعد في عوالم الإبداع، حتى إن الإبداع يبدو كما لو أنه يطفر فجأة على مسيرتهم عند منعطف بعينه بعد محاولات/أعمال إن لم تكن تقليداً واضحاً فليس ثمة ما كان يبشِّر في غضونها بجديد قادم بيِّن الاختلاف.
يُولد الإبداع إذن من رحم التقليد بدرجة أو أخرى، فإذا لم يكن في وسعك/قدَرك أن تكون مبدعاً أصيلاً فليس ثمة مانع من أن تكون مقلّداً مبدعاً يحاول أن يخرج من النقل الحرفي إلى التحريف الخلّاق ضمن الأثر المقتفى بأية درجة من الدرجات وأي شكل من الأشكال. أنت آخر المطاف – شئت أم أبيت - نسيج وحدك، فإذا لم يكن أمامك بدٌّ من التقليد لا تجعل ذلك النسيج فريداً بنسخه ومسخه وإنما باختلافه الملهم في إطار الصورة المكتملة من أجزائها المقتبسة عن الآخرين.



0 تعليق