بنكيران - أزولاي - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم بنكيران - أزولاي - بوابة المدينة برس

بنكيران - أزولاي
يوسف الريحانيالسبت 18 يوليوز 2026 - 08:41

(جوهر الدين تربية على التسامح) كلود ليفيناس

(لأن أفق السياسة هو التمرن على السلم الاجتماعي بكافة تمظهراته، فإن السياسة ستظل مرتبطة بالتسامح) عبد الكبير الخطيبي

ليس التسامح قيمة أخلاقية فقط، بل هو نتاج الوعي الليبرالي ومرتكز رئيس لبناء الدولة الحديثة. لكن هل يستند الإسلام السياسي على المنظور نفسه في بلورة تصوره الخاص للسياسة ؟ هجمة رئيس الحكومة السابق السيد بنكيران على مستشارين ساميين من المفروض أنهم بمنأى عن حملات التسابق الانتخابي ومنزهين عن معارك التدافع بين الأحزاب؛ مدعمة لمثل هذا التطير الإسلاموي من كل قيم التسامح والعيش المشترك. ولكي نفهم طبيعة هذا الربط يكفي أن نطرح السؤال التالي:

من هي الشخصية التي كانت تستهدفها سهام أمين عام حزب العدالة والتنمية ؟

مسرح الحدث يوحي بالقصدية كما يشير بوضوح إلى اسم السيد أندري أزولاي دون سواه؛ وإن سيق بأسماء أخرى تصريحا أو تضمينا فذاك من أجل التعمية أو لتصفية أحقاد مجانية؛ مع التوكيد بأن الإساءة اللفظية التي تعمد صوت العدالة والتنمية أن يؤثثها بقهقهات صاخبة؛ إنما خلقت جوا ملهاويا انتقص من قيمة صاحبها قبل غيره. النعت القدحي الموجه تصريحا للسيد أندري أزولاي اعتبارا لكونه صدر جهارا من قلب الصويرة حاضنة العيش المشترك (وللمكان هنا دلالته) تكشف بلا مواربة عن الرؤية الإسلاموية الضيقة للسياسة؛ وعلاقة ما تبقى من الإخوان الملتبسة بقيم التسامح التي هي مرجعية وجوهرية في بناء المجتمع المدني المعاصر. يرفع الإخواني شعار التسامح مع المختلف عقائديا لكن عند حالة الوهن والضعف، فيكون شعاره فعل تنازل وليس صادرا عن مسؤولية أخلاقية. والمحصلة أن جوهر الإسلاموية لا يتغير: كراهية التنوع الثقافي وعدم استيعابه كمكون من مكونات تمغربيت.

لا شيء في خطاب العدالة والتنمية خارج هذه الأصولية الإسلاموية التي تعيد إنتاج نفسها باستمرار في كل خرجات أمينها العام؛ بحيث تجنح إلى تقييد السياسة فكرا وممارسة بحدود لا يزال يتصورها الحزب شرعية؛ بينما المطلوب في أية نزعة إصلاحية القدرة على موائمة السياسة مع قيم الحداثة؛ فهذا وحده ما يمنح المعتقدات قدرة على مجاراة التغيرات المجتمعية.

إن ما يجعل من المملكة المغربية الشريفة بلدا استثنائيا بامتياز؛ هو أن التسامح قيمة اجتماعية متأصلة في الموروث المكتسب لتمغربيت. فعندما زار الرسام الهولندي الشهير أدريان ماثام Andriaen Patham الصويرة في سنة 1640م؛ سجل بدهشة كبيرة العدد الهائل من ساكنة المدينة من اليهود المغاربة الذين كانوا يمارسون التجارة في مرفأ المدينة مع إخوانهم المسلمين. كانت الصويرة ولا تزال فضاء مدهشا للعيش المشترك، وكان التسامح فيها قوة تداولية حتى قبل عصر الأنوار وشيوع مفاهيم الدولة المدنية. والوثائق التي تركها هذا الرسام العظيم الذي خلد قصر البديع في أقدم لوحة رسمت ببلادنا باسم: (القصر العظيم- المملكة المغربية 1640) تؤكد بما لا يدع مجالا للشك وضعية المملكة الشريفة كنموذج عالمي للتعايش والتسامح منذ القدم؛ قبل أن يحول العالم هذه القيم النبيلة إلى تقييد اجتماعي وقانون ملزم.

إن مشكلة الإسلام السياسي أنه لا يكل من الارتياب في كل ما يشتم فيه رائحة التنوع الثقافي، بل والتهجم عليه بحماسة ودأب، تكشفان في العمق عن الاحتراز تجاه كل ما يؤسس للهوية بالمتعدد؛ ولأن الإعلاء من قيمة المواطنة التي هي شرط لبناء الدولة الحديثة لا يمكن أن ينبني على انغلاق الذات واختزال الهوية في المفرد؛ فإن مثل هجمة السيد بنكيران على مستشار ملكي محترم توج مؤخرا بجائزة “بطرس بطرس غالي للسلام” لسنة 2026، تقديراً لمساره الطويل في خدمة الحوار بين الثقافات، ونشر قيم التعايش والتقارب بين الشعوب، والأهم دوره في إبراز الذاكرة اليهودية المغربية؛ هو أمر مستهجن تجاه شخصية وطنية من المفروض أن تحظى بالتوقير الواجب للشخصيات المحيطة بجلالة الملك أولا؛ ولما قدمته من خدمات جليلة في سبيل حفظ الذاكرة الوطنية وإبراز العمق اليهودي الأصيل للثقافة المغربية والتعريف بمكوناتها المتنوعة ثانيا؛ ثم لإسهامها الجاد والمسؤول في تطوير مدينة الصويرة – موكادور وتحويلها – تنفيذا للسياسة الملكية الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله- إلى ملاذ للتنوع والعيش المشترك؛ ووجهة عالمية للحوار بين الثقافات الثلاث.

ومع ذلك، فمثل هذه اللغة الخشنة تكشف بالملموس بأن الحزب الإسلاموي تيار مهزوم أمام التطور وإن أبى الإقرار بهزيمته. والدليل قاعة اللقاء التواصلي التي قاطعتها ساكنة الصويرة.

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

اشترك

يرجى التحقق من البريد الإلكتروني

لإتمام عملية الاشتراك .. اتبع الخطوات المذكورة في البريد الإلكتروني لتأكيد الاشتراك.

لا يمكن إضافة هذا البريد الإلكتروني إلى هذه القائمة. الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني مختلف.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق