د. باسم عادل يكتب: أسرار رحلة نجيب ساويرس.. قصة الرجل الذي قرأ المستقبل فسبق العالم بخطوة.. وهذه تفاصيل أخطر مغامرة استثمارية له في كوريا الشمالية (1 - 2) - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم د. باسم عادل يكتب: أسرار رحلة نجيب ساويرس.. قصة الرجل الذي قرأ المستقبل فسبق العالم بخطوة.. وهذه تفاصيل أخطر مغامرة استثمارية له في كوريا الشمالية (1 - 2) - المدينة برس

لم يسبق لي أن أعرف المهندس نجيب ساويرس معرفةً شخصية، ولم أجلس إليه يومًا في مجلس، ولم تجمعني به مائدة، ولم أصافحه في مناسبة، ولم أتبادل معه حديثًا عابرًا، ولم أطرق بابه طالبًا منفعة، ولم يطرق بابي طالبًا رأيًا، ولا تربطني به صداقة، ولا تجمعني به شراكة، ولا يدفعني إلى الكتابة عنه دينُ مودة، ولا يحملني عليها خصام.

وربما كانت هذه المسافة بين الكاتب ومن يكتب عنه هي أجمل ما في الأمر؛ لأنها تترك للعقل حريته، وللقلم نزاهته، فلا يكتب بلسان المجاملة، ولا بمرارة الخصومة، وإنما يكتب بعين الباحث الذي يرى في بعض الرجال ظواهر تستحق التأمل، حتى وإن اختلف معهم في بعض الرؤى أو المواقف.

ولقد تعلمت، بعد سنوات طويلة من القراءة، أن الأمم لا تُقاس فقط بما أنجبته من قادة وسياسيين وعلماء وأدباء، وإنما تُقاس أيضًا بما أنجبته من رجال استطاعوا أن يحولوا فكرة صغيرة إلى مؤسسة، ومؤسسة إلى إمبراطورية، وإمبراطورية إلى مدرسة في الإدارة وصناعة القرار، ولهذا فإن الدول الكبرى لا تكتفي بتسجيل أسماء رجال الأعمال في قوائم الأثرياء، وإنما تجعل من تجاربهم مناهج تُدرَّس في الجامعات، لأن الثروة ليست مجرد أموال، وإنما طريقة تفكير، ومنهج في قراءة المستقبل، وقدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون.

المهندس نجيب ساويرس، موقع مولانا
المهندس نجيب ساويرس، موقع مولانا

ولعل أكبر خطأ نقع فيه، نحن أبناء هذه المنطقة، أننا نتعامل مع رجل الأعمال بعاطفة لا بعقل، فإن أحببناه جعلناه بطلًا لا يخطئ، وإن اختلفنا معه جعلناه متهمًا في كل شيء، أما القراءة المنصفة فتقتضي أن نفصل بين الإنسان وتجربته، وبين الرأي الذي قد نتفق أو نختلف معه، وبين الإنجاز الذي لا يجوز إنكاره، ومن هذا الباب أكتب عن نجيب ساويرس.

ولعل القارئ يتساءل: لماذا أكتب عن نجيب ساويرس الآن؟.. والإجابة ببساطة: لا لأنني أتبنى كل آرائه، ولا لأنني أتوافق معه في كل مواقفه، وإنما لأنني أرى في رحلته الاقتصادية واحدة من أكثر الرحلات المصرية جرأة خلال العقود الأخيرة.

وخلال الفترة الأخيرة، وجدت نفسي أعود إلى مراجعة رحلته العملية بتأنٍ، لا بدافع الفضول، وإنما بدافع البحث عن تجربة مصرية تستحق أن تُقرأ بعين الباحث لا بعين المنبهر أو الخصم، قرأت عن بداياته، وتأملت انتقالاته بين القطاعات، وتتبعت مغامراته الاستثمارية في أصعب أسواق العالم، فوجدت أمامي مسيرة لا تخلو من نجاحات لافتة، ولا من تحديات جسيمة، ولا من إخفاقات دفعت ثمن الجرأة قبل أن تمنح صاحبها ثمارها.

ولم أكتفِ بقراءة سيرته الاقتصادية، بل تابعت حضوره على منصة «إكس»، حيث وجدت رجلًا يقول ما يعتقده بصراحة، قد يصيب وقد يخطئ، لكنه لا يختبئ خلف العبارات المائعة، ولا يلوذ بالصمت خوفًا من ردود الأفعال، والأكثر إثارة للتأمل أن كثيرًا من الردود التي تُوجَّه إليه لا تمت بصلة إلى أدب الحوار، بل تنحدر أحيانًا إلى مستويات مؤسفة من التجريح والإساءة الشخصية، ومع ذلك لم أره يغلق حسابه، أو يهرب من المنصة، أو ينحدر في الرد إلى اللغة نفسها، وكأنه يؤمن، بحق أو باجتهاد، أن من اختار أن يتحدث إلى الناس علنًا، فعليه أن يتحمل أيضًا ضريبة آرائه ومواقفه، وأن يدفع ثمنها بصبر واتزان، وهذه، في تقديري، ليست مجرد سمة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بل ملمح من ملامح الشخصية التي تقبل كلفة التعبير عن الرأي، مهما كان حجم الاتفاق أو الاختلاف معها.

ولد الرجل وفي يده مفتاح بيت ثري، نعم، لكنه لم يولد وفي يده مفاتيح النجاح، وهذه حقيقة يغفل عنها كثيرون، فالميراث قد يمنح الإنسان رأس المال، لكنه لا يمنحه الرؤية، ولا يمنحه الجرأة، ولا يمنحه القدرة على اتخاذ القرار حين يتردد الجميع، والتاريخ الاقتصادي مليء بأبناء أثرياء ضاعت ثرواتهم لأنهم ورثوا المال ولم يرثوا القدرة على تنميته، كما أنه مليء برجال بدأوا من الصفر وصنعوا إمبراطوريات، لذلك فإن اختزال تجربة نجيب ساويرس في كونه ابن المهندس أنسي ساويرس ظلم للرجل قبل أن يكون ظلمًا للحقيقة.

رجل الأعمال الراحل أنسي ساويرس عميد عائلة ساويرس، موقع مولانا
رجل الأعمال الراحل أنسي ساويرس عميد عائلة ساويرس، موقع مولانا

لقد كان أنسي ساويرس أحد بناة الاقتصاد المصري الحديث، وأسس مجموعة أوراسكوم التي أصبحت اسمًا عالميًا في المقاولات والإنشاءات، غير أن الابن لم يكتف بالسير في الطريق ذاته، بل اختار طريقًا لم يكن واضحًا لأحد في ذلك الوقت، ففي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، بينما كانت أعين المستثمرين تتجه إلى الأسمنت والحديد والعقارات، كانت عين نجيب ساويرس تتطلع إلى قطاع آخر، قطاع لم يكن قد انفجر بعد، لكنه كان يحمل في داخله ملامح ثورة عالمية قادمة، هو قطاع الاتصالات، فأنشأ قطاعا للتكنولوجيا والاتصالات في مجموعه والده، وتوسع هذا القطاع لاحقا ليضم وكالات عالمية وشركات متخصصة في خدمات الإنترنت والاتصالات.

كانت تلك السنوات هي اللحظة التي بدأ فيها الهاتف المحمول يخرج من كونه جهازًا فاخرًا يحمله رجال الأعمال إلى وسيلة اتصال ستدخل كل بيت، وكل يد، وكل جيب، ولم يكن هذا واضحًا للجميع، لكن ساويرس قرأ المستقبل قبل أن يصل، وهي ميزة لا يمتلكها إلا قلة من المستثمرين، فالمستثمر العادي يرى السوق كما هي، أما المستثمر الاستثنائي فيرى السوق كما ستكون بعد عشر سنوات.

ومن هنا بدأت أوراسكوم تيليكوم رحلتها، لم تبدأ عملاقة، ولم تكن تنافس شركات العالم الكبرى، لكنها كانت تمتلك شيئًا أخطر من رأس المال، وهو الجرأة على دخول الأسواق التي يخشاها الآخرون، ولهذا لم يكن اهتمامها مُنصبًا على أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة، حيث المنافسة شرسة والأسواق مشبعة، وإنما اتجهت إلى الدول النامية، وإلى الأسواق التي كان العالم ينظر إليها باعتبارها مناطق عالية المخاطر. وهناك بدأت الحكاية الحقيقية.

دخلت الجزائر، ثم تونس، ثم باكستان، ثم بنجلاديش، ثم العراق بعد الحرب، ودخلت دولًا إفريقية كثيرة، حتى أصبحت أوراسكوم خلال سنوات قليلة واحدة من أكبر شركات الاتصالات العاملة في الأسواق الناشئة في العالم، وكان سر النجاح بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره؛ إذ كان ساويرس يردد في أكثر من لقاء أن السوق التي يخشاها الجميع قد تكون هي السوق التي تصنع الثروة الحقيقية، لأن المنافسة فيها أقل، والفرصة فيها أكبر، إذا امتلك المستثمر القدرة على فهمها والصبر عليها.

وهنا بدأت ألاحظ شيئًا لافتًا في شخصية الرجل، فهو لا يبدو من النوع الذي يبحث عن النجاح السهل، بل يكاد ينجذب إلى التحديات كما ينجذب البحَار إلى البحر الهائج، فكلما ازدادت المخاطر، ازداد فضوله، وكلما أغلق العالم بابًا، حاول هو أن يعرف ما الذي يوجد خلفه، وربما لهذا السبب لم تكن مغامرته الكبرى في كوريا الشمالية حادثًا عارضًا في سيرته، بل كانت نتيجة طبيعية لطريقة تفكيره.

فإذا كانت الشركات العالمية تتنافس على نيويورك ولندن وباريس وطوكيو، فإن نجيب ساويرس كان ينظر إلى بيونج يانج؛ المدينة التي لم يكن كثير من رجال الأعمال يجرؤون حتى على التفكير في الاستثمار فيها، ولم يكن ذلك حبًا في المغامرة من أجل المغامرة، وإنما لأن الرجل كان يرى أن السوق البكر، مهما كانت صعبة، قد تكون أثمن من سوق مزدحمة بعشرات المنافسين.

وهكذا بدأ يطرق الباب الذي لم يطرقه إلا قلة قليلة من رجال الأعمال في العالم، غير مدرك أن هذه المغامرة ستمنحه مكانًا فريدًا في تاريخ الاستثمار العالمي، وستجعله يجلس وجهًا لوجه مع أكثر الأنظمة السياسية انغلاقًا على وجه الأرض، في تجربة لا تزال حتى اليوم تُدرَّس باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الاستثمارية جرأة في القرن الحادي والعشرين.

لم تكن كوريا الشمالية بالنسبة إلى نجيب ساويرس مجرد نقطة جديدة على خريطة استثماراته، وإنما كانت اختبارًا لفلسفة آمن بها طوال حياته؛ وهي أن العالم لا ينقسم إلى أسواق جيدة وأسواق سيئة، وإنما إلى أسواق يفهمها الجميع، وأسواق لا يفهمها إلا القليل، أما المستثمر الذي يسير دائمًا خلف الآخرين، فلن يصل أبدًا إلا إلى ما وصلوا إليه، بينما الذي يجرؤ على الذهاب أولًا، فقد يخسر كثيرًا، لكنه إذا نجح ربح ما لا يستطيع الآخرون اللحاق به.

كان العالم ينظر إلى كوريا الشمالية بوصفها أكثر دول الأرض انغلاقًا، دولة لا يعرف المستثمر فيها كيف تُتخذ القرارات، ولا كيف تُصاغ القوانين، ولا كيف تتحرك الأموال، ولا كيف تُحل النزاعات التجارية، دولة تكاد تكون معزولة عن النظام المالي العالمي، وتخضع لعقوبات سياسية واقتصادية، ويحيط بها من الغموض أكثر مما يحيط بأي سوق أخرى، ولهذا لم يكن غريبًا أن يتجنبها المستثمرون، وأن يعتبر كثير منهم مجرد التفكير فيها نوعًا من المغامرة غير المحسوبة.

أما نجيب ساويرس، فقد قرأ المشهد بطريقة أخرى، ولم ينظر إلى ما تملكه الدولة، وإنما إلى ما ينقصها، ورأى أن عشرات الملايين من البشر يعيشون بعيدًا عن الثورة الرقمية التي اجتاحت العالم، وأن الاتصالات ليست ترفًا، بل لغة العصر، وأن الدولة، مهما كانت طبيعة نظامها، ستحتاج في النهاية إلى بنية تحتية حديثة للاتصالات، ومن هنا بدأت المفاوضات التي انتهت بحصول أوراسكوم على ترخيص إنشاء وتشغيل أول شبكة للهاتف المحمول من الجيل الثالث في كوريا الشمالية، من خلال شركة «كوريولينك»، في خطوة أدهشت الدوائر الاقتصادية العالمية لأنها بدت أقرب إلى المستحيل منها إلى المشروع التجاري.

لم تكن المغامرة مجرد توقيع عقد، بل كانت دخولًا إلى عالم لا يشبه شيئًا آخر، وكان على الشركة أن تبني الشبكات، وتنشئ المحطات، وتدرب الكوادر، وتتعامل مع منظومة إدارية وسياسية تختلف جذريًا عن كل ما عرفته من قبل، وكان على المستثمر المصري أن يتعامل مع ثقافة مغلقة، ومع نظام شديد المركزية، وأن ينجح في بناء علاقة ثقة مع دولة لا تمنح ثقتها بسهولة.

وخلال تلك السنوات، التقى نجيب ساويرس بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ، في لقاءات أصبحت من النوادر في عالم الاقتصاد، لأن قليلًا جدًا من رجال الأعمال في العالم أتيحت لهم فرصة الجلوس مع قائد كوريا الشمالية لمناقشة مشروع اقتصادي بهذا الحجم، ولم يكن ذلك اللقاء بروتوكولًا عابرًا، بل كان انعكاسًا للأهمية التي اكتسبها المشروع بالنسبة للدولة الكورية، التي رأت في الاتصالات الحديثة نافذة ضرورية على المستقبل، وإن بقيت تلك النافذة محكومة بضوابطها الخاصة.

زعيم كوريا الشمالية كيم جونج، موقع مولانا 
زعيم كوريا الشمالية كيم جونج، موقع مولانا 

ولم يتوقف المشروع عند شبكة الاتصالات وحدها، ففي الوقت الذي كانت فيه شركة أوراسكوم تبني شبكة المحمول، شاركت مجموعة أوراسكوم للإنشاءات في إعادة إحياء واحد من أكثر المباني إثارة للجدل في العالم، وهو برج «ريوغيونج»، الذي اشتهر في الصحافة العالمية باسم «فندق الموت»، ذلك المبنى العملاق الذي بدأ تشييده في ثمانينيات القرن الماضي، ثم توقف سنوات طويلة، حتى تحول إلى رمز للفشل الاقتصادي الكوري.

فقد بدأ العمل في البرج عام 1987 برعاية الزعيم الكوري الشمالي "كيم إل سونج" بهدف تنشيط السياحة وضم كازينوهات ومطاعم دوارة، بعد وصول المبنى إلى ارتفاعه الكامل في 105 طوابق في عام 1992، توقفت أعمال البناء والتشطيبات الداخلية تمامًا إثر الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ضربت البلاد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وظل المبنى عبارة عن هيكل خرساني بلا نوافذ لأكثر من 16 عامًا، مما أكسبه لقب “فندق الموت”، وفي عام 2011، تم الانتهاء من تركيب الواجهة الزجاجية الخارجية بتمويل من شركة أوراسكوم المصرية، ورغم اكتمال مظهره الخارجي، إلا أن المبنى غير مكتمل من الداخل ولا يستضيف أي نزلاء، ويُستخدم في الوقت الحالي كشاشة LED عملاقة لعرض الإعلانات والمقاطع الدعائية الوطنية في أفق المدينة.

وهنا يكمن ما يستحق التأمل، فالرجل لم يذهب إلى كوريا الشمالية ليبيع أجهزة هاتف، أو ليوقع عقدًا سريعًا ثم يعود، وإنما دخل إلى مشروع يشارك في إعادة تشكيل جزء من البنية التحتية لدولة كاملة... لقد كان يدرك أن الاستثمار الحقيقي ليس بيع سلعة، وإنما بناء مؤسسة، وأن القيمة الكبرى ليست في الأرباح السريعة، بل في القدرة على تأسيس وجود طويل الأمد.

لكن الأسواق الصعبة لا تمنح نجاحها بلا ثمن، فمع تشديد العقوبات الدولية، وتعقّد الأوضاع السياسية، بدأت المشكلات تظهر تباعًا، وحققت «كوريولينك» نجاحًا تجاريًا لافتًا، وارتفع عدد المشتركين إلى ملايين المستخدمين، إلا أن تحويل الأرباح إلى خارج كوريا الشمالية أصبح شبه مستحيل، بسبب القيود المالية والعقوبات الدولية، ثم أنشأت الدولة لاحقًا مشغلًا آخر للاتصالات، لتدخل المنافسة إلى السوق، وتتعقد الأوضاع أكثر فأكثر.

وهنا ظهرت واحدة من أهم الحقائق في عالم الاستثمار؛ وهي أن النجاح التجاري وحده لا يكفي، فقد تمتلك شركة أفضل خدمة، وأكبر عدد من العملاء، وأقوى حضور في السوق، ثم تجد نفسها عاجزة عن التصرف في أرباحها بسبب ظروف سياسية لا تملك تغييرها، ولهذا أصبحت تجربة كوريا الشمالية تُدرَّس في بعض الأوساط الاقتصادية باعتبارها مثالًا على التداخل المعقد بين السياسة والاقتصاد، وعلى أن المستثمر قد يصيب في قراءة السوق، لكنه لا يستطيع دائمًا التحكم في البيئة السياسية التي يعمل داخلها.

فندق الموت في كوريا الشمالية بعد تطويره، موقع مولانا
فندق الموت في كوريا الشمالية بعد تطويره، موقع مولانا

ومع ذلك، فإنني لا أرى أن تلك التجربة كانت نكسة كما يصورها البعض، لأن الفشل الحقيقي هو ألا يجرؤ الإنسان على المحاولة أصلًا، أما أن تدخل أكثر أسواق العالم تعقيدًا، وتؤسس أول شبكة اتصالات حديثة فيها، وتترك بصمة معمارية في واحد من أشهر مبانيها، ثم تواجه ظروفًا دولية خارجة عن إرادتك، فذلك ليس هزيمة، بل درس من أثمن الدروس التي يمكن أن يتعلمها أي مستثمر، لذلك لم ييأس نجيب ساويرس، وحاولت الحكومة الكورية الشمالية تحويل الأرباح بالعملة المحلية وفقًا لسعر الصرف في السوق السوداء بدلًا من السعر الرسمي، مما تسبب في تقلص قيمة المكاسب بشكل حاد بالنسبة لشركة "أوراسكوم" (الشركة الأم).

وسعى ساويرس للتوصل إلى تسويات، وعَول لفترة على محادثات السلام ورفع العقوبات، إلا أن قيودًا كبيرة ظلت قائمة، ولم تتمكن المجموعة من تسييل وتحويل معظم تلك الأموال المحتجزة بحرية إلى خارج البلاد والتي بلغت نحو 500 مليون دولار، وفي بيانات أخرى تصل إلى مليار دولار.

ولعل أجمل ما في هذه القصة أنها تكشف أن الثروة ليست مجرد أرقام في البنوك، وإنما استعداد دائم للسير في الطرق التي لا يجرؤ الآخرون على السير فيها، ولو أن نجيب ساويرس كان يبحث فقط عن الربح المضمون، لما غادر الأسواق المريحة، ولما خاطر باسمه وماله في دولة كان كثير من الخبراء يعتقدون أن الاستثمار فيها أقرب إلى المستحيل، لكن الرجال الذين يغيرون التاريخ الاقتصادي لا يفكرون بالطريقة التي يفكر بها الجميع، ولهذا يسبقون الجميع أحيانًا، ويتحملون وحدهم ثمن السبق أحيانًا أخرى.
 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق