صَاحبُ "البَاكُور الهَنْدي" - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم صَاحبُ "البَاكُور الهَنْدي" - بوابة المدينة برس

حين بلغَتْ سَمْعِي كلمةُ “الباكور الهندي”، نسيتُ كلام صاحبها، وضاع مني أوّل الخطاب وآخره، واستبدّت بي الثّمرة وحدها حتى خُيّل إليّ أنها جلست مكانه، ورفعت سبّابتها، وشرعت تخطبُ في المجتمع والسّياسة وأحوال الناس.

ظل الرجل يحرّك شفتيه، وتتناثر من فمه عبارات ضخمة عن الوطن والوعي والمستقبل، غير أنني لم أعد أرى أمامي إلا باكورًا هنديًا متأنقًا في هيئة رجلٍ يخالُ نفسهُ يعتلي منبر الحكمة، ويقيس مصائر الشعوب بدرجة نضجه، ويفسّر أزمات العصر بسَمَاكَة قِشرته، ويعِدُ الحَاضرين بالخَلاص متى أحسنُوا فهْم مَوسمه.

عندها أدركتُ أن بعض الكلمات تقتحمُ الخطابَ لتفضحَ صاحبَهُ، وأن “الباكور الهندي” لم يكن تفصيلًا عابرًا في خطابه، كان الفكرة الوحيدة التي حاول الرّجل عبثًا أن يخفِيَ حولها فراغًا واسعًا من الكلام.

منبرٌ، وخطيبٌ، وسلّةُ باكور

ما إن يجلس صاحبنا أمام الناس حتى يُخرج “الباكور الهندي” من جَيْبِه الخِطابي، وينفض عنه غبار الصمت، ثم يضعه على مائدة الكلام كأنما يقدّم مشروعًا لإنقاذ الأمة.

لا يعرف أحد سرّ هذا الولع العجيب، ولا يدري الناس كيف تحوّلت ثمرة بريئة إلى نظرية سياسية، ومنهج اجتماعي، ومفتاح لفهم الاقتصاد، وأداة لتحليل أخلاق المواطنين. الرجل لا يتحدث عن شيء إلا جرّ إليه “الباكور الهندي” من عنقه، ثم أجلسه في صدر المجلس، وطلب من الحاضرين أن ينظروا إليه بخُشوع.

يسألونه عن البطالة، فيعتدلُ في جلسته ويقول: “المشكلة تشبه الباكور الهندي”. ينتظر الناس التفسير، فيفركُ ذقنه، ويضيّق عينيه، ثم يشرح أن الباكور يحتاج إلى من يعرف متى يقطفه. لا يفهم أحد ما علاقة الشاب العاطل بالثّمرة، غير أن صاحبنا يوَاصل حديثَه بثقة الخبير الذي اكتشفَ قانونًا اقتصاديًا جديدًا.

يحدّثهم عن النضج، والموسم، والشجرة، واليد التي تقطف، والسّوق الذي يبيع، ثم ينهي كلامه من حيث بدأ، تاركًا البطالة في مكانها و”الباكور الهندي” في جيْبه.

ويسألونه عن التعليم، فيطرق رأسه لحظة، كأنما يستدعي من ذاكرته خلاصة تجارب الأمم، ثم يقول: “المدرسة التي لا تعرف قيمة “الباكور الهندي” لا تصنعُ أجْيالًا”.

يهزُّ بعضُ الحاضرين رؤُوسهَم خشية أن يتَّهمهم بالجَهْل الحضاري، ويبدأ هو في الحديث عن الطّفل الذي يرى الباكور ولا يسأل عن أصْله، وعن الأستاذ الذي يشرح النَّحْوَ ولا يشرحُ موْسم القِطاف، وعن الكتاب المدرسي الذي يذكُر القمح والزَّيتون ويتجاهلُ هذه الثَّمرة العَظيمة.

خلال دقائق قليلة، يتحوّل “الباكور الهندي” إلى مادَّة إجْبارية، ويتحوَّل الرّجل إلى مُصلح تربوي، ويتحوَّل السَّامعون إلى تلاميذ ينتظرون الجَرس.

أما حين يتحدث عن السّياسة، فإن “الباكور الهندي” يرتقي إلى مرتبة الدُّستور.

يُقسِّم الناس إلى من يفهم الباكور ومن يُعاديه، وإلى من يراه من زاوية وطنية ومن ينظر إليه بعين مُستوردة.

يطالب المسؤولين بوضع استراتيجية وطنية “للباكور الهندي”، ويقترح عقد مناظرة كبرى حوْله، وتأسيس مجلس أعلى لحماية رمزيته، وإنشاء مَرصد يتابعُ حُضوره في الخطاب العمومي.

ثم يحذر من “الاستعمال الشعبوي للباكور”، مع أنه لا يستعمل في حياته شيئًا غيره.

“الباكور الهندي” بين السِّياسة والثّرثرة

في اللقاءات العامة، يحمِّلُ صاحبنا “الباكور الهندي” كل القضايا الثقيلة.

يتحدَّث عن الفقر فيقول إن الفقير يعرف قيمة الثَّمرة أكثر من الغنيّ.

يتحدث عن الغني فيقول إن المال أفسد علاقته بالباكور.

يتحدث عن المدينة فيتَّهمُها بأنها قطعت صلتها بالمواسم.

يتحدث عن القرية فيمدحها لأنها ما زالت تحفظ للباكور مكانته.

يتحدث عن المرأة فيجعلها حارسة أسراره، ويتحدث عن الرجل فيجعله مسؤولًا عن ضياع هيْبته، ويتحدث عن الشباب فيلومُهم لأنهم يلتقطون الصُّور ولا يتأمَّلون الثّمار.

لا ينجو أحدٌ من محكمة “الباكور الهندي”، ولا يحصلُ أحدٌ على البراءة إلا إذا صفَّق في الوقت المناسب.

صاحبنا لا يحتاج إلى معلومات، “فالباكور الهندي” يعفيه من القراءة.

لا يحتاج إلى أرْقام، لأن الثَّمرة عندهُ أصدقُ من الإحْصاءات.

لا يحتاجُ إلى برنامج سيَاسي، لأن موسمَ القطاف يوفِّر له برنامجًا كاملًا.

لا يحتاجُ إلى موقف واضح، لأن البَاكور يسمحُ له أن يقول كلّ شيء ولا يقول شيئًا.

يمدحُ السلطة إذا رأى أمامه صاحب منصب، فيصفها بالشجرة التي تحمي الثمر.

يهاجمها إذا جلس مع الغاضبين، فيصفها باليد التي تحتكر القِطاف. وإذا جمعه المجلس بالطرفين، تحدث عن “التوازن الدقيق بين الشجرة واليد والثمرة”، ثم نظرَ حولْه مُنتظرًا الإعْجاب.

ومع مرور الوقت، صار النّاس يعرفونَ خطابه قبل أن يبدأ.

ما إن يسعل حتى يتوَقَّعوا الباكور.

ما إن يرفع سبابته حتى يستعدُّوا لموسم القطاف.

المشكلةُ أن “الباكور الهندي” نفسه لم يرتكب ذنبًا؛ ثمرة مسكينة نمتْ في هُدوء، فجاء صاحبنا وحمّلها أوزار السياسة والمجتمع والأخلاق.

جعلها تتحدث في الاقتصاد، وتَفتي في التّعليم، وتُحاكم النّاس، وتشرح التّاريخ، وتُوجّه المستقبل.

ولو امتلكت الثمرة لسانًا، لطلبت منه أن يتركها في حالها، وأن يبحث عن فكرة حقيقية، أو يقرأ كتابًا، أو يصمتَ قليلًا.

غير أن صاحبنا لا يصمت.

الصمت عنده أرض قاحلة، و”الباكور الهندي” شجرته الوحيدة. لذلك يزرعه في كل جُملة، ويسقيه من ماء العُموميات، ويعرضه تحت شمس المبالغة، ثم يقدمه للناس مَحصُولًا فكريًا.

يصفق لنفسه، ويغادر المجلس راضيًا، فيما يبقى الحاضرون يتساءلون: هل استمعوا إلى تحليل سياسي، أم حضروا نشرة فلاحية، أم وقَعُوا ضحيّة ثمرة استوْلى عليها رجل كثيرُ الكلام؟

ثمرة واحدةٌ لكلِّ القضايا

هكذا يواصل صاحبُ “الباكور الهندي” أداءَ رسالته التاريخية؛ يتنقّل بين اللقاءات، ويُقحِمُ الثمرة في كل موضوع.

وكلّما انكشف خواؤُه، أمعن في تكديس القُشور.

وقد يأتي يوم يطالب فيه الناسُ بحقهم في سماع حديث لا يُذكر فيه “الباكور الهندي”، فيخرج إليهم ساخطًا، معلنًا أن المؤامرة على الثمرة إنما تستهدف هُوية المجتمع، ثم يبادر إلى تنظيم لقاء جديد بعنوان: “الباكُور الهندي وتحدّيات المرحلة”.

وحين انفضّ ذلك المجلسُ، أدركتُ أن الرَّجل لم يكن يستشهدُ “بالباكور الهندي”، وإنما كان يتَوَارَى خلْفَه؛ فكلَّما أعوزتْه الفِكرة دفع بالثّمرة إلى الوَاجهة، وكلّما خانهُ المعنى احْتمى بقشرتها.

ثم لمحْتُ صاحبَنا يُغادرُ مجلسه واثقَ الخُطى، كأنه فرغ لتوّه من حسم مصير الأمة، وبقيتُ أتأمَّلُ خطابَهُ الممدُود أمَامي: سلّةٌ ضَخمةٌ، وصوتٌ مُرتفع، وقُشورٌ متراكمة، ولا ثَمرة واحدة تَصْلُحُ لِلأكْلِ.

لنتأمّل؛ وإلى حَديث آخر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق