عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم إلى “مميس ن خالتي” لقجع.. أي مغرب نريد؟
رشيد بوهدوز
مميس ن خالتي،
أكتب إليك من قمة جبل شبدان. من هنا لا تبدو تافوغالت بعيدة، ولا يبدو نهر ملوية حاجزا بين ضفتين، بل شاهدا على أرض واحدة وذاكرة متصلة. فأنت ابن أذورار ن تافوغالت وياث يزناسن، وأنا ابن هذه الضفة من الجبل، وبيننا أرض علمت أبناءها الصبر وربتهم على أن الطريق إلى القمة لا يكون معبدا دائما.
نحن أبناء الجبال نعرف صعوبة الصعود، ونعرف كم يحتاج المرء من النفس الطويل لتجاوز المنحدرات، وكم مرة يضطر إلى تثبيت قدمه قبل أن يخطو. لكننا نعرف أيضا ما لا يراه من يتأمل الجبل من بعيد.
الوصول إلى القمة لا ينهي الخطر، وقد يبدأ الخطر الحقيقي هناك. فالزلة في السفح قد تؤخر المسير، أما الخطوة الخاطئة في الأعلى فقد تعيد صاحبها إلى السفح.
القمة مسؤولية قبل أن تكون امتيازا، وكلما ارتفع المرء أصبح مطالبا بأن يحسب خطواته أكثر، لأن سقوطه لا يخصه وحده حين يحمل ثقة أناس رأوا في صعوده شيئا من صعودهم. وحين يصل ابن من أبناء المغرب العميق إلى واجهة الدولة لا يصل وحده، بل يصعد معه المكان الذي خرج منه، وتصعد معه أحلام أجيال نشأت في مناطق ظلت طويلا ضمن المغرب المنسي الذي وصف يوما بالمغرب غير النافع.
عرفت هذه الأجيال أن الكفاءة لا تفتح جميع الأبواب دائما، وأن ابن الهامش مطالب في كل محطة بأن يثبت استحقاقه، ثم يخوض معركة أخرى ضد صورة مسبقة وضعته بعيدا عن المركز.
لهذا لم يعد اسمك يعنيك وحدك. صار يحمل لدى فئات واسعة من المغاربة صورة مسؤول خرج من المغرب العميق، يعمل ويحقق النتيجة، ويدخل المؤسسات الإفريقية والدولية بلا عقدة نقص، مدافعا عن مصالح بلده ومقدما عنه صورة مشرفة.
ولم يفاجئني انضمامك إلى حزب الأصالة والمعاصرة.
قبل ثلاث سنوات، حين كتبت «بين لقجع والعماري»، كنت أرى أن البام لن يستعيد مكانه في الواجهة إلا بقيادة تجمع الوزن السياسي والقدرة على الإنجاز وفهم الدولة، ولم أجد اسما أقرب منك إلى هذه المهمة.
لم أكن أبحث عن إلياس العماري جديدا، فلكل رجل زمنه وأسلوبه، وتجربة إلياس لم تكن بلا أخطاء. لكن الحزب بلغ معه أوج حضوره، وكان له صوت وقدرة على المبادرة، وعرف المغاربة يومها ما الذي يريد البام أن يمثله حتى وهم يختلفون معه.
بعد الأزمات التي عاشها الحزب، تراجع ذلك الحضور. بقي البام موجودا داخل المؤسسات، لكنه ابتعد عن جانب من فكرته الأولى وانشغل أكثر بتدبير المواقع، حتى خفت داخله المشروع الذي منح وجوده معنى. بل أصبح أحيانا يعيد داخل بنيته منطق مغرب السرعتين الذي جاء لتجاوزه، فالقرار يصنع في المركز بينما تنتظر الجهات، وتصل المعلومة إلى المناضلين بعدما يكون كل شيء قد حسم.
لقد آمنا بالبام قبل أن نحمل بطاقته. جذبتنا فكرته قبل تنظيمه، ورأينا فيه مشروعا يفتح السياسة أمام المغرب العميق، ويمنح أبناء الجهات مكانا حقيقيا في صناعة القرار، ويطرح السؤال الذي تأسس من أجله الحزب: أي مغرب نريد؟
لهذا كتبت عن حزب السرعتين ودعوت إلى العودة إلى التأسيس. لم يكن ذلك حنينا إلى مرحلة سابقة ولا دفاعا عن أشخاص. كنت أبحث عن الفكرة التي جمعتنا، وعن الحزب القادر على تقديم جواب مغربي عن أسئلة المغرب.
ولم تكن الكتابة عن أعطاب الحزب رغبة في إخراج شؤون البيت إلى الخارج. كانت أحيانا الوسيلة المتاحة لإيصال الرأي، بعدما ظلت قنوات التواصل الداخلي أضيق مما ينبغي، ولم أجد دائما داخل الحزب المساحة الكافية لأقول ما أريد.
أتمنى أن تفتح مرحلة انضمامك بابا مختلفا، فيجد المناضل داخل مؤسسات حزبه مساحة للتعبير، ويعود النقاش إلى المجلس الوطني واللجان والأكاديمية والجهات قبل أن تصبح القرارات أمرا واقعا.
فالبام لا تنقصه الكفاءات ولا المناضلون، لكن هؤلاء يحتاجون إلى الشعور بأنهم جزء من صناعة المشروع، وأن تشارك الجهات في رسم الطريق بدل أن تستدعى بعدما يكون قد رسم.
أرى في انضمامك امتدادا طبيعيا لفكرة الحزب. أنت في صلب المشروع الذي قام عليه البام حتى قبل أن تحمل بطاقة الانخراط، وهذا حال كثيرين منا، إذ بدأ انتماؤنا بالإيمان بالفكرة، ثم جاءت البطاقة لتضع ذلك الإيمان داخل إطار تنظيمي.
لذلك أرى في دخولك لقاء بين رجل جسد جانبا من المغرب الممكن، وحزب تأسس للمساهمة في بناء ذلك المغرب، لا مجرد إضافة اسم كبير إلى لائحة الأعضاء.
لقد فعلت ذلك في كرة القدم. لم تكتف بتدبير القطاع كما وجدته، بل غيرت موقع المغرب داخله. أصبحنا ننافس الكبار، وصار لبلدنا حضور مؤثر في المؤسسات الرياضية الدولية، ولم يعد النجاح حدثا عابرا نحتفل به ثم نعود إلى نقطة البداية.
وهذا ما ننتظره داخل الحزب: أن يستعيد البام حضوره وفكرته، وأن تعود مؤسساته إلى أداء أدوارها، ويشعر المناضل بأن وجوده لا يقتصر على التعبئة والتصويت.
فالحزب الذي يريد قيادة المغرب عليه أولا أن يبرهن على قدرته على إصلاح نفسه، وأن يفتح مؤسساته للكفاءات، ويعيد للجهات مكانها في القرار، وألا يخشى الاختلاف.
ومن هنا يبدأ الرهان الوطني.
أهم ما كشفته تجربة المنتخب أن المواهب موجودة في كل أنحاء المغرب، لكن الأبواب لا تفتح أمامها دائما بالجرأة نفسها. حين أتيحت الفرصة لأبناء الريف والجنوب الشرقي والأقاليم الجنوبية، كما أتيحت لغيرهم من أبناء الوطن، لم يسأل أحد عن قربهم من المركز، بل عما يستطيعون تقديمه داخل الملعب. وكانت النتيجة أن تحول تنوع المغرب إلى قوة حقيقية.
وأبناء هذه المناطق لا يصنعون الملاحم بأقدامهم فقط. فيها أيضا عقول قادرة على إدارة المؤسسات وصناعة القرار، لكن الطريق منها إلى مواقع المسؤولية ما زال أشد صعوبة من الطريق إلى المنتخب. فقليل من أبناء المغرب العميق يتمكنون من كسر احتكار المركز لمواقع القرار، وهنا يستعيد التحذير الملكي من مغرب يسير بسرعتين كل معناه.
ما نجح في كرة القدم يمكن أن ينجح في الدولة أيضا. حين تصبح الكفاءة أساس الاختيار، ويحاسب المسؤول على ما أنجزه، تستطيع المؤسسات أن تتغير مهما طال بها الجمود.
لهذا تحدثت منذ مدة عن حكومة المونديال. كنت أقصد حكومة تجعل من سنة 2030 موعدا للعبور من المغرب الذي نعرفه إلى مغرب جديد ومتقدم في مختلف المجالات، ويتجاوز أثرها زمن كأس العالم.
أن نصل إلى المونديال بمغرب، وأن نخرج منه بمغرب آخر.
فالرهان أكبر من الملاعب والبنيات التحتية. نريد أن تصبح الجدية التي رأيناها في كرة القدم طريقة في إدارة الشأن العام، وأن يكون الإنجاز قاعدة، وألا تتوقف الفرص عند حدود المركز.
ومن هذه الزاوية يصبح انضمامك إلى الحزب أكبر من شأن تنظيمي أو انتخابي. فهو فرصة لكي تبدأ التجربة من داخل البام نفسه، بفتح مؤسساته أمام الكفاءات وإعادة الاعتبار للجهات، ثم تقديم هذا المشروع إلى المغاربة ليحكموا عليه في الانتخابات.
تامغرابيت التي آمنا بها ليست شعارا موسميا. معناها أن ينطلق الحزب من المغرب كما هو، من تاريخه الأمازيغي وتعدده، وأن يثق في قدرة أبنائه على صناعة حداثتهم من داخل تجربتهم. وتظهر سياسيا حين تنصف الدولة جهاتها، وحين تصبح الهوية الوطنية، وفي صلبها الأمازيغية، حاضرة في حياة الناس لا في النصوص وحدها.
لقد جسدت جانبا من هذه الثقة في المسؤوليات التي تحملتها، واليوم نأمل أن تنتقل روح الإنجاز إلى الحزب وإلى المرحلة المقبلة.
مميس ن خالتي،
انضمامك أعاد الأمل إلى مناضلين رأوا البام يبتعد عن فكرته فابتعدوا عنه، وإلى من ظلوا داخل الحزب مقتنعين بأن العودة ممكنة. لكن الأمل سريع التلف في السياسة، ولا يحفظه سوى العمل.
أهلا بك في حزب كنت قريبا من روحه قبل أن تنضم إليه رسميا. فيه مناضلون وكفاءات ينتظرون مرحلة جديدة، ويأملون أن يجدوا في حضورك فرصة ليعود البام كما آمنا به، تجسيدا لمشروع مغرب المستقبل.
أكتب إليك من شبدان، وأرجو أن يبقى الطريق الذي صعدت منه مفتوحا لمن ما زالوا في الأسفل..
رئيس اللجنة الأمازيغية بحزب الأصالة والمعاصرة



0 تعليق