عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم "منتدى الإسلام بفرنسا" يراهن على الحلول العملية بدل "التمثيلية التقليدية" - بوابة المدينة برس
قارب محمد المهدي اقرابش، أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا ونائب أمين المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي بفرنسا، العلاقة الحساسة بين الدولة الفرنسية وبين الإسلام والمسلمين، منطلقا من جذور العلمانية الفرنسية، ثم إلى تطورات تاريخية حاسمة في هذا المسار.
وأبرز اقرابش أن غياب التمثيلية الحوارية بين الدولة الفرنسية والمسلمين حول الشأن الديني كان عاملا حاسما في رسم المشهد الديني الحالي، إلى جانب مقتل المدرس صامويل باتي، وطبيعة عمل منتدى الإسلام بفرنسا.
وقال الأكاديمي ذاته لهسبريس إن علاج هذه العلاقة تبدأ عبر فهم العلمانية الفرنسية (اللائكية) والتوقف عند جذورها التاريخية، حيث نبعت من صراعات دموية بين الكاثوليك والبروتستانت واضطهاد لمختلف المجموعات الدينية؛ مما جعل الشأن الديني موضوعا حيويا وحساسا في المجتمع ومؤسساته.
وتجسد هذا التحول في “قانون 1905” القائم على ثلاثة مبادئ: حياد الدولة تجاه الأديان، حرية ممارسة الشعائر، والمساواة بين الأديان دون تمويل حكومي لها، باستثناء فضاءات مغلقة كالسجون والمستشفيات والجيش، إضافة إلى بعض الاستثناءات التاريخية.
وأورد المتحدث أن القرن العشرين شهد نموا بارزا للوجود الإسلامي بفرنسا، بدءا من مشاركة آلاف الجنود المسلمين في الحربين العالميتين؛ ما أثمر بناء مسجد باريس الكبير كعرفان بتضحياتهم، في تجربة استثنائية لم تحترم الحياد المالي للعلمانية حينها. وتوطدت الممارسة الإسلامية مع موجات الهجرة العمالية في الخمسينيات والستينيات، ثم الاستقرار الأسرائي الممتد منذ السبعينيات. ونظرا لغياب تراتبية دينية موحدة وتوزع الجمعيات بين قوانين 1901 و1905 و1907، واجهت الدولة صعوبات متكررة في تنظيم المساجد والأئمة والأعياد.
كما شكل، وفق اقرابش، تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) عام 2003 بمبادرة من وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي، خطوة لمأسسة التمثيلية الرسمية للمسلمين أمام الدولة والتنسيق مع المكتب المركزي للديانات؛ غير أن عمل المجلس شهد تعثرا كبيرا نتيجة تجاذبات حادة بين الاتحادات المكونة له، والتي انقسمت وفق مرجعيات وطنية وأيديولوجية متعددة. وضمّ المجلس تكتلات مغربية متمسكة بالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وإمارة المؤمنين، إلى جانب حضور مسجد باريس الممثل للمصالح الجزائرية، وجمعية “CCTMF” التابعة لأنقرة.
وإضافة للتمثيلية الوطنية، وفق المتحدث، برزت التأثيرات الأيديولوجية لبعض الجماعات مثل فيدرالية “مسلمي فرنسا” ذات المشرب الإخواني، وحركة “ملي غوروش” التركية، وجماعة “الإيمان والممارسة” التابعة للتبليغ. وأمام هذا الانقسام المحموم، عمدت السلطات الفرنسية إلى سن قوانين تستهدف تعزيز قيم الجمهورية ومواجهة ما وصفته بالانفصالية. وقد أضعفت هذه الاستقطابات القدرة التمثيلية للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية؛ مما حال دون تحقيقه لهدفه الأساسي في توحيد صوت المسلمين بفرنسا.
وأورد العضو بمنتدى فرنسا للإسلام أن اغتيال المدرس صامويل باتي عام 2020 مثّل نقطة تحول حاسمة دفعت الحكومة الفرنسية إلى تشديد سياساتها في مكافحة التطرف، وفرض ضغوط سياسية مكثفة للوصول إلى “إسلام متوافق مع مبادئ الجمهورية”. وأدى هذا الضغط إلى انسحاب فيدراليات رئيسية من المجلس، ليُعلن الرئيس إيمانويل ماكرون لاحقا انتهاء دوره الرسمي. واعتمدت الدولة بدلا منه آلية “منتدى الإسلام بفرنسا” (FORIF) عام 2022، متخلية عن المقاربة المركزية الباريسية لصالح مقاربة محلية تعتمد على الفاعلين الميدانيين.
ويتميز “منتدى الإسلام بفرنسا” (FORIF)، أورد اقرابش، بكونه منصة حوارية تركز على الحلول العملية والتقنية لمشاكل واقعية، بعيدا عن الهياكل التمثيلية التقليدية ذات الارتباطات الخارجية. ويتكون المنتدى من مجموعات عمل متخصصة تناقش قضايا وضعية الأئمة والمرشدين والمقابر الإسلامية وحماية دور العبادة ومواجهة الاعتداءات ضد المسلمين. وتُرفع المقترحات المتمخضة عن هذه اللجان مباشرة إلى وزارة الداخلية لدراستها وتنفيذ الصالح منها وفق القوانين الجاري بها العمل.
وتابع: “أسفرت أشغال المنتدى عن إنجازات ملموسة، على الرغم من الإشكالات التنظيمية؛ أبرزها تأسيس المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي (CNAM-France) للمستشفيات والسجون والجيش، وجمعية الدفاع عن المسلمين (ADDAM)، وجمعية (157) لمواكبة المعاملات الإدارية”. وأصبحت، حسب المتحدث، الاجتماعات الإقليمية سنويا تقليدا يجمع مئات الفاعلين المسلمين والمسؤولين الإداريين. وفي مقابل ذلك، يواجه المنتدى انتقادات تتعلق باختيار المشاركين عبر السلطات المحلية لا الانتخابات، وحصر دوره في الجانب الاستشاري دون امتلاك سلطة قرار ملزمة.
وتؤكد المعطيات، حسب الأكاديمي عينه، أن الدولة الفرنسية بموجب مبدأ العلمانية، لا تدير الدين الإسلامي ولا تعين أئمته أو رجاله؛ بل تقتصر مداخلاتها على القضايا ذات الصلة بالنظام العام وتطبيق التشريعات. وتتحرك الأجهزة الحكومية في نطاق الإشراف القانوني على الجمعيات، ومنع التحريض على العنف والكراهية، وتنظيم الأطر الإدارية للتواصل مع الطوائف الدينية.








0 تعليق