مراسي.. حديث الإفك والسيادة - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم مراسي.. حديث الإفك والسيادة - المدينة برس

بحكم المهنة جبنا الأرض شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، ونزلنا شواطئ أوروبا فلم نرَ تلك الضلالة التي تسكن شواطئنا، وسبحنا على شواطئ أمريكا فلم نرَ تلك الآفة التي تسكن ديارنا، و"سحنا" في تونس الخضراء واستمتعنا بشواطئها، فلم نرَ ما نرى في بلادنا، وفي المغرب لا تزال الشواطئ ملكية عامة.

عن غرائب مراسي نحدثكم ونحدث أنفسنا، ونغتاظ مثلما اغتاظ غيرنا، ونغار مثلما يغار الجميع، لا توجد دولة في العالم تمنح إنسانًا، أيًّا كانت جنسيته، ملكية البحر المتوسط أو البحر الأحمر، ولم نرَ دولة تمنح صك ملكية لمواطن لديها، دون غيره، على شاطئ المحيط.

ومن قبل العبار، ومن قبل مراسي وسكانها ومرتاديها ومحبيها والغارقين فيها، كانت الآفة قد سكنت الديار منذ ظهور أول شاطئ خاص، شاطئ شهر العسل بالعجمي. أيامها كانت أعجوبة أن يصبح البحر ملكية خاصة، يسمح للبعض بارتياده ويُمنع عنه الآخرون.

ومن بعد العجمي كانت مراقيا وسيدي كرير، وتوحشت الآفة لدرجة أن كلمة "شاطئ عام" أصبحت تعني شهادة فقر وعوز وحاجة، والشاطئ العام في المفهوم المصري يعني أنك مواطن درجة عاشرة، لا تسمح قدراتك المالية بأن تمتلك جزءًا من البحر المتوسط أو البحر الأحمر. شاطئ عام يعني أنك ابن البطة "السودة"، ومعنى أن تصطحب أولادك ومعك "حلة المحشي" إلى شاطئ الفقر، فهذا معناه أنك "بيئة"، و"بيئة" في المفهوم المصري كلمة بذيئة يوصف بها أبناء البطة السوداء.

ومن بعد مراقيا وسيدي كرير ظهر إلى الوجود العصر الماريني، وبدا واضحًا أن أبناء مارينا قادمون. نسجت الصحف أيامها، وأيام العجمي، قصصًا وحكايات اختلطت فيها السياسة بالنخاسة، وظل المواطن العادي من فئة البطة السوداء يسبح بخياله في الحكايات، بعد أن أصبح ممنوعًا من السباحة في بحر وهبه الله لبلاده، وليس لفئة فيه.

ومراسي هي النموذج المكمل لمراحل بيع البحر المتوسط للأثرياء فقط، تغيرت مادة الجغرافيا حسب طبقات الناس، فإن كنت من ملاك البحرين فمن حقك أن تفخر بأن بلادك على ناصية البحرين، أما إن كنت من طبقتنا فإن وطنك وطن حبيس، حيث لا بحار ولا أنهار.

ومراسي وضعت نظامًا مروريًا داخلها، وتحصل مخالفات مرورية من السكان، وصلت إحداها إلى 45 ألف جنيه على سيارة واحدة، والمخالفات هنا لا علاقة لها بوحدات المرور المصرية، فالمخالفات يتم تحصيلها لصالح المالك، والمالك هنا هو "السيد العبار" لكل الحدود، والعابر لكل مفردات المنطق.

والسؤال: هل يستطيع الرئيس الأمريكي نفسه، وبحكم سلطاته، أن يمنع مواطنًا أمريكيًا من أن يسبح في المحيط، أو أن يمنعه من السباحة أمام أفخم الفنادق أو القرى السياحية هناك؟ الإجابة: لا يمكن.. لا الرئيس الأمريكي، ولا أي رئيس أوروبي، ولا رئيس تونس، ولا ملك المغرب.. البحار، يا سادة، ملك الشعوب المشاطئة، وتلك حقوق دستورية لا يجوز لأيًّا من كان أن "يحوط" على مساحة ويقول إنه امتلكها.

والسؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا تبقى للمواطن بعد أن حُرم من نيله، وأصبحت ضفتا النهر مقاهي وأندية وكافتيريات وقاعات أفراح؟ وماذا تبقى له بعد أن احتكرت فئة بعينها البحر المتوسط، واحتكرت فئة أخرى البحر الأحمر، ولم يبقَ للشعب إلا أن يتحمل فساد من أغرقوا البلاد في وحل الديون، وباعوا الشواطئ، وتاجروا بكل مقدرات الأمة؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق