عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم عباس شراقي: مصر مستعدة لكل سيناريوهات الجفاف ونقص المياه.. السد العالي لا يزال الحصن المنيع لمصر.. وإثيوبيا أخطأت في إدارة بحيرة السد قبل موسم الأمطار - المدينة برس
أكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن أزمة السد الإثيوبي دخلت مرحلة جديدة بعد انتهاء الملء الأول، لكنها لا تزال تتطلب اتفاقًا ينظم إعادة الملء والتشغيل السنوي، محذرًا، في الوقت نفسه، من أن الخطر الأكبر لا يتمثل في حجز المياه فقط، وإنما في الجوانب الهندسية والجيولوجية المرتبطة بالسد، خاصة بالنسبة للسودان.
وفي حوار خاص مع «موقع مولانا»، كشف شراقي كواليس عدد من المفاهيم الخاطئة المتداولة حول السد، وتحدث عن أبرز التحديات التي تواجه الأمن المائي المصري، ورؤيته لمستقبل الأزمة، وأسباب تفاؤله بقدرة الدولة المصرية على تجاوزها.. فإلى نص الحوار:
لو طلبت منكم تصحيح أكبر 3 مفاهيم خاطئة يتداولها المصريون عن السد الإثيوبي.. ماذا ستكون؟
توجد بعض المفاهيم الخاطئة الأكثر انتشارًا في مصر حول سد النهضة، وكثيرًا ما يتداولها البعض، أهمها أن إثيوبيا امتلكت محبسًا للتحكم الكامل في مياه النيل عن طريق سد النهضة، وأنه سوف يحتجز معظم مياه النيل ولن تصل، والحقيقة هي أن سد النهضة له سعة قصوى محددة، بعدها لا بد من فتح بوابات التوربينات أو المفيض حتى لا ينهار السد، وبالتالي فالتحكم محدود بأشهر معدودة يستطيع السد العالي خلالها توفير المياه للشعب المصري.
المفهوم الخاطئ الثاني هو أن إثيوبيا سوف تبيع المياه لمصر مستقبلًا، والحقيقة أن هذا لم ولن يحدث على الإطلاق بسبب الطبيعة الجيولوجية التي تجبر إثيوبيا على تصريف المياه في نهر النيل، خاصة أنها دولة حبيسة لا شواطئ لها، وليس لديها صحراء حول السد لتفريغ المياه ومنعها من الوصول إلى مصر، مع وجود السد العالي لتوفير الاحتياجات المائية أثناء أشهر الحجز.
أما المفهوم الخاطئ الثالث فهو أنه لا جدوى من الوصول إلى اتفاق بعد افتتاح السد الإثيوبي في سبتمبر 2025، والحقيقة أن الوصول إلى اتفاق أمر في غاية الأهمية لوضع قواعد لإعادة الملء والتشغيل كل عام، وعدم إدارة السد بطريقة أحادية، كما أن الوصول إلى اتفاق يضمن عقد اتفاقات أخرى في حالة بناء سدود جديدة.
بعد سنوات من متابعة المشروع لحظة بلحظة.. ما المعلومة التي تعتقد أن الدولة أو الإعلام لم يشرحها للرأي العام بالشكل الكافي؟
نجحت الدولة، من خلال جهود كبيرة، في حماية المواطن المصري من أضرار سد النهضة، لكن الأضرار لا تتمثل في مبدأ حجز المياه فقط، ولكن في خطر انهيار السد نتيجة حجم التخزين الضخم، الذي يعادل 6 أضعاف التصميم الأصلي طبقًا لمكتب الاستصلاح الأمريكي عام 1964، والظروف الجيولوجية المحيطة بالسد من نوعية الصخور النارية المتحللة، والتشققات والفوالق في الهضبة الإثيوبية، وعلى رأسها الأخدود الإفريقي العظيم، وما يشكله من نشاط زلزالي وبركاني هو الأعلى في القارة الإفريقية، والجبال البركانية الشاهقة، وما تشكله من نظام مطري فريد من أمطار غزيرة صيفًا تسبب انهيارات أرضية وفيضانات مدمرة، والانهيار فيه فناء لسكان النيل الأزرق في السودان، والأمر أقل خطرًا على مصر نتيجة بُعد المسافة (2000 كم)، ووجود السد العالي ومفيض توشكى.
هل وصلنا اليوم إلى مرحلة يمكن القول فيها إن أزمة السد الإثيوبي تغيرت طبيعتها؟ وكيف؟
أزمة السد الإثيوبي مستمرة، ولكنها تختلف الآن عما سبق، في أن التخزين الأول لملء البحيرة قد انتهى في 2025، وحاليًا تتم إعادة الملء والتشغيل، وهما يتطلبان الوصول إلى اتفاق لوضع قواعد لهما، سواء في سنوات الفيضان أو الجفاف بصفة خاصة، وهذا الوضع أقل صعوبة مما سبق، حيث كان الاختلاف الكبير في المفاوضات السابقة على سنوات الملء الأول، الذي انتهى بالفعل بعد حجز تدريجي للمياه لتكوين البحيرة.
إذا طلبت منكم تقييم إدارة إثيوبيا لملف السد من الناحية الهندسية بعيدًا عن السياسة.. ما أبرز نقاط القوة والضعف؟
السد مبالغ جدًا في مواصفاته الهندسية لزيادة السعة التي لا تتناسب مع هشاشة الطبيعة الجيولوجية، وما تمثله من خطر شديد، خاصة على السودان، كما أن تصميم سد السرج الركامي لا يتناسب مع المواصفات الهندسية العالمية من حيث تقوس الجهة المقعرة في اتجاه البحيرة، مما يتسبب في ضعفه وتعرضه للانهيار، كما أن أبعاد القاعدة بالنسبة للارتفاع ليست كبيرة، والطبيعة الجيولوجية أسفل السد بها الكثير من الفراغات والتشققات، وبالتالي فالخطر الأكبر من ضعف السد المكمل، بينما السد الرئيسي الخرساني أكثر تحملًا نسبيًا.
هل تعتقد أن إثيوبيا حققت بالفعل ما كانت تطمح إليه من بناء السد، أم أن الواقع أقل مما كان مخططًا له؟
إثيوبيا خططت للانتهاء من السد في 2017، ولكنه تأخر حتى 2025، ولم يعمل بكفاءة في تشغيل التوربينات لإنتاج الكهرباء حتى اليوم، كما أن التكاليف تضاعفت من 4.8 مليار دولار إلى أكثر من 8 مليارات دولار، كما أن السد لم يحقق ما أرادت من الاستثمار الزراعي، حيث لا توجد مساحات كبيرة من الأراضي القابلة للري في محيط السد، وأخيرًا لم يوفر السد مياه الشرب النقية للشعب الإثيوبي، الذي يعاني نقص المياه في أشهر الجفاف؛ لأنه يعيش في مناطق مرتفعة بآلاف الأمتار عن سطح بحيرة السد، كما أنه تم إلغاء 3 توربينات، ليصبح العدد النهائي 13 بدلًا من 16 كما كان مقررًا من قبل، وبالتالي خُفض إنتاج الكهرباء من 6000 إلى 5150 ميجاوات في حالة التشغيل بكفاءة، ولكن المتوقع أن يعمل بكفاءة أقل من 30%.
هل توجد مؤشرات فنية تقلقك بشأن سلامة السد على المدى الطويل؟ وما طبيعتها؟
طبيعة السد السرج مقلقة، وكذلك الظروف الجيولوجية، والفيضانات، وارتفاع منسوب البحيرة بالنسبة لسطح الأرض في السودان بمئات الأمتار، والسعة الكبرى للتخزين، والإدارة المنفردة في الملء والتشغيل دون التنسيق مع دولتي المصب، مصر والسودان.
هل ما زال سد النهضة هو التهديد الأول للأمن المائي المصري، أم ظهرت تحديات أخطر خلال السنوات الأخيرة؟
الأمن المائي المصري مرتبط بالعديد من التحديات، منها الداخلية، مثل محدودية الحصة المائية من نهر النيل، وزيادة عدد السكان، وزيادة الطلب نتيجة المدن الجديدة والمشروعات الزراعية الكبرى، والتقلبات المناخية، والتلوث، وغيرها، وجميعها قادرون على التعامل معها بنجاح. أما الخارجية، فأهمها إنشاء المشروعات المائية في دول المنابع، وعلى رأسها سد النهضة الإثيوبي، وتعمل الدولة على التنسيق مع دول المنابع من خلال الاتفاقيات، مثل مبادرة حوض النيل 1999، وإعلان مبادئ سد النهضة 2015.
إذا تعرضت المنطقة لجفاف يمتد عدة سنوات، ما السيناريو الذي تتوقعه؟ وهل مصر مستعدة له؟
إذا تعرض حوض النيل للجفاف، وهذا حدث في الماضي كثيرًا، أشهرها أيام سيدنا يوسف، والشدة المستنصرية، وفترة 1981-1988، فقد استطاع السد العالي، بكفاءة تامة، حماية الشعب المصري منها، ويظل الحصن المنيع في حالة حدوث جفاف صناعي أو طبيعي نتيجة نقص الأمطار، والدولة المصرية على أتم الاستعداد لمواجهة جميع السيناريوهات لكميات المياه السنوية، سواء بالنقص أو الزيادة.
هل يمكن أن تواجه مصر أزمة مياه رغم كل المشروعات القومية التي نفذتها؟ وأين تكمن نقطة الضعف؟
مصر الدولة الأولى عالميًا في الجفاف، إلا أن نهر النيل استطاع أن يغير هذه الطبيعة الجغرافية، لكن زيادة عدد السكان أدت إلى تناقص نصيب الفرد من أكثر من 2000 متر مكعب في أوائل السبعينيات إلى 500 متر مكعب حاليًا، وما يتطلبه ذلك من زيادة الطلب والتوسع في المشروعات الزراعية الكبرى التي ضاعفت المساحة الزراعية، وتحاول الدولة التغلب على هذا النقص بعدة طرق، أهمها إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها، وتطوير وسائل الزراعة والري، ونوعية المحاصيل، والاستفادة من بعض الخزانات الجوفية، وزيادة الوعي لمزيد من الترشيد.
هل كانت هناك لحظة شعرت فيها أن الأزمة كانت قاب قوسين أو أدنى من الحل؟ ولماذا فشلت؟
الفترة التي تدخلت فيها الولايات المتحدة برعاية المفاوضات، من نوفمبر 2019 إلى فبراير 2020، حيث تم الوصول إلى صياغة أولية للاتفاق، إلا أن إثيوبيا تغيبت يوم التوقيع، ووقعت مصر منفردة، وانتهت المرحلة دون حل للقضية.
من خلال متابعتك، ما أكثر قرار اتخذته إثيوبيا وأثار دهشتكم علميًا أو سياسيًا؟
أغرب قرار هو تغيب إثيوبيا عن توقيع الاتفاق في واشنطن عام 2020 بطريقة لا تليق بدولة عضو في الأمم المتحدة، بعد أربعة أشهر من المفاوضات والاتفاق على صيغة نهائية حتى آخر يوم. ومن القرارات الغريبة الاحتفاظ بالبحيرة شبه ممتلئة حتى بداية موسم الأمطار، واضطرارها إلى فتح بوابات التصريف، مما تسبب في فيضان السودان في نهاية سبتمبر 2025، وتكرر إثيوبيا هذا الخطأ، حيث بدأت استقبال مياه الأمطار هذا العام ولديها أكثر من 60% من مخزون البحيرة، الذي كان يجب أن يكون حول 30% على الأكثر، ومن المتوقع فتح بوابات المفيض بعد امتلاء السد في أوائل سبتمبر المقبل.
بعد كل ما حدث في ملف سد النهضة.. هل أنت أكثر تفاؤلًا أم أكثر قلقًا على مستقبل الأمن المائي المصري؟ ولماذا؟
رغم كل التحديات المائية الداخلية والخارجية، فإنني أكثر تفاؤلًا بمستقبل مصر المائي لعدة أسباب:
أولًا: قدرة الإنسان المصري على التغلب على هذه التحديات، واستخدام التكنولوجيا الحديثة التي جعلتنا نضاعف مساحة الأراضي الزراعية من 5.5 إلى 11 مليون فدان بنفس كمية المياه.
ثانيًا: هناك العديد من المشروعات المائية خارج الحدود المصرية، خاصة في جنوب السودان، لزيادة حصة مصر المائية بما يصل إلى ما يقرب من 50% من الحصة الحالية، مثل قناة جونجلي، ولم يتم تنفيذ أي منها حتى الآن.
ثالثًا: الاتجاه حديثًا نحو التنمية الصناعية المستدامة التي تحتاج إلى مياه أقل.
رابعًا: التقدم التكنولوجي في مجال الطاقة المتجددة، ومعالجة مياه الصرف الزراعي، وتحلية مياه البحر.








0 تعليق