عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم سبتة وجيل "كوكوط مينوت" - بوابة المدينة برس
لم تكشف موجة العبور الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد أزمة هجرة غير نظامية، وإنما عرّت أيضا عقلية آخذة في الانتشار داخل جزء من الجيل الصاعد، تريد أن تُطبخ الحياة بسرعة “الكوكوط مينوت”. فقد انتشرت خلال ساعات فكرة أن الوصول سباحة إلى المدينة يعني الإفلات من الإعادة وفتح أبواب أوروبا، قبل أن تكشف وزارة الداخلية الإسبانية أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت حكما حديثا للمحكمة العليا لتحريض الشباب على العبور، وأن تعلن مدريد والرباط الاتفاق على إعادة جميع من دخلوا بصورة غير قانونية في أقرب وقت، بمن فيهم القاصرون. هكذا انتهى الوهم بالسرعة نفسها التي صُنع بها.
لا يتعلق الأمر بإدانة الشباب أو مصادرة حقهم في الطموح إلى حياة أفضل، وإنما بتسمية مشكلة ثقافية وسلوكية واضحة. فـ”جيل كوكوط مينوت” هو الجيل الذي يريد النتيجة بلا مسار، والدخل الكبير قبل اكتساب المهارة، والرفاه قبل سنوات التراكم، ويضيق بالتكوين والتدرج والعمل الصامت، بينما ينجذب إلى أقصر الطرق الظاهرة، من الهجرة السرية إلى المضاربات والمراهنات ووهم الشهرة الرقمية. الخطر ليس في الطموح، بل في انفصاله عن الزمن والجهد والواقع.
قبل عقود، وصف عالم الاجتماع الأميركي جورج ريتزر، في كتابه “مكدونلة المجتمع”، The McDonaldization of Society، انتقال منطق الوجبات السريعة القائم على السرعة والفاعلية والنتائج الفورية إلى مختلف مجالات الحياة.
وشرح عالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا، في كتابه “التسارع الاجتماعي”، Social Acceleration: A New Theory of Modernity، كيف أصبح الإنسان يعيش تحت ضغط الوصول الأسرع وتحقيق الأكثر في وقت أقل، بينما حلل عالم الاجتماع البولندي البريطاني زيغمونت باومان، في كتابيه “الحداثة السائلة”، Liquid Modernity، و”حياة الاستهلاك”، Consuming Life، مجتمعا يستهلك الصور والرغبات بسرعة ويتعامل مع المسارات الطويلة والالتزامات الثابتة بوصفها أعباء. وتقدم هذه الأعمال مفتاحا لفهم جيل يقيس النجاح بما يظهر على الشاشة، لا بما يُبنى بتدرّج في الواقع.
وقد حولت منصات التواصل هذه النزعة إلى صناعة قائمة بذاتها. ففي كتاب “آلة الضجيج”، The Hype Machine، يشرح سينان آرال، الباحث التركي المولد وأستاذ الاقتصاد الرقمي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كيف تعيد المنصات تشكيل الاختيارات والسلوك من خلال آليات الانتشار والتأثير. وأثبتت دراسة أنجزها مع الباحث الأميركي سروش فوسوغي والباحث الكندي ديب روي أن الأخبار الزائفة تنتشر على الإنترنت أسرع وأبعد وأعمق من الأخبار الصحيحة، لأن المحتوى الجديد والمثير يدفع المستخدمين إلى مشاركته قبل التحقق منه.
ووصفت الباحثة الأميركية شوشانا زوبوف، في كتاب “عصر رأسمالية المراقبة”، The Age of Surveillance Capitalism، نموذجا اقتصاديا يقوم على جمع المعطيات السلوكية والتنبؤ بأفعال الناس والعمل على توجيهها، بينما حذر الكاتب الأميركي إيلي باريسير، في “فقاعة الترشيح”، The Filter Bubble، من فضاء رقمي لا يرى فيه المستخدم العالم كما هو، بل النسخة التي تنتقيها له الخوارزميات. أما الباحث القانوني الأميركي كاس سانستين، فقد شرح في كتابه “الجمهورية الرقمية”، Republic.com 2.0، وكتاباته حول الاستقطاب الجماعي كيف تصبح المجموعات المتشابهة أكثر تطرفا عندما تتبادل الرأي نفسه باستمرار ولا تسمع ما يناقضه.
عند تطبيق ذلك على الهجرة، تتضح خطورة ما يحدث. فالشاب الذي يشاهد عشرات المقاطع لأشخاص وصلوا إلى أوروبا لا يرى من غرقوا أو أعيدوا أو قضوا سنوات بلا وثائق، ولا يرى ساعات العمل الطويلة أو الإيجارات المرتفعة أو العزلة وصعوبة الاندماج. ومع التكرار، تتحول الصورة المنتقاة إلى حقيقة بديلة، ثم تتشكل “فقاعة هجرة” يتداول داخلها الجميع الرسائل نفسها، ويعتبرون كل تحذير محاولة للتخويف، وكل تجربة فاشلة حالة نادرة لا تستحق الانتباه.
ولم تعد شبكات تهريب المهاجرين مجرد وسطاء ينتظرون ضحاياهم قرب الحدود، بل أصبحت فاعلا رقميا محترفا. تؤكد تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ويوروبول أن هذه الشبكات تستخدم منصات التواصل للإعلان عن المسارات والأسعار، وتجنيد المرشحين، وتبادل الخرائط والتعليمات، وعرض مقاطع لعمليات ناجحة بهدف إقناع المهاجرين بارتفاع فرص الوصول. إنها لا تبيع رحلة فحسب، وإنما تنتج توقعا نفسيا زائفا بالأمان، وتخفي المخاطر التي قد تفسد تجارتها.
وهذا تحديدا ما ظهر في أحداث سبتة. فقد صدر الحكم القضائي على خلفية قضية مواطن جزائري حاول دخول المدينة سباحة، ثم قررت المحكمة العليا الإسبانية أن نظام الإعادة الفورية عند الحدود لا ينطبق على من يتم اعتراضهم في البحر. لم يمنح الحكم حق الإقامة، لكنه تحول في التداول الرقمي إلى عبارة مضللة تقول إن من يصل سباحة لن يُعاد، قبل أن تؤكد الداخلية الإسبانية أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت القرار لتشجيع التدفقات.
ولم تكتف مدريد بكشف هذه الخلفية، بل أشادت بالتعاون المغربي ووصفته بالنموذجي، وشكرت قوات الأمن المغربية على منع آلاف المحاولات، في الوقت الذي شرعت فيه السلطات الإسبانية في التحضير لإعادة جميع الوافدين بصورة غير قانونية، بمختلف فئاتهم العمرية بمن فيهم القاصرون، في إطار التنسيق المباشر مع المغرب. وبذلك انتهت “فرصة العمر” التي سوقتها الشبكات في ساعات، واتضح أن الوصول لم يتحول إلى إقامة، وأن أوروبا لم تكن تنتظر القادمين بمساكن ووظائف جاهزة.
كما أن أوروبا نفسها ليست الجنة التي تعرضها الشاشات. وتبين معطيات “يوروستات” أن 43.8 في المئة من مواطني الدول غير الأعضاء المقيمين في الاتحاد الأوروبي كانوا، خلال سنة 2024، معرضين لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي، وأن 39.4 في المئة من غير الأوروبيين ذوي التعليم العالي كانوا يشتغلون في وظائف أدنى من مؤهلاتهم. كما عاش 34 في المئة من مواطني الدول غير الأوروبية في مساكن مكتظة خلال سنة 2023. هذه الأرقام لا تنتقص من قيمة الهجرة القانونية، لكنها تهدم الاعتقاد بأن عبور الحدود يلغي المنافسة والكلفة والحاجة إلى اللغة والمهارة.
في المقابل، يصر خطاب اليأس على تقديم المغرب كبلد بلا أفق، رغم أن الوقائع تتحرك في اتجاه مغاير. ففي خطاب العرش الأخير، أكد جلالة الملك محمد السادس أن المغرب يعيش مرحلة فاصلة في مساره التنموي، داعيا إلى تغليب الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط. ولم تكن تلك رسالة معنوية مجردة، فقد بلغ النمو نحو 4.9 في المئة سنة 2025، مع توقع تسجيل المعدل نفسه أو تجاوزه في 2026، وأصبح المغرب أول مصدر للسيارات في إفريقيا بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، بينما تجاوزت صادرات السيارات والطيران 40 في المئة من مجموع الصادرات.
وتتوسع اليوم فرص حقيقية في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والدوائية، وفي منظومات البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني. ولا تعني هذه التحولات أن النجاح مضمون أو أن الطريق مفروش بالورود، لكنها تعني أن المغرب ليس أرضا ميتة كما تصوره سرديات الإحباط، وأن من يملك المهارة والانضباط والقدرة على التعلم والمبادرة يجد أمامه مسارات تتطلب العمل والصبر، لا انتظار المعجزة.
وقد وضع الخطاب الملكي الأمن والاستقرار ونجاعة المؤسسات في قلب معادلة التنمية، باعتبار الاستقرار رأسمالا استراتيجيا نادرا في عالم مضطرب. وهذه ليست فكرة تجريدية، بل البيئة التي تسمح بالاستثمار والصناعة والسياحة وإنجاز المشاريع الكبرى وخلق فرص جديدة. لذلك يصبح تقديم المغرب كـ”جحيم” لا يفكر شبابه إلا في الهرب منه تضليلا لا يقل خطورة عن وعود المهربين، لأنه يحول التحديات الطبيعية لأي مسار تنموي إلى حكم نهائي بالإعدام على المستقبل.
لا يحتاج الشباب المغربي إلى من يصفق له وهو يركض نحو الوهم، بل إلى من يصارحه بأن الحياة لا تُطبخ في دقائق. الهجرة القانونية القائمة على الدراسة أو عقد العمل أو الكفاءة خيار مشروع ومحترم، أما عبور البحر بلا خطة فليس مشروعا للحياة، والشهرة الرقمية ليست اقتصادا، والسيارة المستأجرة في مقطع لا تكشف حقيقة صاحبها، وأوروبا لا تمنح الرفاه لمجرد الوصول إليها.
أما العلاج الحقيقي لـ”جيل كوكوط مينوت” فيبدأ باستعادة قيمة الزمن، وإعادة الاعتبار للتكوين والحرفة والعمل والتدرج والمقاولة الواقعية، وبناء مناعة رقمية تكشف كيف تصنع الخوارزميات الرغبات وكيف تتاجر الشبكات بالأحلام. فالمغرب الصاعد لا يحتاج جيلا ينتظر مستقبله خلف سياج، بل جيلا يقتحم فرص بلده بالعلم والانضباط والجرأة.
والصدمة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن الجنة لا توجد في المهجر، وأن الطريق المختصر يكون أحيانا أطول الطرق إلى الخيبة. أما المستقبل فلا تطبخه “الكوكوط مينوت”، بل تصنعه سنوات من العمل الذي لا تصوره الكاميرات.








0 تعليق