نرمين جودة تكتب: كيف استشرفت السينما المصرية المستقبل قبل وقوعه؟ - بوابة المدينة

اعلام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم نرمين جودة تكتب: كيف استشرفت السينما المصرية المستقبل قبل وقوعه؟ - بوابة المدينة

تُعرف السينما كمرآة للواقع تعكس تفاصيله اللحظية، غير أن مرآة الفن ليست زجاجًا صامتًا، بل خامة كاسرة للضوء تُعيد ترتيب المشهد لتكشف عما هو قادم. في تجلياتها الأكثر عمقًا.

ولا تكتفي الشاشة الفضية بالتوثيق؛ بل تتحول إلى "رادار" يسبق عصره. هذا المفهوم، الذي يُعرف بـ"استشراف الفنان"، يمثل قدرة سينمائية فريدة على التقاط الإشارات الضئيلة في الحاضر، وتضخيمها في بناء درامي يتنبأ بالتحولات الاجتماعية، والسياسية، والتكنولوجية قبل وقوعها.

الاستشراف التكنولوجي والتقني، فإن السينما المصرية صاغت نموذجها الخاص: استشراف إنساني واجتماعي. فقد كانت تشريحًا دقيقًا للبنية النفسية للمجتمع، واستكشافًا للمسارات التي تقود إليها مظاهر الفساد، والتفاوت الطبقي، والانسداد السياسي.

فعلى سبيل المثال، تتجسد ذروة الاستشراف السياسي في تجربة المخرج يوسف شاهين في فيلمه "هي فوضى؟" (2007) (بالاشتراك مع خالد يوسف). الذي يعد قراءة سوسيولوجية مستقبليّة حتمية. اختزلت شخصية أمين الشرطة "حاتم" تضخم السلطة وغياب القانون، وجاءت النهاية السينمائية بمثابة "بروفة درامية" لما شهدته مصر ميدانيًا في يناير 2011.

وعلى ذات النهج، تميزت أعمال الكاتب وحيد حامد، بقدرة تحليليّة تُشبه التنبؤ الإستراتيجية، في أفلام مثل "المواطن مصري" (1991) و"ديل السمكة" (2003)، لم يكتفِ حامد برصد تآكل الطبقة المتوسطة، بل استشرف مآلات ذلك التحول: مجتمع تُباع فيه القيم كسلع، ويسوده الاغتراب، وتتسع فيه الفجوة بين عالمين لا يلتقيان؛ مما أسس لحالة من الاحتقان الاجتماعي المستمر.

وفي فيلم "عمارة يعقوبيان" (2006) (عن رواية علاء الأسواني وإخراج مروان حامد)، لم تكن البناية المتهالكة في وسط البلد مجرد مكان للأحداث، بل كانت نموذجًا مصغر للمجتمع المصري. استشرف الفيلم كيف ستتحول أسطح العمارات والأزقة الخلفية إلى "مجتمعات موازية" للمهمشين، لم يقف الفيلم عند حدود التشخيص البصري للمكان، بل استشرف سيكولوجية التطرف.

أما فى مجال الخيال العلمي والتكنولوجيا، فبالرغم من شح الإنتاج السينمائي العربي في أدب الخيال العلمي، إلا أن ثمة محاولات شكلت علامات فارقة. فيلم "قاهر الزمن" (1987)، المأخوذ عن رواية رائد الخيال العلمي العربي نهاد شريف، قدم طرحًا استشرافيًا مبكرًا حول التجميد الطبي وسعي الإنسان للخلود الاصطناعي وهزيمة البيولوجيا. طعن الفيلم في الفكرة الفلسفية للأبدية والتطور الطبي قبل أن تصبح هذه الأبحاث واقعاً مختبرياً مُعاشاً اليوم.

حتى الكوميديا المصرية لم تخلُ من الحس الاستشرافي؛ ففي فيلم "رحلة إلى القمر" (1959)، وعلى الرغم من بساطة الإمكانيات والطرح الفكاهي، استطاعت السينما المصرية أن تتخيل السفر الفضائي والوصول للقمر قبل عشر سنوات كاملة من هبوط المسبار "أبوللو 11" على سطحه عام 1969.

وأخيرًا، لم يقتصر الاستشراف على الأزمات، بل امتد لكسر الأنماط الذهنية. فيلم "العالمي" (2009) للمخرج أحمد مدحت طرح فكرة وصول لاعب كرة قدم مصري إلى القمة في الدوريات الأوروبية وقيادة المنتخب لكأس العالم. في زمن عرض الفيلم، كان هذا السيناريو يُصنف كنوع من "الأمنيات الدرامية" البعيدة المنال، ليتحول بعد سنوات قليلة إلى واقع مجسد في تجربة محمد صلاح، وكأن الفيلم قد رسم الخريطة الذهنية لمجتمع تعلم كيف يتخيل النجاح العالمي قبل أن يراه.

إن السينما المصرية لم تكن تمتلك تقنيات هوليوود لتصنيع "الروبوتات" أو العوالم الرقمية الموازية، لكنها امتلكت ما هو أهم: البصيرة الإنسانية.

يكشف التحليل النقدي لهذه الأعمال أن "استشراف الفنان" ليس ضربًا من السحر ولا قراءة في الطالع، بل هو الذكاء الفني المتفوق؛ قدرة المبدع على جمع جزئيات الحاضر المتناثرة، وإعادة تركبيها في معادلة درامية تقول لنا دائماً: "إذا استمر المسار على هذا النحو، فهذا هو المكان الذي سنصل إليه غداً". ومن هنا تكمن قيمة السينما، لا كأداة للترفيه فحسب، بل كجهاز إنذار مبكر للمجتمعات.


إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق