عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم نزيف الهامش نحو سبتة - بوابة المدينة برس

قراءة سوسيولوجية في أنوميا الشباب وتدفق القاصرين
تكتسي واقعة التدفق الجماعي للقاصرين والشباب نحو ثغر سبتة أهمية بالغة في أبحاث علم اجتماع الجريمة والانحراف، كونها تتجاوز حدود الظاهرة الهجرية التقليدية لتشكل مظهرا صارخا لاختلالات بنيوية عميقة في النسيج الاجتماعي والمؤسساتي. إن قراءة هذا الحدث نظريا تفرض الانطلاق من كون سلوك التدفق ليس مجرد مجازفة فردية أو خرق قانوني عابر للمنافذ الحدودية، بل هو تعبير عن حالة أنومية “Anomie” بامتياز، بالمفهوم الميرتوني، حيث يعيش هؤلاء الشباب تعارضا حادا بين التطلعات والتمثلات المعيارية للنجاح الاجتماعي من جهة، ومحدودية أو انسداد الوسائل المشروعة لتحقيقها من جهة أخرى، وهذا الانسداد الهيكلي يولد نوعا من التهميش المركب الذي يجعل من الهجرة غير النظامية، حتى وإن تمظهرت في قالب مجازفة غير محسوبة، شكلا من أشكال الابتكار الانحرافي أو التمرد الجمعي على واقع الانهزام التنموي.
تتداخل في تفكيك خلفيات هذه الظاهرة أبعاد متعددة، تبدأ من أزمة التنشئة الاجتماعية وتراجع الأدوار الوظيفية للمؤسسات الوسطى، كالأسر والمدارس والأندية الشبابية. فقد أدى تآكل رأس المال الاجتماعي داخل الفضاءات الحضرية الهامشية إلى بروز فجوات عميقة في إدماج الناشئة، مما أفسح المجال لظهور ثقافات فرعية للهامش يعاد فيها تعريف المخاطر والأنشطة الانحرافية بوصفها ممارسات إثبات ذات وبطولات رمزية، وما زاد من حدة هذا المعطى هو الدور المتعاظم لشبكات التواصل الاجتماعي، التي أضحت تلعب دور الوسيط التعبوي ومحفز العدوى الاجتماعية الرقمية.
إن التحشيد الرقمي لا يكتفي بنشر الرموز والتشجيع على الاقتحام الجماعي، بل يخلق فضاء افتراضيا موحدا يصنع الوعي الجمعي للشباب والقاصرين، ويخفض لديهم حدة الشعور بالخوف أو الانصياع للقواعد القانونية، متيحا لهم تحويل الفعل إلى طقس عبور رمزي يعيد ترتيب مكانتهم داخل جماعة الأقران.
تتجلى التمظهرات السوسيولوجية لهذا التدفق في التحول النوعي لبنية الفاعلين؛ حيث لم تعد الهجرة مقتصرة على فئات عمرية متمكنة أو ذات تجربة شاقة، بل اتسعت لتشمل القاصرين والأطفال الذين دفعهم الشغف بالهروب وتماهي التمثلات الرقمية إلى الانخراط في أفعال جماعية ذات طابع صدمي ومباشر. ويلاحظ هنا بروز نوع من تطبيع المخاطرة وشرعنة الخروج عن النظام العام، إذ يتحول السلوك الجماعي المندفع نحو الشريط الحدودي إلى شكل من أشكال التعبير عن الاحتجاج الاجتماعي اللاشعوري. إن الوقوف على تخوم الحدود لا يعبر عن الرغبة في العبور الجغرافي فحسب، بل يختزل الرغبة في القطيعة مع بيئة ينظر إليها الشباب على أنها طاردة ومجردة من آفاق الارتقاء الاجتماعي.
وتنعكس تداعيات هذه الواقعة على مستويات سوسيولوجية وأمنية متعددة وشديدة التعقيد، فمن جهة، يعزز هذا التدفق حالة الوصم الاجتماعي الموجهة ضد شباب المناطق الهامشية، مما يرسخ تمثلات أمنية اختزالية تتعامل مع هؤلاء القاصرين كتهديد أمني أو مشروع مجرمين مستقبليين بدلا من التعاطي معهم كضحايا لعدم التكافؤ الاجتماعي. ومن جهة أخرى، ينطوي انخراط القاصرين في هذه الممارسات على هشاشة سيكوسوسيولوجية تجعلهم عرضة للاستغلال من طرف شبكات الجريمة المنظمة، سواء في تجارة البشر، أو شبكات التهريب، أو الانزلاق نحو مسارات انحرافية أكثر خطورة في دول الاستقبال أو في مناطق العبور، كما يؤدي التركيز على مقاربات الضبط والأمن على حساب البعد الاجتماعي إلى تعميق فجوة الثقة بين الشباب والمؤسسات الرسمية، مما ينذر بإعادة إنتاج دورات جديدة من التوتر والانحراف الجمعي.
يتضح في الأخير أن واقعة سبتة ليست مجرد حدث أمني طارئ، بل هي جرس إنذار سوسيولوجي يكشف عن ضرورة إعادة التفكير في سياسات الإدماج والشباب، والانتقال من منطق إدارة الأزمات والضبط الحدي إلى مقاربة شمولية تعالج جذور التهميش، وتعيد الاعتبار لمؤسسات التنشئة الاجتماعية بما يضمن احتواء الطاقة الشبابية وبناء أفق أمل محلي يستوعب تطلعات المشهد السوسيولوجي المعاصر.
-باحث في سوسيولوجيا الجريمة والانحراف
النشرة الإخبارية
اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا
اشترك
يرجى التحقق من البريد الإلكتروني
لإتمام عملية الاشتراك .. اتبع الخطوات المذكورة في البريد الإلكتروني لتأكيد الاشتراك.
لا يمكن إضافة هذا البريد الإلكتروني إلى هذه القائمة. الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني مختلف.








0 تعليق