الكاتب فقيهاً وساحراً وشوّافاً - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الكاتب فقيهاً وساحراً وشوّافاً - بوابة المدينة برس

في الوظائف القديمة للكلمة وتحولاتها داخل المجتمع المغربي الكاتب بوصفه فقيهاً وساحراً وشوّافاً

قد يبدو الجمع بين الفقيه والساحر والشوّاف والكاتب ضرباً من العبث، فالأول يسند كلامه إلى النص الديني، والثاني إلى قوى خفية، والثالث إلى حدس يدّعي اختراق المستقبل، بينما يُفترض في الكاتب أن يستند إلى الخيال أو العقل أو ملاحظة الواقع. غير أن هذه الشخصيات، على اختلاف مشروعيتها ووسائلها، تشترك في وظيفة اجتماعية عميقة: إنها تتدخل حين يعجز الإنسان العادي عن تفسير ما يحدث له.

كان المجتمع التقليدي، مثل المجتمع الحديث، ممتلئاً بالغموض. يموت شخص بلا سبب ظاهر، تتأخر الأمطار، يتعطل الزواج، يمرض طفل، يظلم القائد رعيته، يحلم المرء حلماً مزعجاً فيحار في تفسيره. أمام هذا الغموض يريد الإنسان قصة تضعه داخل نظام مفهوم. هنا كان يظهر الفقيه والساحر والشوّاف: ثلاثة وكلاء للمعنى وإن اختلفت مصادر سلطتهم.

الفقيه: حارس النص ومهندس المعنى المشروع

لم يكن الفقيه المغربي القديم “المشارط” في الدوار مجرد متخصص في تبيان الحدود بين الحلال والحرام بحكم أنه حافظ كلام الله “قاري القرآن ومْذَهَّب الشيطان”. فقد كان كاتب الرسائل والعقود، وموثق الزواج والطلاق، والفيصل في النزاعات، ومعلم الأطفال و”مختنهم” أو مزيل قلفتهم، وحافظ الذاكرة المحلية، وخائط الجلابيب. وفي مناطق واسعة كان الشخص الوحيد الذي يمتلك مفاتيح القراءة والكتابة داخل مجتمع تغلب عليه الثقافة الشفوية.

كانت سلطة الفقيه تبدأ من امتلاكه اللغة التي يُعاد بها تنظيم الواقع. فهو يعرف من المصطلحات والأبواب الفقهية ما لا يعرفه عامة الناس، ويستطيع أن ينقل النزاع من حالته الشفهية المضطربة إلى صيغة مكتوبة ومعترف بها: يحوّل الوعد إلى التزام، والقرابة إلى حق في الإرث، والواقعة اليومية إلى قضية قابلة للحكم الشرعي.

لم يكن الفقيه يملك الأرض أو الجاه، لكنه كان يمتلك القدرة على تسمية الأشياء داخل نظام معترف به. لقد كان يمنح الواقع صورة مشروعة ومقبولة للشرح والفهم. فإذا وقع خلاف حول الماء أو الأرض أو الزواج، كان المطلوب منه أن يحدد تحت أي باب شرعي ينبغي إدراج الواقعة. وبمجرد وضعها داخل باب فقهي، تصبح الفوضى قابلة للحكم.

فإذا نشب خلاف حول ماء السقي، مثلًا، لم يكن الفقيه يكتفي بسماع أقوال المتنازعين، بل كان يحدد طبيعة النزاع: هل يتعلق بحق الانتفاع، أم بالملكية، أم بالضرر، أم بالعرف؟ وإذا وقع خلاف زوجي، كان عليه أن يقرر هل نحن أمام زواج صحيح، أم وعد بالزواج، أم طلاق، أم نفقة، أم إثبات نسب. وبمجرد أن يضع الواقعة تحت باب فقهي معين، تتوقف عن كونها فوضى من الأقوال والمشاعر، وتصبح قضية لها مفاهيمها وأدلتها وأحكامها الممكنة. لذلك لم يكن الفقيه يصف الواقع فقط، بل كان يشارك في تشكيله، لأن الاسم الذي يمنحه للواقعة يحدد طريقة فهمها، والحقوق الناتجة عنها، والمآل الذي يمكن أن تنتهي إليه.

هذه الوظيفة قريبة من وظيفة الكاتب الذي يختار للحياة أو الواقع، اسماً ونوعاً وسياقاً. فالكاتب بدوره لا ينقل الحياة كما هي، لأن الحياة لا تصل إلى النص في صورة محايدة أو مكتملة. إنه ينتقي من الوقائع، ويرتبها، ويختار لها أسماء وشخصيات وبدايات ونهايات، ثم يدرجها داخل نوع أدبي وسياق دلالي معين. فقد تكون الواقعة نفسها، في الحياة اليومية، مجرد علاقة بين رجل وامرأة، لكن الفقيه قد يراها زواجًا غير موثق أو خلوة أو نزاعًا حول النسب، بينما يصفها عالم النفس بأنها تعلق عاطفي، ويعيد الكاتب بناءها بوصفها قصة حب أو خيانة أو مأساة وجودية. قد تكون الواقعة الأصلية واحدة، لكن معناها وآثارها يتغيران تبعًا للغة التي تُروى بها والإطار الذي توضع داخله.

كان الفقيه محكوماً بحدود النص والتقليد والجماعة. لم يكن حراً في اختراع ما يشاء. قوته آتية من كونه يتكلم بوصفه ناقلاً لسلطة تتجاوزه. كان يقول، في ما يعنيه كلامه: “لست أنا الذي أحكم، بل النص”.

وهذه المسافة بين الشخص والكلمة هي سر قوته، كما أنها قد تكون وسيلته للتهرب من مسؤولية التأويل. أما الكاتب الحديث، فلا يستطيع الادعاء بأن النص يتكلم من خلاله بالمعنى نفسه، لكنه يلجأ أحياناً إلى بدائل حديثة: «التاريخ يقول»، «المجتمع يريد»، «العلم أثبت»، «روح الشعب تقتضي». وكأن الكاتب، بعدما فقد سلطة المقدس، يبحث عن مقدسات لغوية جديدة يتخفى خلفها.

ومع ذلك يلتقي الاثنان في سلطة اللغة: كلاهما يعيد ترتيب الواقع، ويحدد ما الذي ينبغي أن نراه فيه، ويحوّل التجربة المبعثرة إلى عالم يمكن شرحه وفهمه. فاللغة، لدى كليهما، ليست مرآة تعكس الواقع فحسب، بل أداة تمنحه شكله ومعناه.

الساحر يَعِد بتغيير الواقع بواسطة الرمز

إذا كان الفقيه يفسر العالم داخل نظام مشروع، فإن الساحر يَعِد بالتدخل في العالم من وراء النظام الظاهر. يقدم للشاب(ة) حكاية حول لماذا تأخر زواجه ويمنحه حجاباً يفك عقدته، يكتب ما يزعم أنه يفك العداوة، وما يزيل الغموض عن واقعة، إنه يمنح الوقائع عقدة وخيطاً وماءً وكلمات لتصبح مطمئنة.

تنبع سلطة الساحر من تحويل الرغبة إلى طلاسم وإجراءات تحاول فك اللغز وقد يستعين بعالم الجن والأرواح. يأتيه الشخص عاجزاً أمام الحب أو المرض أو الخصومة أو الإنجاب، فيمنحه فعلاً صغيراً يوهمه بأنه قابل للشفاء ولإزالة عقده: اكتب هذه الأسماء، ادفن هذه الورقة، أشعل هذا البخور، انتظر هذه الليلة، اذبح جديا أو ديكا أسود… قد لا يتغير الواقع حقا، لكن علاقة الشخص بعجزه تتغير، فقد أصبح يملك شيئاً يفعله، وله أمل في حل مشكلته أو عجزه.

والكاتب، من هذه الزاوية، قريب من الساحر أكثر مما يحب الاعتراف به. هو أيضاً يجمع علامات على ورق، يرتب كلمات لم تكن متجاورة، ثم يتوقع أن يقع شيء في نفس القارئ. لا يضع الحبر في الماء ولا يسبح في سبع موجات، لكنه يضع الجملة في الوعي الجمعي. يكتب رواية تجعل قارئاً يحب امرأة لم توجد قط. ولا يزعم عادةً أنه يُشفي، لكنه ينتظر من نصه أن يبدل نظرة الإنسان إلى ألمه.

حتى اللغة التي تحيط بالكتابة تحتفظ بأثر السحر: نقول إن النص “أسرنا”، وإن الرواية “سحرتنا”، وإن الكاتب “نفث” في الكلمات حياة، وإن القصيدة “تعويذة”. الأمر لا يتعلق بتواشج مجاز، إنه اعتراف بأن إيقاع اللغة وصورها قد يصلان إلى مناطق لا تبلغها الحجة العقلية.. غير أن الفارق الأخلاقي حاسم. يقدم الساحر رمزه بوصفه قوة فعلية ويطلب الإيمان بفاعليته، بينما يعرف الكاتب أن سلطته قائمة على اتفاق جمالي: القارئ يعرف أنه يدخل عالماً مصنوعاً، لكنه يقبل أن يتأثر به.

وأود أن أستطرد هنا بالعودة إلى ربط الكتابة الإبداعية والقرآن نفسه بالسحر لقد ارتبط الشعر في المخيال العربي القديم بعالم الجن، لأن القدرة الشعرية الاستثنائية بدت موهبة تتجاوز طاقة الإنسان العادي. ومن هنا شاع وصف الشاعر بأنه ملهم، وأن القصيدة تأتيه من قوة خفية تسكن عالمًا غير عالم البشر. تجسد في وادي عبقر الذي نُسبت إليه منابع الإلهام الشعري. وكان يُقال إن الشعراء يستمدون منه قدرتهم، وإن لكل شاعر شيطانًا يصاحبه ويعينه على نظم الشعر. ولهذا أصبحت كلمة “عبقري” في أصل استعمالها نِسبةً إلى ذلك المكان العجيب المنسوب إلى الجن، ثم تطور معناها لتدل على الإنسان شديد الذكاء، الفائق في الإبداع، كأن قدرته ليست بشرية مألوفة.

كان الجنيّ يؤدي وظيفة رمزية: إنه الاسم الذي أطلقه القدماء على اللحظة الغامضة التي يشعر فيها الشاعر بأن الكلام يأتيه من مكان آخر. ومن هنا نشأ تصور «التابع» الذي يهمس في أذن الشاعر ويمنحه الوزن والصورة والقافية. لم يعد الجني مجرد معتقد شعبي، لقد أصبح شخصية أدبية تمثل مصدر الإلهام والسلطة التي تمنح الشاعر شرعيته.

وحين نزل القرآن في صورة قول عربي يُتلى ويُسمع، واجهته قريش انطلاقًا من التصنيفات التي كانت مألوفة لديها لتفسير الكلام الاستثنائي. فلما عجزت عن إدراجه في الكلام العادي، حاولت أن تنزع عنه صفته الوحيية بإلحاقه بأنماط معروفة، فقالت: إنه شعر، أو سحر، أو كهانة أو حديث يمليه الجن. في محاولة لإلغاء فرادة القرآن وردّه إلى مصادر بشرية أو خفية يعرفها المجتمع ويمكنه احتواؤها.

وقد دافع الخطاب القرآني عن مصدره بتمييز نفسه، فنفى عن النبي صفة الشاعر والكاهن: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، وتتضح أهمية هذا الدفاع إذا ربطناه بسلطة التسمية. فالنزاع كان حول جمال الكلام وحول الاسم الذي ينبغي أن يُعطى له، ومن ثم حول مصدر سلطته. فإذا سُمّي شعرًا أصبح محمد شاعرًا، وإذا سُمّي سحرًا أصبح تأثيره قائمًا على الخداع، وإذا سُمّي كهانة أمكن نسبته إلى اتصال بالجن، أما إذا اعتُرف به وحيًا، فإن مصدره يصبح إلهيًا وتتحول تلاوته من أداء لغوي إلى تبليغ، وتتحول أحكامه من أقوال قابلة للمنافسة إلى خطاب يطالب بالطاعة والإيمان.

واللافت أن القرآن يستخدم اللغة التي يستخدمها الشعراء، لكنه يعيد ترتيب العلاقة بين اللغة ومصدرها. فالشاعر، بحسب المخيال القديم، يتلقى كلامه من شيطان أو تابع، أما النبي فيتلقى القرآن من الله عن طريق الوحي. ولهذا يميّز القرآن بوضوح بين التنزيلين: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، ثم يفصل بين مقام النبوة ومقام الشعراء بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، قبل أن يستثني الشعراء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

الشوّاف: من يمنح العقد حبكة

أما الشوّاف، فهو متخصص في المستقبل أو بالأحرى في قلق الإنسان من المستقبل. ينظر في الكف أو كتف الشياه أو الفنجان أو الودع أو الورق، ثم يحول العلامات المبعثرة إلى سردية: طريق طويل، امرأة حسودة، رجل يحمل خبراً، مال متأخر، سفر جديد، باب سيفتح…

تكمن براعة الشوّاف في أنه لا يقدم عادةً معلومات دقيقة قابلة للتكذيب الفوري، يقدم صوراً مرنة يستطيع الزبون أن يملأها بتجربته. كل إنسان تقريباً ينتظر خبراً، ويخشى حسداً، ويحمل أملاً في باب مغلق. والشوّاف يقرأ حاجة الجالس أمامه إلى قصة تمنحه احتمالاً لحل عقده.

وفي هذا يشبه بعض الكتّاب والمثقفين المعاصرين الذين يتنبؤون في كل أزمة بميلاد مغرب جديد، أو بانهيار وشيك، أو بثورة قيم، أو بنهاية جيل وبداية آخر. تتغير أوراق الشوّاف، لكن اللغة تبقى: علامات، منعطفات، أبواب، مستقبل غامض يحتاج إلى مترجم.

لقد انتقلت “الشوافة” في العصر الحديث من الغرفة المعتمة إلى الاستوديو والمنصة الرقمية، وأصبح لدينا شوّاف اقتصادي يقرأ سعر النفط، وشوّاف انتخابي يقرأ المزاج الشعبي، وشوّاف ثقافي يعلن موت الرواية أو عودة الشعر. وشواف رياضي يتنبأ بالفوز والهزيمة… الفرق أنه استُبدل الودع والفنجان والورق… بالاستطلاع، والبخور بالرسم البياني، والجملة الغامضة بالمصطلح الأجنبي. وقد تكون الأدوات العلمية حقيقية، لكن طريقة استخدامها قد تعيد الوظيفة القديمة نفسها: منح اليقين لمن يخاف من المجهول.

يختلف الكاتب الجاد عن الشوّاف لأنه لا يبيع المستقبل بوصفه خبراً مؤكداً، إنه يكشف الاحتمالات التي تختبئ في الحاضر. يجعل القارئ يرى ما قد يقع إذا استمرت القوى الحالية في مسارها.

الكاتب المغربي ووراثة الوظائف الثلاث

ظهر الكاتب الحديث في المغرب داخل مجتمع لم تختف فيه الوظائف القديمة، لقد أعادت توزيع نفسها. حيث خسر الفقيه جانباً من احتكاره للكتابة بسبب المدرسة والإدارة والصحافة، وتراجع الساحر أمام الطب الحديث من دون أن يختفي، وانتقلت الشوافة إلى الإعلام والسياسة وشبكات التواصل. أما الكاتب فوجد نفسه وارثاً متردداً لهذه السلطات كلها.

من الفقيه ورث مكانة صاحب القلم. ما يزال المغربي يقول عن المثقف إنه «رجل كتابة»، وينتظر منه أن يصوغ العرائض والرسائل والبيانات وأن يتدخل في القضايا العامة. وفي القرية كما في الحي الشعبي، ظل المتعلم يؤدي وظيفة الكاتب العمومي: يترجم آلام الناس إلى لغة تستطيع الإدارة فهمها. والكاتب الأدبي نفسه يفعل شيئاً قريباً حين يحول التجربة الصامتة إلى خطاب مرئي.

ومن الساحر ورث الإغراء باللغة. فالكاتب يريد أن يكون نافذاً، وأن يجعل كلماته تفعل في القارئ فعل السحر، لذلك نقول إن العنوان وباقي النصوص الموازية هي تميمة لجذب انتباه القارئ. وقد يتحول الكتاب عنده إلى حجاب ضد النسيان: يكتب كي يمنع موت شخص أو مدينة أو زمن. إنه يعرف أن الموت سيقع، لكنه يحاول أن يسحب منه احتكار السلطة.

ومن الشوّاف ورث النظر إلى ما وراء الظاهر. يرى الناس زحاماً في محطة، فيرى الكاتب طبقات كاملة من صور الخوف وأحلام الهجرة وأوجاع الانتظار. يرى الناس مقهى، فيما يراه مهرجانا لصور إنسانية حالمة أو معطوبة، يائسة أو متطلعة. يرى مسؤولاً يصمت، فيقرأ في صمته بنية السلطة. إنه لا يتنبأ بالغيب، لكنه يستخرج من التفاصيل مستقبلاً كامناً.

الكاتب وسوق البركة الرمزية

في المجتمع المغربي، لا تُطلب من الكاتب الكتابة وحدها. يُطلب منه التوقيع على بيان، وتقديم كتاب صديق، وكتابة كلمة في تأبين، ومنح الشرعية لمهرجان، والدفاع عن قضية، والتوسط لدى مؤسسة. يصبح اسمه نوعاً من البركة الرمزية التي توضع فوق المشاريع كما يوضع خاتم الفقيه على الوثيقة.

وهنا قد ينقلب الكاتب إلى فقيه قبيلة ثقافية. يصدر الأحكام، ويوزع صكوك الحداثة والرجعية، ويقرر من هو روائي ومن ليس روائياً، ويبارك كتب الأصدقاء ويحرم كتب الخصوم. تتغير المصطلحات، لكن البنية القديمة تبقى: جماعة تحتاج إلى صاحب سلطة يقول لها ما هو مشروع وما هو خارج الجماعة.

وقد ينقلب إلى ساحر علاقات عامة. يكتب مقدمة تجعل الكتاب المتوسط «منعطفاً في تاريخ السرد»، وينفخ في نص عادي حتى يبدو حدثاً كونياً. بحيث تصبح البلاغة أشبه بالبخور، والمجاملة أقرب إلى الحجاب، والندوة طقساً جماعياً لإقناع الحاضرين بأن المعجزة وقعت.

وقد ينقلب إلى شوّاف تلفزيوني، يُستدعى للتعليق على كل شيء: الانتخابات والجفاف وكرة القدم والعلاقات الدولية والذكاء الاصطناعي… وما دام يحمل صفة “كاتب”، يُفترض أنه يرى ما لا يراه الآخرون. فإذا اعترف بأنه لا يعرف، بدا أقل حكمة.. لذلك يغريه المقام بأن يتنبأ، ثم ينسى الجمهور نبوءاته السابقة كما ينسى زبون الشوّاف ما لم يتحقق.

الفرق بين صناعة المعنى واحتكار الحقيقة

ما يجمع الفقيه والساحر والشوّاف والكاتب هو العمل داخل هشاشة الإنسان أمام المجهول. كل واحد يقدم سردية، ويمنح اسماً للهشاشات الإنسانية وللوقائع الغامضة، ويربط الحوادث المتفرقة بنظام. لكن الاختلاف يقع في علاقة كل منهم بالحقيقة.

الفقيه يرد المعنى إلى نص مرجعي، والساحر يزعم امتلاك قوة خفية، والشوّاف يدعي معرفة ما لم يقع.. أما الكاتب فلا تكون له شرعية إلا إذا اعترف بأن ما يقدمه بناء وتأويل واحتمال. قوته ليست في امتلاك الحقيقة، ولكن في توسيع المجال الذي يمكن أن تظهر فيه حقائق متعددة.

الكاتب الذي ينسى هذا الحد يصبح أخطر من أسلافه، لأن الساحر يعمل في دائرة صغيرة، بينما يستطيع الكاتب، عبر الصحافة والمنصة الرقمية، أن يوزع الوهم على جمهور واسع. وقد يكون السحر الحديث أكثر فاعلية لأنه يقدم نفسه باعتباره تحليلاً أو خبراً أو علماً.

الكتابة بوصفها فكاً للسحر

تبلغ الكتابة قيمتها العليا عندما تفك السحر الذي تمارسه السلطة والعادة واللغة الجاهزة. فالسلطة تشرعن القمع باعتباره حفاظاً على النظام، والسوق يجمل الاستغلال ويلينه بوسمه فرصة، والجماعة تسمي الخوف إجماعاً. فيأتي الكاتب ليفصل الكلمة عن القناع الذي أُلصق بها. وظيفته أن يكشف الخيوط التي صُنعت منها الحجب القديمة. وليس أن يخبر الناس بما سيقع، وظيفته أن يحررهم من الذين يحتكرون تفسير ما وقع وما سيقع. وليس أن يكون فقيهاً يصدر الحكم الأخير، ولكن أن يعيد فتح القضية كلما أغلقتها لغة اليقين.

في السياق المغربي، يظل الكاتب قريباً من الفقيه والساحر والشوّاف لأن المجتمع ما يزال يمنح للكلمة قوة تتجاوز مضمونها. غير أن حداثة الكاتب تقاس بوعيه بما ورثه عنها وبقدرته على مقاومة إغراء سلطتها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق