العقار والأمن القانوني - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم العقار والأمن القانوني - بوابة المدينة برس

نحو تعزيز الأمن القانوني في التصرفات العقارية في ضوء القانون رقم 041.25

يحتل العقار مكانة محورية في المنظومة القانونية والاقتصادية، بالنظر إلى ارتباطه الوثيق بالحق في الملكية، وتحقيق الأمن التعاقدي، وتشجيع الاستثمار. لذلك، لم تعد القواعد المنظمة للتصرفات العقارية مجرد أحكام شكلية، وإنما أصبحت إحدى الدعائم الأساسية للأمن القانوني، باعتبارها تضمن استقرار المراكز القانونية وتحول دون نشوء المنازعات التي تمس الملكية العقارية.

وقد اعتمد المشرع المغربي، بموجب المادة الرابعة من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، نظاما يقوم على الازدواجية، يسمح بتحرير التصرفات العقارية إما في محرر رسمي، أو في محرر ثابت التاريخ يحرره محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض. غير أن الممارسة العملية أفرزت مجموعة من الإشكالات المرتبطة بتفاوت الضمانات القانونية بين المحررين، وباستمرار المنازعات العقارية وجرائم الاستيلاء على العقارات، الأمر الذي دفع المشرع إلى مراجعة هذا الاختيار.

وفي هذا الإطار، جاء به القانون رقم 041.25 ليؤسس لتحول تشريعي مهم، يقوم على تكريس إجبارية المحرر الرسمي بالنسبة للتصرفات المتعلقة بالعقار والحقوق العينية، مع إلغاء مبدأ الاختيارية الذي كان معمولا به، وذلك في إطار سياسة تشريعية تروم الرفع من مستوى الأمن القانوني والتوثيقي.

وانطلاقا من ذلك يثار التساؤل إلى أي حد يسهم القانون رقم 041.25 في تحقيق الأمن القانوني من خلال إقرار إلزامية المحرر الرسمي؟ وهل يشكل هذا التوجه إصلاحا تشريعيا كافيا لضمان استقرار المعاملات العقارية؟

المحور الأول: مبررات إقرار إجبارية المحرر الرسمي في ضوء القانون رقم 041.25

يعكس القانون رقم 041.25 توجها تشريعيا واضحا نحو إعادة بناء منظومة التوثيق العقاري على أساس الرسمية، باعتبارها أكثر الوسائل قدرة على حماية الحقوق وضمان استقرار المعاملات. فالمشرع لم يعد ينظر إلى المحرر الرسمي باعتباره مجرد وسيلة للإثبات، وإنما باعتباره آلية وقائية تسبق نشوء النزاع، وتحقق رقابة قانونية على مختلف مراحل إبرام التصرف.

وتتجلى أهمية المحرر الرسمي في كونه يضمن التحقق من أهلية الأطراف، وسلامة الوثائق، وصحة سند الملكية، واحترام القيود القانونية والإدارية، الأمر الذي يقلل من احتمالات الطعن في التصرفات العقارية، ويحد من مخاطر التزوير أو انتحال الهوية أو التصرف في ملك الغير.

كما أن توحيد شكلية التصرفات العقارية من شأنه أن يعزز الثقة في السوق العقارية، ويوفر بيئة قانونية مستقرة للمستثمرين، خاصة أن الاستثمار العقاري يقوم أساسا على وضوح الملكية وقوة الحجية القانونية للعقود.

ومن جهة أخرى، ينسجم هذا التوجه مع السياسة التشريعية الحديثة الرامية إلى رقمنة خدمات التوثيق والمحافظة العقارية، إذ إن توحيد المحررات الرسمية يسهل بناء منظومة رقمية متكاملة تقوم على تبادل المعطيات الموثوقة، وتحد من الأخطاء والإشكالات التي كانت تطرحها ازدواجية المحررات.

وعليه، فإن القانون رقم 041.25 لا يمثل مجرد تعديل للمادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية، وإنما يعكس انتقالا من فلسفة تقوم على حرية اختيار شكل المحرر إلى فلسفة جديدة تجعل الرسمية ضمانة لتحقيق الأمن القانوني والاقتصادي.

المحور الثاني: حدود الإصلاح التشريعي وآفاق تكريس الأمن القانوني في التصرفات العقارية

على الرغم من الأهمية التي يكتسيها القانون رقم 041.25، فإن نجاحه يظل رهينا بمدى قدرته على تجاوز الإشكالات العملية التي قد تثار عند التطبيق.

فإقرار إجبارية المحرر الرسمي قد يثير تساؤلات تتعلق بسهولة الولوج إلى خدمات التوثيق، خاصة بالمناطق التي تعرف خصاصا في الموثقين أو العدول، كما قد يترتب عنه ارتفاع نسبي في تكاليف التوثيق بالنسبة لبعض الفئات، وهو ما يستوجب مواكبة الإصلاح بإجراءات تنظيمية ومؤسساتية تضمن تقريب خدمات التوثيق من المواطنين.

كما أن تحقيق الأمن القانوني لا يرتبط بالشكلية وحدها، وإنما يقتضي كذلك تطوير منظومة المحافظة العقارية، وتسريع الرقمنة، وربط مختلف المتدخلين في العملية العقارية بمنصات إلكترونية موحدة، وتعزيز آليات الرقابة والتكوين المستمر لمهنيي التوثيق.

ومن زاوية أخرى، فإن تكريس الرسمية ينبغي أن يوازيه تحديث المنظومة الزجرية الخاصة بجرائم التزوير والاستيلاء على العقارات، حتى تكتمل الحماية القانونية للعقار من جميع جوانبها، سواء على المستوى الوقائي أو الجزائي.

لذلك فإن القانون رقم 041.25 يشكل خطوة مهمة في مسار إصلاح المنظومة العقارية، غير أن فعاليته ستظل مرتبطة بإصلاح مؤسسات التوثيق، وتبسيط الإجراءات، وضمان التوازن بين متطلبات الأمن القانوني ومبدأ الولوج السهل إلى الخدمات القانونية.

خاتمة

يمثل القانون رقم 041.25 محطة مفصلية في تطور التشريع العقاري المغربي، إذ يعبر عن انتقال واضح من نظام يقوم على ازدواجية المحررات إلى نظام يجعل المحرر الرسمي الأداة القانونية الوحيدة لإبرام التصرفات العقارية. ويؤكد هذا الاختيار أن المشرع أصبح يعتبر الأمن القانوني قيمة دستورية وتنموية تستوجب إحاطة الملكية العقارية بأقصى درجات الحماية.

غير أن نجاح هذا الإصلاح لن يتحقق بمجرد تعديل النصوص القانونية، وإنما يتطلب رؤية شمولية تقوم على تحديث مهن التوثيق، وتعميم الرقمنة، وتعزيز الرقابة، وتقريب الخدمات من المواطنين، حتى تصبح الرسمية أداة لتحقيق العدالة التعاقدية، ودعامة للاستثمار، وآلية لترسيخ الثقة في المعاملات العقارية.

-أستاذ باحث بجامعة مولاي اسماعيل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق