في مغربية سبتة - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم في مغربية سبتة - بوابة المدينة برس

سلامٌ على سبْتَةَ المغْرِبِ …..أُخيَّة مكّة أو يثْرِبِ (مالك بن المرحل)

عاد النقاش السياسي مؤخرا حول احتلال سبتة بعد حادث الإغراق بالمهاجرين الأفارقة ، وفي منصات التواصل الاجتماعي وعبر الصحف ظهرت آراء الإسبان المدعية لكون المدينة كانت دائما إسبانية قبل “وجود المغرب” وتجرأ قس بامبلونا الكاثوليكي في خرجة بهلوانية على الدعوة إلى احتلال المغرب وتنصيره كاملا ! ولم يدخر الجنرالات المتقاعدون جهدا في الدعوة إلى إنزال عسكري كبير بالمدينة وتطويقها عسكريا مع ضمها إلى فضاء شنغن الأوروبي كي تصير تحت الحماية العسكرية القارية.

دعوات تعكس المسكوت عنه: شعور داخلي بأن المدينة ليست إسبانية وبأن الاحتلال مهما طال لا يغير من حقيقته شيئا، كما تفتقر قطعا إلى التمحيص التاريخي وتنطلق من شعور وطني زائف، فتحاول تشويه التاريخ والإيهام بأن المدينة نشأت عام 1640 ، سنة انضمام البرتغال إلى إسبانيا تحت حكم عرش موحّد ومن ثمة دخول سبتة، فيكفي الرجوع إلى أي مصدر تاريخي أوروبي لمعرفة متى بدأت الدولة المغربية الأمة، ويكفي الرجوع للمصادر التاريخية مغربية ومشرقية وأوروبية لمعرفة تاريخ المدينة، كما يكفي التأمل في معمار وطوبونيميا المدينة وتاريخها السياسي لإدراك تهافت الدعوات الإسبانية الشعبوية!

يشير كل من تاريخ وطوبونيميا وديمغرافية سبتة قديما إلى شيء واحد فقط: أنها مدينة مغربية لغة ودينا وجغرافيا وتاريخا وبشرا، كتب أبو عبيد الله البكري في “المسالك والممالك” عن تركيبة سبتة الديموغرافية قائلا “وأهلها عرَبٌ وبرْبَرٌ” في إشارة لخلوها من العنصر المسيحي الأوروبي قبل الغزو الصليبي، ويكفي أن ينسب إليها علماء مغاربة تركوا تأثيرا كبيرا سواء في الثقافة الناطقة بالعربية والأمازيغية أو في الثقافة العالمية، أمثال الشريف الإدريسي السبتي صاحب أول خريطة للعالم ومؤلف كتاب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” الذي يفرد فيه الأصل المغربي لتسمية المدينة عكس من يردون تسميتها إلى اللاتينية، يقول:

“ومدينة سبتة سميت بهذا الاسم لأنها جزيرة منقطعة والبحر يطيف بها من جميع جهاتها إلا من ناحية المغرب” (ص528) على أساس معنى “السُّبات” وهو الانقطاع والسكون كقول القرآن “وجعلنا نومكم سُباتا” أي انقطاعا، بالإضافة إلى أبي العباس السبتي الصوفي الشهير والقاضي عياض الذي أرخ للحياة العلمية والدينية في المدينة بذكر مئات العلماء والفقهاء الذين تتلمذ على أيديهم في سبتة في كتابيه “الغُنِيّة” و”ترتيب المدارك وتقريب المسالك” الذي رصد فيه بعضا من فقهاء المذهب المالكي بالمدينة، حيث يشير انتشار المذهب بالمدينة إلى تبعيتها الفقهية لما كان عليه الشأن الديني بالمغرب كاملا: أشعرية العقيدة ومالكية المذهب الفقهي.

وفي كتاب “اختصار الأخبار عما كان بثغر سبتة من سني الآثار ” لمحمد بن القاسم الأنصاري السبتي (توفي 825 هجرية المقابل ل1422 ميلادية سنوات بعد سقوط سبتة في أيدي البرتغال) يشير الأديب المؤرخ إلى كونها ضمت في العصر المريني أكثر من ألف مسجد أشهرها المسجد الجامع العتيق، واثنين وستين خزانة علمية (مكتبة) وواحدا وخمسين زاوية صوفية إسلامية، كما يحيل على أسماء الأزقة والأحياء مثل : حي أيمن (خندق الدجاج)- زقاق ابن عيسي (نسبة إلى القاضي محمد التميمي) – زقاق القاضي عياض – زقاق أبي العباس السبتي (العزفي)- باب الزلاقة (تخليدا للمعركة التاريخية) ..ويخبر عن وجود اثنين وعشرين حماما مبرزا، حمامات بلدية على الطريقة المغربية، ومائة وأربعين سوقا منها سوق العطارين (صنو العطارين بفاس) وسوق السقاطين… بالإضافة إلى سقايات عمومية على الطريقة المغربية، بلغ عددها خمسا وعشرين وأفرانا تقليدية جماعية جاوزت الثلاثمائة، ويطيل في ذكر المعالم والبنايات والمؤسسات العامة والخاصة تجارية وعسكرية ودينية، يهم منها ما هو ذو طابع مغربي خالص: المساجد والحمامات البلدية التي لا يمكن بأي حال أن تكون من أصل أوروبي لغياب ثقافة الحمامات الجماعية في أوروبا ساعتها (الصورة المرفقة) ، بالإضافة إلى الزوايا الصوفية والمدارس العتيقة والكتاتيب الدينية والأسواق والأبواب التاريخية للمدينة التي بناها عبد الرحمان الناصر لدين الله كما ذكر البكري ،وأفران الأحياء والمقابر والمصَلّيات التي بلغ عددها ستة في عهد المرينيين.

لقد واجه البرتغاليون والإسبان لاحقا (بدءا من 1640) الطوبونيميا والمعمار المغربيين باستراتيجية المحو والاستبدال، حيث تم تغيير المساجد إلى كنائس وإعادة تسمية الساحات والأزقة والمدارس و وبناء كنائس جديدة، وأول تلك الاستبدالات هدم الجامع القديم أشهر معالم المدينة وبناء كنيسة “كاتدرائية سبتة” مكانه في تعبير واضح على محو السردية الدينية والمعمار المخصوص للمدينة، حيث شكل الجامع الأعظم (جامع سبتة الكبير) أهم معلمة في المدينة عبر تاريخها، فبمجرد دخول الملك البرتغالي إلى المدينة تم وضع الصلبان داخل المسجد وتهديم محرابه وتحويله إلى كنيسة ستعرف شكلها النهائي في ترميم القرن السابع عشر Catedral de Santa María de la Asunción de Ceuta.

والناظر إلى أسماء الأحياء حاليا سيجد تسمية وحيدة أو اثنين فقط ترتبط بالماضي المغربي مثل حي “المور El morro” أما البقية فترتبط بأسماء ملوك وأمراء إسبان وبرتغال أو رجال دين مسيحيين (San josé – Elprincipe Alfonso- El centro- Bennzo – El sarchal…) كما أن إحلال الأسر المسيحية العسكرية والدينية بالمدينة شكل الجزء الأهم لتغيير طابعها الديمغرافي، مع العلم أنها إلى حدود توقيع اتفاق “لشبونة” كانت تضم أسرا مغربية أمازيغية وعربية كثيرة، لكن الإسبان مارسوا لاحقا ضغطا كبيرا على الأسر رغبة في تمسيحها من خلال التضييق التجاري ومنع الوصول إلى الخدمات، الأمر الذي تغير نسبيا بدءا من القرن العشرين، حيث تم بناء بعض المساجد والسماح بالحريات الدينية للمغاربة المتبقين بالمدينة، لكن في حدود معينة.

وإذا كانت دعاوي الإسبان مفهومة، لكونها مرتبطة بسيطرتهم على المدينة واعتبارها مجالهم الحيوي ونقطة السيطرة على مضيق جبل طارق الحيوي للتجارة العالمية، فإن غير المفهوم هو أصوات بعض “المغاربة” التي انطلقت من النقد السياسي لواقع المغرب الحالي لتربط بشكل عجيب وغير منطقي واقع اليوم بتزييف تاريخ المدينة وإنكار مغربيتها، إذ لم يفوت بعض اليساريين والإسلاميين المعارضين لنظام الحكم الفرصة للادعاء بأن المدينة ظلت تاريخيا مسيحية ولم يطالب بها السلاطين العلويون إطلاقا، وهو تدليس تاريخي آخر، إذ يكفي مراجعة التاريخ لمعرفة أن السلطة المغربية حاولت في أكثر من مرة استرجاع المدينة، لكن تحالفات الجيوش الأوروبية كانت تحول دون ذلك، وأشهر محاولة كانت محاصرة الإمبراطور مولاي اسماعيل سبتة لمدة ثلاث وثلاثين سنة كاملة من 1694 إلى 1727م، وفي حصاره جرب كل الطرق الممكنة عسكرية ودبلوماسية لاسترجاع المدينة، نجده مثلا كتب إلى البرلمان الإنجليزي يطالب إنجلترا بالمساهمة في إرجاع سبتة وعدم مساعدة الإسبان لأن بينه وبين إنجلترا معاهدة ومهادنة:

“وأما اليوم فقد عرفتم وتحققتهم أننا محاصرون لسبتة ومضيقون عليها أشد الضيق وما فيها من الأجناس إلا جنس الإسبنيول الذين أنتم تحاربونهم اليوم، فإذا أنتم لم تنفعونا في هذه المهادنة بخلاء سبتة في هذا الوقت ففي أي وقت تنفعنا المهادنة معكم؟” ..”وسبتة ما حاصرناها إلا لمجاورتنا إياها وقربها منا وكونها جاءت في عَدْوَتِنا وفي برّنا وهي معروفة من قديم الزمان للإسلام”.

وفي رسالة من السلطان مولاي عبد الرحمان لعامله على إقليم الشمال، يطالب السلطان بتشديد الحراسة على حدود سبتة والتأهب لحرب غادرة من الإسبان، وذلك بعد أن أطلق حاكم سبتة صراح المساجين والمجرمين ليتجهوا نحو حدود سبتة ويعمروها، ويمكن ملاحظة التشابه بين استراتيجية حاكم سبتة ساعتها واستراتيجية حكومة إسبانيا حاليا، فإسبانيا حالية أطلقت صراح المساجين وذوي السوابق والنيونازيين وأدخلتهم المدينة كما فعل أسلافها المحتلين لتخويف وترهيب المغاربة الذين قد يفكرون في التضامن مع أبناء جلدتهم من جهة، ولرفع حرج التدخل العسكري والأمني الرسمي عن الدولة وفتح المجال للبلطجة “المدنية”، يقول المولى عبد الرحمان في نص الرسالة: “فقد وصلنا أن طاغية الإصبنيول وجهت جيشا كثيرا لعمارة سبتة وأخرجت منها ما كان عندهم بها من المساجين وأن العسّة بها من هذه الناحية ضعيفة جدا وقع فيها التراخي وقد أخبر من وقف عليها أنه لم يجد بها إلا أربعة أناس وهذا من التفريط وقلة الحزم. فبوصول كتابنا هذا إليك مُر بتكثير العسة في محالها المعلومة هنالك والتيقظ والحزم، فإنّ الكفار أهل غدر وخداع حتى إن كانوا يتساهلون فيما سلف فلا يتساهلون اليوم”.

لقد طالب المغاربة دوما بسبتة لكن ميزان القوى لم يكن يوما في صالحهم منذ سقوطها في يد البرتغال، فمن التحالفات المسيحية إلى نشأة الاتحاد الأوروبي ظل ميزان القوة دائما يميل لصالح إسبانيا، ومعاهدة تطوان 1860 لم تكن في الواقع سوى تكريس لاختلال ميزان القوى وبداية نشوء الأطماع الاستعمارية، ومن يرجعون إليها ليقروا من خلالها “استسلام” المغرب و”تخليه” عن أرضه لا يفعلون سوى إخراج نصوص المعاهدة من سياقها التاريخي والعسكري في تجاهل تام لفرض لغة القوة من قبل الأوروبيين على مغرب ضعيف مفكك ساعتها، بل إن لغة الاستقواء لازالت إلى يومنا هذا قائمة، فأول ما فعله الإسبان هو اللجوء إلى البرلمان الأوروبي للإدانة والتذكير بأن جيش أوروبا العلمانية يمكن أن يحل بسهولة مكان الجيش الصليبي في حال أراد المغرب استرجاع أرضه.

في ظل تهافت الطرح الإسباني الشعبوي وخيانة بعض الإسلاميين واليساريين المغاربة، تقف الدولة المغربية موقف المراقب الحصيف، إذ تعمل بقول مولاي عبد الرحمان في رسالته: “فينبغي أن يلبس الإنسان لكل وقت ما يناسبه”، فلا السياق العسكري ولا السياسي ولا الوضع الداخلي المغربي يسمح حاليا بـأية خطوة حاسمة، لكن ذلك لا يمنع من التصدي لسرديتي المحتل والطابور الخامس.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق