بدون عنوان: اقتحام سبتة المحتلة يكشف الوجه الآخر للهجرة غير النظامية - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم بدون عنوان: اقتحام سبتة المحتلة يكشف الوجه الآخر للهجرة غير النظامية - بوابة المدينة برس

لم تكن الحدود الفاصلة بين مدينة الفنيدق وسبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة مجرد نقطة عبور، بل تحولت إلى مسرح لمشهد غير مسبوق في تاريخ الهجرة غير النظامية بالمغرب. آلاف الأشخاص، من مختلف الأعمار ومن مدن متباعدة، تدفقوا نحو المدينة المحتلة في محاولة جماعية لعبور الحدود، في مشاهد أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول أسباب الهجرة، وحدود المقاربة الأمنية، ودور شبكات الاتجار بالبشر، ومستقبل آلاف الشباب الذين لم يعودوا يرون في وطنهم أفقًا لتحقيق أحلامهم.

في ساعات قليلة تغير كل شيء. كان المشهد عاديا، قبل أن يقرر مئات، بل آلاف الأشخاص، التوجه نحو سبتة. لم يأتوا من المدن الشمالية فقط، بل من مختلف جهات المملكة، وكان بينهم شباب وقاصرون وأطفال ونساء وكبار في السن، جمعهم هدف واحد: الوصول إلى الضفة الأخرى.

داخل هذا الزحف الجماعي كانت القصص مختلفة، لكن الدافع واحد. أحد الشباب الذين حاولوا العبور قال إن الفكرة لم يكن مخططًا لها مسبقًا، موردا: “ذهبت مع فتيات، ولم تكن لدينا فكرة مسبقة. رأينا الناس يدخلون فقررنا أن ندخل معهم. لم يكن هناك شيء منظم، كان الجميع يدخل، رجالًا ونساءً”.

شاب آخر قدم من مدينة سطات، بعد رحلة طويلة كلفته نحو ألفي درهم، قال: “استقللنا سيارة أجرة إلى طنجة، ثم انتقلنا إلى تطوان ومنها إلى الفنيدق. جئنا وكلنا أمل في العبور، لأن هذه البلاد لم تعد توفر لنا ما نحتاج إليه. نعاني، ونناشد جلالة الملك محمد السادس أن يجد لنا حلاً”.

أما آخر فوصف رحلة شاقة انطلقت من مدينة فاس، قبل أن يصل إلى محيط الحدود، قائلاً إن ما شاهده كان صادمًا، وزاد: “وجدنا حافلات وسيارات محترقة، ومواجهات بين قوات الأمن ومواطنين، ثم دخلنا من إحدى النقاط الحدودية”، وأضاف: “أنا أشتغل، لكن راتبي لا يكفي. كيف يمكن أن تعيش براتب ثلاثة آلاف درهم، تؤدي منه الكراء وتؤمن باقي احتياجاتك؟ لا شيء يمكن أن يُفعل بهذا الدخل”.

أرقام متضاربة.. وأزمة إنسانية

وفق أول المعطيات التي أعلنتها حكومة سبتة المحلية فقد وصل نحو 1500 شخص إلى المدينة يوم 29 يوليوز، قبل أن تتضاعف الأعداد تدريجيا، لتتحدث السلطات المحلية عن نحو 60 ألف شخص، وهو رقم يعادل حوالي 70 في المائة من عدد سكان المدينة، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ إنسانية واجتماعية كاملة.

لكن وزارة الداخلية المغربية قدمت لاحقًا أرقامًا مغايرة، مؤكدة أن عدد من حاولوا العبور بلغ حوالي 40 ألف شخص في اتجاه سبتة، و1135 شخصًا نحو مليلية، مع تسجيل 11 حالة وفاة، مقابل أرقام أكبر أعلنتها السلطات الإسبانية.

مشاهد الموت

بعيدًا عن لغة الأرقام كانت روايات الناجين أكثر قسوة. أحد الذين حاولوا العبور قال: “عند دخولنا كنا نصطدم بعدد كبير من الجثث. أنا شخصيًا رأيت ثلاث جثث، بينما كان الناس يتحدثون عن أكثر من أربعين”، وأضاف آخر: “كان الناس يسبحون وسط البحر، ثم يجدون جثة أمامهم فيصطدمون بها مباشرة. إنه مشهد مؤلم لا يمكن وصفه”.

فيما روى شاب آخر تفاصيل أكثر إيلامًا، قائلاً: “وجدنا رجلاً متوفى وبطنه منتفخة، وبقي لساعات طويلة قبل أن تصل سيارة الإسعاف. إنه إنسان، وليس حيوانًا”.

بعيدًا عن البحر كانت هناك أم تقف وسط الحشود تبحث عن ابنها، تقول، وهي تغالب دموعها: “أبحث عن ابني. شباب هذا البلد ضائع. لا نجد ما نأكله. تحدث معي أمس ثم خرج صباحًا وقال لي: أمي سأعود”.

العودة.. بعد أن تبخر الحلم

لم يحقق كثيرون حلم الوصول إلى أوروبا، إذ انتهى الأمر بإعادتهم إلى المغرب في إطار اتفاق مغربي إسباني.

أحد العائدين وصف ما عاشه داخل سبتة قائلاً: “دخلنا أمس، لكننا خرجنا اليوم. لم نجد خبزًا ولا ماءً ولا أي شيء. بقينا جائعين، ثم اضطررنا إلى العودة. عشنا ساعات من الجوع والخوف، وتعرضنا للغاز المسيل للدموع”.

كما روى مهاجر سوداني مقيم بالمغرب تفاصيل محاولته العبور، قائلاً إنه تعرض للعنف على الحدود، ومؤكدًا أن هدفه كان الوصول إلى أوروبا بحثًا عن حياة كريمة.

وزارة الداخلية المغربية اعتبرت أن ما وقع لم يكن عفويا، بل جاء نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها استغلال الفضاء الرقمي لنشر معلومات مضللة، إضافة إلى نشاط شبكات الاتجار بالبشر، وتأويلات خاطئة لمعطيات قانونية أوهمت الراغبين في الهجرة بإمكانية دخول أوروبا دون تبعات قانونية.

المحامي عبد العزيز خليل أوضح أن اتفاقية التعاون بين المغرب وإسبانيا تسمح بإعادة الأشخاص الذين دخلوا التراب الإسباني بطريقة غير نظامية، مؤكدا أن الإرجاع يتم وفق إطار قانوني منظم، مع مراعاة بعض الضمانات التي يقرها القانون الدولي، خاصة بالنسبة للقاصرين الذين تتطلب أوضاعهم إجراءات خاصة في بعض الحالات.

هجرة أم انفلات جماعي؟

الأستاذ الباحث في سوسيولوجيا الهجرات الدولية المصطفى المريزق يرفض اختزال ما وقع في مجرد محاولة هجرة جماعية، ويفضل وصفه بـ”الانفلات الجماعي المجالي”، معتبرا أنه حدث مفاجئ وغير مسبوق، يختلف عن الهجرة التقليدية التي تسبقها استعدادات نفسية ومادية طويلة، ويرى أن ما حدث يمثل ناقوس خطر حقيقي، ويكشف عن احتقان اجتماعي عميق ينبغي التعامل معه بجدية.

من جانبه اعتبر عادل تشيكيطو، رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان، أن الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة تكمن في الإشكالات الاجتماعية، وعلى رأسها الشغل والتعليم والصحة، مشيرا إلى أن القاسم المشترك بين أغلب من خاطروا بحياتهم هو فقدان الثقة في المستقبل داخل وطنهم، داعيًا إلى معالجة الأسباب البنيوية بدل الاكتفاء بالمقاربة الأمنية.

تداعيات سياسية

ورغم حجم الأزمة يرى عبد الحميد البجوقي، الخبير في العلاقات المغربية الإسبانية، أن ما جرى لن يؤثر على الخيارات الإستراتيجية بين الرباط ومدريد، خاصة في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية أو التعاون الأمني والاقتصادي، وإن كان قد يؤدي إلى تأجيل بعض المشاريع المشتركة أو إبطاء وتيرتها.

انتهت أحداث سبتة، وعادت الحدود إلى هدوئها النسبي، لكن الأسئلة التي فجرتها مازالت معلقة: هل كان ما جرى مجرد موجة هجرة غير نظامية عابرة أم مؤشرًا على أزمة اجتماعية أعمق؟ وهل تكفي الإجراءات الأمنية وحدها لمنع تكرار المشهد، أم إن الأمر يتطلب سياسات تنموية تعيد للشباب الثقة في المستقبل داخل وطنهم؟.

" frameborder="0">

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق