عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم سبتة وصحة الملك ومستقبل العرش .. ماذا وراء سردية "ذي إيكونوميست"؟ - بوابة المدينة برس
لا تمنح عراقة المؤسسة الإعلامية ما تنشره حصانة من النقد، ولا تتحول المعلومة إلى حقيقة لمجرد صدورها عن صحيفة أو مجلة ذات تاريخ طويل ونفوذ واسع، بل يفترض أن يحدث العكس، فكلما ازدادت قوة الوسيلة الإعلامية واتسعت قدرتها على التأثير في الرأي العام والنخب السياسية والاقتصادية، ارتفع معها مستوى المسؤولية في التحقق والتدقيق والفصل بين الخبر والتفسير، وبين ما تثبته الوقائع وما يستنتجه الكاتب منها.
ولذلك فإن المكانة التي تحتلها مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية التي تشرف عليها الإعلامية سوزان “زاني” مينتون بيدوس لا تعفيها من الأسئلة المهنية التي يمكن توجيهها إلى أي مؤسسة صحافية أخرى، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمادة لا تناقش قرارا حكوميا عابرا، وإنما تنتقل من واقعة أمنية محددة إلى صورة أوسع عن دولة ورئيسها ومستقبل نظام الحكم فيها.
المقال الذي نشرته المجلة في الثامن من غشت الجاري حول المغرب والملك محمد السادس يثير هذا النوع من الأسئلة، لا لأن المغرب أو مؤسساته فوق النقد، فالحكومة والمؤسسات العمومية كلها موضوعات مشروعة للصحافة والتحليل والمساءلة، كما أن الصحافة الأجنبية ليست مطالبة بتقديم صورة إيجابية عن المملكة، وإنما لأن البناء الذي اختارته “ذي إيكونوميست” يدفع إلى التساؤل عن الحدود الفاصلة بين التحقيق الذي ينطلق من الوقائع بحثا عن نتيجة، والسردية التي تنطلق من نتيجة ثم تنتقي من الوقائع ما يجعلها قابلة للتصديق، وهذه المسافة الدقيقة هي التي تحدد في النهاية ما إذا كان القارئ أمام محاولة لفهم ما جرى، أم أمام محاولة لإقناعه بتفسير جرى اختياره سلفا.
فالتحقيق الصحافي لا يبدأ، في الأصل، بإجابة مغلقة، بل بفرضية قابلة لأن تثبت أو تسقط، والصحافي الذي يبحث عن الحقيقة لا يكتفي بالمصادر التي تؤكد حدسه الأول، وإنما يختبر روايته أمام الوقائع التي يمكن أن تناقضها، ويقبل بأن تقوده الأدلة إلى مكان مختلف عما تصوره عند البداية، في حين أن النتيجة حين تكون مقررة سلفا تغير وظيفة الوقائع نفسها، فلا تعود مادة لاكتشاف القصة وإنما تصبح مخزونا لاختيار القطع المناسبة لها.
وهنا تحديدا يبرز السؤال المركزي الذي يثيره مقال “ذي إيكونوميست”، هل قاد التحقيق المجلة من أحداث سبتة إلى الملك محمد السادس، أم أن صورة الملك كانت موجودة أولا، ثم جرى البحث في سبتة والصحة والحياة الخاصة وولي العهد والصحراء والعلاقات الدولية عما يكمل ملامحها؟
أحداث سبتة.. أسئلة بلا أجوبة
كان يمكن لأحداث سبتة في حد ذاتها أن تكون موضوع تحقيق استقصائي كبير، فحين تتحرك أعداد واسعة من الأشخاص في اتجاه منطقة حدودية شديدة الحساسية في توقيت متقارب، يفترض أن يبدأ البحث من إعادة بناء الساعات والأيام التي سبقت الحدث، من أطلق الدعوات الأولى، وكيف انتشرت، وما الحسابات والمنصات التي ساهمت في تضخيمها، ولماذا صدق هذا العدد من الشباب والمراهقين أن العبور أصبح ممكنا، وهل كان الأمر تفاعلا عفويا مع شائعة رقمية انتشرت بسرعة، أم أن شبكات أو جهات ساهمت في توسيع نطاقها، ثم ماذا كانت تعرف السلطات المغربية والإسبانية، وما الإشارات التي التقطتها أجهزتهما، وهل كانت هناك تحذيرات مبكرة، وكيف جرى التعامل معها، وما مستوى التنسيق بين جانبي الحدود قبل أن تتحول الحركة الرقمية إلى اندفاع بشري على الأرض.
هذه الأسئلة ليست هامشا في القصة وإنما هي جوهرها، لأن التحقيق في أزمة حدودية يبدأ من معرفة سلسلة الأسباب التي أنتجتها، غير أن “ذي إيكونوميست” لا تمكث طويلا عند هذه السلسلة، إذ تنتقل العدسة من سبتة إلى عيد العرش والبروتوكول وكبار المسؤولين، ثم من المسؤولين إلى القصر، ومن القصر إلى الملك محمد السادس، قبل أن تتسع الدائرة لتشمل صحته وحياته الخاصة وعلاقاته وولي العهد الأمير مولاي الحسن والصحراء والعلاقة مع الولايات المتحدة ودونالد ترامب، وعند هذه النقطة يصبح السؤال مشروعا حول الموضوع الحقيقي للمقال، هل كانت سبتة هي القضية التي أرادت المجلة تفسيرها، أم أنها شكلت مدخلا مناسبا إلى بورتريه سياسي وشخصي أوسع كان الملك محمد السادس هو موضوعه الفعلي؟
وتتجسد هذه المعضلة بصورة واضحة في العبارة التي توحي بأن مسؤولين كانوا منشغلين خلال مراسم عيد العرش بـ”الانحناء وتقبيل الأيدي” إلى درجة أنهم لم يكونوا يجيبون عن هواتفهم، وهي صورة شديدة الفاعلية من الناحية السردية لأنها تضع أمام القارئ مشهدا مكتملا في كلمات قليلة، أزمة تتشكل على الحدود، وهواتف ترن، ومسؤولون منشغلون بطقوس القصر، غير أن قوة الصورة لا تكفي لإثبات العلاقة بين عناصرها، ولذلك يصبح من الضروري معرفة من حاول الاتصال بهؤلاء المسؤولين، وفي أي ساعة، ومن كانوا تحديدا، وهل توجد سجلات للمكالمات أو شهادات مباشرة ومتقاطعة، ثم كيف ثبت أن عدم الرد، إن ثبت أصلا، كان نتيجة الانشغال بالمراسم وليس لسبب آخر.
المشكلة هنا لا تتعلق بالتفصيل وحده بقدر ما تتعلق بالقفزة من التزامن إلى السببية، فقد يكون مسؤول موجودا في مناسبة رسمية في اللحظة نفسها التي تقع فيها أزمة، غير أن تزامن الأمرين لا يثبت أن الأول تسبب في سوء إدارة الثاني، وإذا كانت المجلة تملك ما يثبت هذه العلاقة فإن توضيح طبيعة الأدلة، من دون ضرورة كشف هوية مصادرها السرية، كان سيجعل حجتها أكثر قوة، أما حين تبقى الصورة المثيرة ولا يعرف القارئ كيف جرى التحقق منها، فإنها تبدأ في أداء وظيفة تتجاوز نقل المعلومة إلى توجيه الانطباع، وهنا تحديدا تصبح الحدود بين التحقيق الصحافي والبناء السردي أكثر ضبابية.
كما أن الجانب الإسباني يظل ضروريا في أي بحث جاد في أزمة من هذا النوع، فسبتة توجد تحت الإدارة الإسبانية وأي حركة بشرية باتجاه حدودها تطرح بالضرورة أسئلة عن المعلومات التي كانت لدى الأجهزة الإسبانية، وما إذا كانت قد رصدت الدعوات المتداولة على شبكات التواصل، ومتى أدركت حجم الحركة المحتملة، وما مستوى استعداد قواتها، وكيف جرى التنسيق مع الجانب المغربي، وهل كانت هناك تحذيرات متبادلة، وما الأخطاء التي ربما وقعت على الجانب الآخر من الحدود، ولا يعني طرح هذه الأسئلة محاولة نقل المسؤولية من المغرب إلى إسبانيا، وإنما رفض تحديد المسؤول قبل إعادة بناء الوقائع، فقد يكون التقصير مغربيا أو إسبانيا أو مشتركا، وقد تكون الأزمة أكبر من قدرة الطرفين على توقعها، لكن التحقيق وحده هو الذي ينبغي أن يقود إلى إحدى هذه النتائج.
صحة الملك ومستقبل العرش..
بعد ذلك تتسع المادة على نحو يجعل سبتة نفسها تتراجع تدريجيا، فتظهر صحة الملك وحياته الخاصة وملابسه وعطله وعلاقاته، ثم حضور ولي العهد وملف الصحراء والسياسة الخارجية، ولا يوجد من حيث المبدأ ما يمنع الصحافي من الجمع بين موضوعات متعددة إذا كانت بينها علاقة واضحة تخدم فرضية قابلة للإثبات، غير أن مجرد وضع ملفات مختلفة داخل المقال نفسه لا يصنع بينها علاقة سببية، ولذلك يصبح السؤال عن وظيفة كل عنصر ضروريا، ما الذي تضيفه ملابس الملك أو عطلته إلى تفسير أزمة حدودية، وما العلاقة المثبتة بين وضعه الصحي وحركة أشخاص نحو سبتة، وكيف يصبح ملف الصحراء جزءا من السلسلة نفسها، وهل نحن بالفعل أمام عناصر يحتاجها القارئ لفهم الحدث، أم أمام تفاصيل اختيرت لأنها تساعد مجتمعة على بناء صورة محددة عن الشخصية المركزية في المقال؟
ويظهر ذلك بصورة أكثر حساسية في تناول صحة الملك محمد السادس، فصحة رئيس الدولة قد تتحول إلى موضوع ذي مصلحة عامة عندما تكون لها آثار محتملة على ممارسة مهامه أو انتظام المؤسسات، غير أن هذه الحساسية ترفع معيار الإثبات بدل أن تخفضه، وعندما يجري الحديث عن تدهور صحي ثم ربطه بزيادة حضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن أو بتحولات مفترضة داخل نظام الحكم، فنحن لا نكون أمام خبر طبي فقط، وإنما أمام استنتاج سياسي ودستوري بالغ الأهمية، ومن ثم يصبح من حق القارئ أن يعرف طبيعة الأساس الذي تقوم عليه هذه الخلاصة، وهل توجد مصادر طبية مطلعة، وهل تحدث مسؤولون يملكون معرفة مباشرة، وهل تأكدت المعلومات من أكثر من جهة مستقلة، وهل هناك وقائع مؤسساتية ملموسة تثبت أن الوضع الصحي أدى بالفعل إلى تغير في ممارسة السلطة.
واستخدام المصادر المجهولة لا يشكل في ذاته مشكلة، فالصحافة السياسية والاستقصائية تعتمد عليها في أنحاء العالم، غير أن حماية هوية المصدر شيء وتحويله إلى صندوق أسود شيء آخر، إذ يستطيع الصحافي أن يحمي الاسم ويقدم في الوقت نفسه معلومات تسمح للقارئ بتقييم درجة المعرفة، كأن يوضح أن المصدر مسؤول حالي أو سابق، أو شخص مطلع مباشرة على الملف، أو أن الرواية جرى تأكيدها من مصادر مستقلة، كما ينبغي الفصل بين ما يقوله المصدر وما تستنتجه الصحيفة، لأن القول إن هناك من يعتقد داخل دوائر معينة أن حضور ولي العهد يتزايد يختلف جذريا عن تقديم هذا الحضور بوصفه دليلا ثابتا على انتقال تدريجي في مركز السلطة.
كما أن تزايد حضور الأمير مولاي الحسن في الأنشطة الرسمية لا يشكل في ذاته تشخيصا طبيا ولا دليلا سياسيا حاسما، فمن الطبيعي في الأنظمة الملكية الوراثية أن يتوسع الدور التمثيلي لولي العهد مع تقدمه في السن، وأن يشارك في المناسبات الوطنية والدبلوماسية، وأن يتدرج في اكتساب الخبرة المرتبطة بموقعه، ولذلك فإن الانتقال من ملاحظة هذا الحضور إلى تفسيره حصرا باعتباره نتيجة للوضع الصحي للملك يحتاج إلى أدلة إضافية، مثل تغير ملموس في طبيعة المهام أو المشاركة في اتخاذ القرار أو شهادات موثوقة من داخل دوائر الحكم، وإلا أصبح التأويل هو الذي يمنح الواقعة معناها، بدل أن تكون الواقعة هي التي تفرض التأويل.
أما تفاصيل الحياة الخاصة من ملابس وعطل وهوايات وعلاقات اجتماعية، فهي ليست ممنوعة على الصحافة بصورة مطلقة، وقد تصبح ذات أهمية إذا ارتبطت مباشرة بالمال العام أو تضارب المصالح أو ممارسة السلطة، غير أن تكديسها داخل سياق واحد يجعلها تؤدي أحيانا وظيفة تتجاوز المعلومة إلى صناعة الشخصية، فالكاتب لا يحتاج إلى أن يقول للقارئ مباشرة كيف ينبغي أن يرى الملك، بل يكفي أن ينتقي سلسلة من التفاصيل المتشابهة في دلالتها ليصل القارئ بنفسه إلى الانطباع المطلوب، وهذه تقنية فعالة في الأدب، غير أنها في الصحافة تحتاج إلى سؤال مهني لا يمكن تجاوزه، لماذا اختيرت هذه التفاصيل تحديدا، وما الذي كان يمكن أن يتغير في الصورة لو حضرت التفاصيل الأخرى؟
ربع قرن من الحكم..
إذا كانت “ذي إيكونوميست” تريد تجاوز سبتة إلى تقديم تقييم أوسع لعهد الملك محمد السادس، فإن المعيار يتغير مرة أخرى، فنحن نتحدث عن ملك اعتلى العرش سنة 1999، أي عن أكثر من ربع قرن من الحكم لا يمكن اختزاله مهنيا في مجموعة من التفاصيل الشخصية أو البروتوكولية، وليس المقصود هنا مطالبة المجلة بموازنة كل انتقاد بإنجاز، ولا تحويل المقال إلى مادة ترويجية، وإنما الاعتراف بأن الحكم على حقبة طويلة يقتضي إدخال التحولات البنيوية والإخفاقات والتناقضات داخل الصورة نفسها.
فميناء طنجة المتوسط، وتوسع شبكة الطرق السيارة، والقطار فائق السرعة، وتطور صناعات السيارات والطيران، والاستثمارات في الطاقات المتجددة، والتوسع الاقتصادي المغربي في إفريقيا، والتحولات التي عرفتها البنية التحتية، ليست مجرد عناصر من خطاب رسمي يمكن حذفها بلا أثر إذا كان الموضوع هو تقييم مسار المملكة خلال ربع قرن، وفي المقابل لا يمكن لأي قراءة جادة أن تتجاهل البطالة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، ومشكلات التعليم والصحة والقدرة الشرائية وندرة المياه، وأسئلة الحكامة والحريات وفعالية المؤسسات، فالمغرب الحقيقي يوجد في المسافة بين هذين الوجهين، دولة حققت تحولات اقتصادية ولوجستية وصناعية واضحة، لكنها ما تزال تواجه تحديات اجتماعية عميقة، وهذه المفارقة أكثر قدرة على تفسير البلد من أي صورة أحادية، سواء كانت صورة مديح كامل أو صورة إخفاق كامل.
فالانحياز الصحافي لا يحتاج دائما إلى نشر معلومة كاذبة، وقد تكون المعلومات المنفردة صحيحة ومع ذلك تنتج عن تجميعها صورة ناقصة أو موجهة، لأن الصحافة لا تصنع المعنى بما تنشره فقط وإنما بما تستبعده أيضا، ويمكن لمصور أن يلتقط عشرات الصور الحقيقية لشقوق في جدران بناية من دون أن يزور صورة واحدة، غير أن عرض تلك الصور وحدها باعتبارها تمثل البناية كاملة سيظل مضللا، فصدق الجزء لا يعني اكتمال الكل، كما أن وجود العيب لا يعني أن اختياره وحده يقدم وصفا أمينا للمشهد، ومن هنا فإن السؤال المهني لا ينبغي أن يقتصر على ما إذا كانت التفاصيل الواردة في المقال صحيحة، بل يمتد إلى سبب اختيارها، وما إذا كانت هناك وقائع أخرى صحيحة جرى استبعادها لأنها كانت ستعقد الصورة التي يراد تقديمها.
والمفارقة أن المغرب لا يفتقر إلى الملفات التي تسمح لأي صحافي ببناء نقد قوي من دون حاجة إلى الإيحاء أو التخمين، فهناك البطالة والتعليم والصحة والفوارق الاجتماعية والجفاف والماء والقدرة الشرائية والحريات وأداء المؤسسات المنتخبة والحكامة وتوزيع ثمار النمو، وكلها قضايا تسمح بالعودة إلى الأرقام والوثائق والموازنات والمقارنات الدولية وشهادات المواطنين والمسؤولين والخبراء، كما تسمح بنقد قد يكون أشد تأثيرا من أي بورتريه شخصي، لأن النقد الذي يستند إلى الوقائع القابلة للقياس لا يحتاج إلى لغة مثيرة حتى يكون قويا، بل تكمن قوته الحقيقية في صعوبة تفنيده.
ولهذا فإن الاعتراض على مقال “ذي إيكونوميست” لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع غير مشروط عن الملك أو المؤسسات المغربية، لأن الصحافة التي تنتقي الإنجازات وتحذف الإخفاقات تقع في الخلل المنهجي نفسه الذي تقع فيه الصحافة التي تنتقي الإخفاقات وتحذف كل ما يعقدها، والمطلوب ليس أن تحب المجلة المغرب ولا أن تمدح الملك محمد السادس، وإنما أن تستخدم في نقده الأدوات التي بنت بها سمعتها، فإذا تحدثت عن تقصير أمني أعادت بناء سلسلة القرار، وإذا تحدثت عن وضع صحي أوضحت درجة يقين معلوماتها، وإذا ربطت حضور ولي العهد بتحول سياسي قدمت ما يثبت العلاقة، وإذا أرادت تقييم ربع قرن من الحكم وضعت النجاحات والإخفاقات ضمن السياق الذي يسمح للقارئ بفهم التجربة لا مجرد الحكم عليها.
وتتحمل “ذي إيكونوميست” مسؤولية إضافية لأن اسمها يمنح ما تنشره قدرة استثنائية على الانتشار، فالمعلومة التي تظهر في مجلة دولية بهذا الوزن يعاد اقتباسها في صحف وتقارير ومراكز أبحاث، ومع كل عملية نقل قد تختفي درجة من درجات التحفظ، فتتحول عبارة منسوبة إلى مصدر مجهول إلى “تقارير تشير”، ثم تصبح بعد تكرارها “معلومات معروفة”، وبذلك يمكن لفرضية لم يكتمل إثباتها أن تكتسب بمرور الوقت صفة الحقيقة المستقرة، لا لأن أدلة جديدة ظهرت، وإنما لأن اسم المصدر الأول منحها قوة التداول، ولهذا لا ينبغي أن تكون سمعة المؤسسة بديلا عن الدليل، بل سببا إضافيا لتشديد معاييره.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر عدلا الذي يمكن توجيهه إلى محرري “ذي إيكونوميست” هو هذا، ما المعلومة التي لو ظهرت أثناء إعداد المقال كانت ستدفعكم إلى تغيير فرضيتكم؟ فإذا كانت الإجابة أنه لا توجد معلومة من هذا النوع، فإننا لا نكون أمام فرضية قابلة للاختبار وإنما أمام قناعة تبحث عما يؤكدها، أما إذا كانت هناك وقائع كان يمكن أن تغير الاستنتاج، فيصبح السؤال التالي هو ما إذا كانت المجلة بحثت عنها بالفعل، وهل اختبرت الروايتين المغربية والإسبانية بالصرامة نفسها، وهل بحثت في الدور الرقمي الذي سبق الأحداث، وهل حاولت إثبات العلاقة بين البروتوكول والاستجابة الأمنية بدل الاكتفاء بتزامنهما، وهل وضعت التفسيرات المتعلقة بصحة الملك وولي العهد أمام فرضيات منافسة.
القضية إذن ليست لماذا انتقدت “ذي إيكونوميست” الملك محمد السادس، ولا لماذا تناولت حياته أو صحته أو نظام الحكم في المغرب، فكل ذلك يدخل في المجال المشروع للعمل الصحافي حين تتوافر المصلحة العامة والدليل، وإنما القضية هي كيف انتقلت المجلة من حدث محدد في سبتة إلى سردية واسعة تضم موضوعات متباعدة، وما إذا كانت الروابط بينها قد ثبتت فعلا أم صنعتها طريقة ترتيب المادة، لأن وضع وقائع صحيحة بجوار بعضها لا يجعل العلاقة بينها صحيحة بالضرورة، كما أن كثرة التفاصيل لا تعوض غياب السببية.
والقارئ في النهاية لا يحتاج إلى صحيفة تحب الدولة التي تكتب عنها، ولا إلى صحيفة تعاديها، بل يحتاج إلى مؤسسة تحترم حقه في معرفة أين تنتهي الوقائع وأين يبدأ التأويل، وما الذي تعرفه يقينا وما الذي ترجحه، وما الذي قالته المصادر وما الذي استنتجه المحرر، ثم تمنحه من السياق ما يسمح له بتكوين حكمه بنفسه، فهذه هي المسافة التي تفصل التحقيق عن لائحة الاتهام، وهي كذلك المسافة التي تفصل الصحافة التي تبحث في الواقع عن إجابة، عن الصحافة التي تبحث في الواقع عن الأدلة المناسبة لإجابة سبق أن اختارتها، لأن المكانة الإعلامية، مهما عظمت، لا تقوم مقام البرهان، ولأن جوهر الصحافة يظل في النهاية بسيطا، أن نبحث لكي نعرف الحقيقة، لا أن نختار من الحقيقة ما يناسب القصة التي قررنا روايتها.








0 تعليق