المغرب ورهان الثقة والكفاءة - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم المغرب ورهان الثقة والكفاءة - بوابة المدينة برس

ليس خافيا أن المغرب يعيش، منذ أكثر من عقدين، دينامية تنموية ومؤسسية متسارعة، ارتبطت بمشاريع كبرى وإصلاحات هيكلية وأوراش اجتماعية واقتصادية واسعة، فضلا عن تنامي الحضور الإقليمي والدولي للمملكة. لكن هذا التحول يطرح، في المقابل، سؤالا لا يمكن تأجيله: هل استطاعت الحياة السياسية أن تواكب بنفس السرعة والتحول دينامية المغرب الاقتصادية والمؤسساتية؟

فبينما تتغير بنية الاقتصاد، وتتسع رهانات الاستثمار والتحول الرقمي والطاقات المتجددة، وتتزايد مكانة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى تجديد الحياة السياسية، ليس فقط على مستوى الوجوه والأجيال، وإنما أيضا على مستوى العقليات والكفاءات وأساليب التدبير ومنظومة القيم السياسية.

إن التحدي الأساسي اليوم لا يتمثل فقط في إنتاج نخب سياسية جديدة، وإنما في إعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة والمؤسسات. فالثقة السياسية لم تعد تنتج بالخطاب وحده، ولا بالشعارات الانتخابية، وإنما بالقدرة على تحقيق النتائج، والإنصات للمواطنين، والوفاء بالالتزامات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

يظل الشباب في قلب هذا النقاش. فهذه الفئة التي نشأت في بيئة رقمية مفتوحة، وتتوفر على مستويات تعليمية ومهارات جديدة، أصبحت أكثر قدرة على مقارنة التجارب ومراقبة أداء المؤسسات والنخب السياسية. ولذلك لم يعد من السهل إقناعها بخطابات تقليدية أو بوعود انتخابية عامة لا تجد ترجمتها في الواقع.

ومن هذه الزاوية، فإن بعض مظاهر العزوف السياسي والاجتماعي، بما فيها التفكير في الهجرة او القيام بهجرة غير نظامية كما حدث مؤخرا، لا يمكن اختزالها في العوامل الاقتصادية وحدها. فهي قد تعكس، في بعض الحالات، شعورا لدى جزء من الشباب بأن المجال العام لا يمنحه ما يكفي من فرص المشاركة والتأثير وصناعة المستقبل.

ومن هذا المنطلق، فإن استعادة الثقة لا تعني منح الشباب مواقع رمزية أو أدوارا استشارية محدودة، وإنما تعني فتح المجال أمامهم لتحمل المسؤولية السياسية الفعلية داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة والإدارة العمومية. فالشاب الذي يمتلك الكفاءة والطموح يحتاج إلى أن يرى في السياسة مجالا للارتقاء وخدمة المجتمع، لا فضاء تحكمه فقط شبكات الولاء والعلاقات الشخصية والزبونية والمحسوبية وما شابه ذلك.

فالتجديد السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد معركة حول الأعمار، ذلك ان المطلوب ليس استبدال جيل بجيل، وإنما الانتقال من نموذج سياسي يقوم على إعادة إنتاج النخب إلى نموذج يقوم على التنافس على أساس الكفاءة والإنجاز والقدرة على الابتكار. وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية بشكل خاص. فالحزب الديمقراطي عموما ليس مجرد آلة انتخابية، وإنما يفترض أن يكون مدرسة للتكوين السياسي، ومشتلا لإنتاج الأفكار، وفضاء لاكتشاف وتأهيل القيادات القادرة على تحمل المسؤولية.

وإذا كانت بعض الأحزاب قد نجحت في استقطاب وجوه جديدة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في جعل هذا الاستقطاب جزءا من تحول مؤسساتي دائم، لا مجرد عملية ظرفية مرتبطة بالمحطات الانتخابية. فالمغرب الذي يستعد لاقتصاد رقمي متطور، ولتحولات عميقة في مجالات تكنولوجيا الاتصال والطاقات المتجددة والاقتصاد الأخضر والمعرفة…، يحتاج بالضرورة إلى نخب سياسية تستوعب هذه التحولات وتفهم طبيعة العالم الجديد. فالوزير أو البرلماني أو المسؤول المنتخب في القرن الحادي والعشرين لا يكفي أن يمتلك التجربة السياسية التقليدية؛ بل يحتاج أيضا إلى القدرة على فهم الاقتصاد والتكنولوجيا والتحولات الاجتماعية والبيئية والجيوسياسية. وهنا تصبح الكفاءة جزءا من الشرعية السياسية الجديدة.

لقد قطع المغرب أشواطا مهمة في بناء مؤسساته الدستورية وترسيخ عدد من آليات الحكامة والتدبير العمومي. لكن نعتقد أن قوة المؤسسات لا تقاس بالنصوص وحدها، وإنما أيضا بمستوى الثقة التي تحظى بها في المجتمع وبمدى قدرتها على إنتاج السياسات العمومية الفعالة. فالمصداقية السياسية تبنى يوميا من خلال السلوك والممارسة.

فعندما يشعر المواطن أن البرلمان يناقش القضايا التي تشغله بجدية، وأن المنتخبين يتعاملون مع المسؤولية باعتبارها تكليفا لا امتيازا، وأن الجماعات الترابية تخضع لمنطق الحكامة والنجاعة، وأن الحكومة تقيس أداءها بمؤشرات النتائج والأثر الاجتماعي، فإن الثقة تبدأ في التحول من شعار إلى واقع. ذلك أن المؤسسة القوية ليست فقط هيكلا قانونيا وتنظيميا؛ إنها أيضا أخلاق للمسؤولية، وكفاءة في التدبير، ووضوح في المحاسبة.

الكفاءة وحدها لا تكفي لبناء حياة سياسية جديدة؛ إذ لا يمكن أن تستعيد السياسة ثقة المواطن من دون نزاهة ومسؤولية وأخلاق في ممارسة السلطة. فالفساد، بمختلف أشكاله، لا يبدد الموارد فقط، وإنما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويقوض الثقة في المؤسسات، ويعطي الانطباع بأن الوصول إلى مواقع المسؤولية أو الاستفادة من النفوذ قد يكون مرتبطا بالعلاقات والمصالح والولاءات أكثر من ارتباطه بالاستحقاق والكفاءة.

ومن هنا، فإن محاربة الفساد والتصدي للمفسدين وما أكثرهم، ينبغي أن تكون جزءا أصيلا من مشروع التجديد السياسي، لا مجرد شعار ظرفي يرفع خلال الحملات الانتخابية. والمقصود ليس إطلاق أحكام عامة أو اتهامات غير مؤسسة، وإنما ترسيخ منظومة واضحة للوقاية من الفساد، والشفافية، وتضارب المصالح، والمراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع ضمان تطبيق القانون على الجميع.

إن دولة المؤسسات القوية لا تحتاج فقط إلى قوانين متقدمة، وإنما تحتاج أيضا إلى مسؤولين يحترمون القانون ويستحضرون أن المسؤولية العمومية تكليف لخدمة الصالح العام وليست امتيازا شخصيا. كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بأن تجعل النزاهة معيارا أساسيا في اختيار مرشحيها وقياداتها، وأن ترفض تحويل العمل السياسي إلى وسيلة لبناء شبكات المصالح أو حماية الامتيازات. فالتجديد الحقيقي لا يتحقق بتغيير الوجوه فقط، وإنما بتغيير قواعد ممارسة السياسة نفسها.

إن الكفاءة من دون نزاهة قد تتحول إلى أداة لخدمة المصالح الخاصة، والنزاهة من دون كفاءة قد تنتج حسن النية من دون القدرة على الإنجاز. ولهذا، فإن الرهان ينبغي أن يكون على الجمع بين الكفاءة والنزاهة والمسؤولية والمحاسبة.

ومن هنا، فإن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لن تكون مجرد مناسبة للتنافس بين الأحزاب والمرشحين، بل يمكن أن تشكل اختبارا حقيقياً لقدرة الحياة السياسية المغربية على التجدد. فالمواطن أصبح أكثر اهتماما بالسؤال عن الحصيلة، وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات ومقارنة الوعود بالنتائج. ولذلك فإن الرهان لن يكون فقط على قوة الخطاب الانتخابي، وإنما على قدرة الأحزاب والمرشحين على تقديم مشاريع قابلة للقياس، وقيادات قادرة على التنفيذ، ونخب تمتلك رؤية واضحة للمستقبل.

إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من سياسة الوعود إلى سياسة النتائج، ومن منطق الولاء إلى منطق الاستحقاق، ومن إعادة إنتاج النخب إلى فتح المجال أمام الكفاءات، ومن التساهل مع مظاهر الفساد إلى ترسيخ ثقافة النزاهة والمساءلة. وهذا لا يعني التقليل من قيمة التجربة السياسية المتراكمة، فالتجربة تظل عنصرا أساسيا في صناعة القرار، وإنما يعني الجمع بين التجربة والكفاءة، وبين الاستمرارية والتجديد، وبين الحكمة السياسية والقدرة على استشراف المستقبل.

إن المغرب الذي استطاع أن يراكم تحولات اقتصادية ومؤسساتية ومجالية مهمة، يحتاج اليوم إلى أن يجعل من تجديد الحياة السياسية إحدى أولوياته الوطنية. فالتنمية المستدامة لا تقوم فقط على البنيات التحتية والاستثمارات والمشاريع الكبرى، وإنما تحتاج أيضا إلى مؤسسات سياسية ذات مصداقية، وأحزاب قادرة على إنتاج النخب، ومواطنين يشعرون بأن مشاركتهم السياسية تحدث فرقاً حقيقيا.

إن الرهان الأكبر هو بناء عقد سياسي جديد مع الأجيال الشابة، يقوم على الثقة المتبادلة، وتكافؤ الفرص، والاستحقاق، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمغرب الذي يتغير بسرعة لا يمكن أن تظل حياته السياسية أسيرة أدوات الماضي. ولا يتعلق الأمر هنا بإقصاء الماضي أو القطع مع التجربة، وإنما بجعلها قاعدة للانطلاق نحو المستقبل.

إن المملكة التي تتوفر على طاقات شبابية واسعة، وعلى كفاءات مغربية داخل الوطن وخارجه، وعلى مشروع وطني طموح، تحتاج إلى حياة سياسية تعكس هذه الحيوية وتمنحها قنوات مؤسساتية للتعبير والمشاركة والإنجاز.

لقد حان الوقت لكي تستعيد السياسة نبلها، باعتبارها فضاء لخدمة الوطن، ومجالا للتنافس على الأفكار والكفاءات، ووسيلة لبناء المستقبل لا مجرد أداة لتدبير الحاضر. فالتجديد السياسي ليس ترفا، والثقة ليست شعارا، والكفاءة ليست امتيازا، والنزاهة ليست خيارا؛ إنها، مجتمعة، تشكل شروطا أساسية لبناء مغرب أكثر قوة، ومؤسسات أكثر مصداقية، وحياة سياسية أكثر قدرة على مواكبة طموحات المجتمع والدولة.

إن مغرب المستقبل يحتاج إلى نخب جديدة في تفكيرها، قوية في كفاءتها، نظيفة في ممارستها، جريئة في قراراتها، ومسؤولة أمام المواطنين. وعندما تصبح السياسة مجالا للاستحقاق والكفاءة والنزاهة، يمكن للثقة أن تعود، وللمؤسسات أن تستعيد بريقها، وللشباب أن يرى في وطنه فضاء لصناعة المستقبل لا مجرد مكان للبحث عنه.

ولا تزال أحداث الهروب الجماعي للشباب، بما خلفته من مشاهد مؤلمة، حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية، وتلقي بظلالها على ما ستفرزه المرحلة المقبلة. فلم تكن تلك المشاهد مجرد لحظة عابرة أو واقعة مرتبطة بظرف اجتماعي أو اقتصادي محدد، وإنما شكلت، في دلالاتها العميقة، رسالة ينبغي التوقف عندها طويلا.

إنها تطرح سؤالا حول قدرة الحياة السياسية على استعادة ثقة الشباب، وإقناعهم بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن، وأن الكفاءة والاستحقاق والعمل الجاد يمكن أن تفتح أمامهم آفاقا حقيقية للمشاركة وصناعة المستقبل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق