عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم "إسناين" .. احتفالات في أعراس جنوب شرق المغرب تواجه "مظاهر دخيلة" - بوابة المدينة برس
لم تكن أعراس الجنوب الشرقي يوما مجرد احتفال، بل كانت مدرسة للقيم والأعراف، ومن بين أبرز طقوسها “إسناين”، ذلك الوفد الذي يخرج من بيت العريس مرفوع الرأس ليجلب العروس إلى بيت الزوجية، في مشهد يختزل معنى الكرامة والرمزية.
كان التعرض لوفد “إسناين” لا يهدف إلا إلى تكريس قيمة العروس، وتذكير الجميع بأنها غالية عند أهلها، وكان المرح فيه بريئا لا يمس هيبة أحد، فكان “إسناين” يستقبلون بالأهازيج والزغاريد، وتطلب منهم “شروط” رمزية على سبيل الممازحة وصلة الرحم، في أجواء يسودها الاحترام المتبادل.
وتفيد تصريحات كبار السن الذين تواصلت معهم جريدة هسبريس الإلكترونية بأن التعرض لوفد “إسناين” سابقا لم يكن الهدف منه الإهانة ولا الإذلال، بل إضفاء طابع هيبة على الموكب وتأكيد أن خروج العروس من بيت أبيها حدث عظيم يستحق التقدير، هكذا ظل هذا العرف لعقود جسرا للتواصل بين العائلتين، وعنوانا لرجولة تصان وكرامة تحفظ.
لكن ما نشهده اليوم يبعث على القلق، وفق ما أكده عمي علي باسو، البالغ من العمر 90 سنة من أحد دواوير إقليم تنغير، موردا أن تلك الطقوس الراسخة تحولت إلى ساحة لممارسات دخيلة، من إلباس “وزراء العريس” زي النساء ووضع “المكياج” وفرض شروط مهينة عليهم وتمس كرامتهم، إلى الصخب والمفرقعات التي تروع الآمنين.
وأضاف عمي علي أن “هذه المشاهد تمس بكرامة الرجل وتضرب في صميم عاداتنا، وتدفعنا للتساؤل هل ضاعت البوصلة؟ وهل صار التشبه والتفاهة بديلا عن الوقار؟ إنها دعوة صادقة للعودة إلى الأصل قبل أن نبدل موروثا عريقا بسراب لا يشبهنا”، بحسب إفادته.
وشهدت مجموعة من مناطق الجنوب الشرقي المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولا مقلقا في طقوس الأعراس، بعد أن تحولت عادات عريقة كانت تقام بروح المرح والتآخي إلى مشاهد مستفزة تخدش الحياء وتضرب في عمق القيم المجتمعية.
أمنية الوالي، سيدة من جماعة واكليم، قالت إن “إسناين” تقليد رمزي ضارب في القدم، و”إسناين” هم الوفد الذي يرسله أهل العريس لجلب العروس إلى بيت الزوجية، مضيفة أن التعرض للوفد في الطريق لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال التكريم، ورسالة مشفرة مفادها أن للعروس قيمة ومكانة عند أهلها ولن تمنح بسهولة.
وذكرت أمينة، في تصريح خاص لهسبريس، أن الشروط التي يطلبها “وزراء العريس” آنذاك كانت بسيطة ومضحكة، هدفها إضفاء جو من الفرح وصلة الرحم، دون أن تمس بكرامة أحد، وزادت: “كان الأمر يقتصر على بعض الشروط، أو دفع الهدية الرمزية، في إطار احترام متبادل بين العائلتين”.
وأكدت المتحدثة أن الأمر اليوم تجاوز كل الحدود، وأصبح بعض الشباب يستغلون هذه المناسبة لفرض ممارسات دخيلة ومخالفة للشرع والقانون، تحت ذريعة “التسلية” و”الموضة”، من خلال فرض شروط تعجيزية أو إلباس أعضاء الوفد لباسا نسائيا أو جعلهم يرقصون كالنساء أو يقومون بحركات بهلوانية تمس كرامتهم وتخدش هيبتهم.
وحسب العديد من المواطنين الذين استقت جريدة هسبريس الإلكترونية آراءهم في هذا الموضوع، فإن أبرز هذه التجاوزات تتمثل في إلزام “وزراء العريس” بارتداء أزياء النساء، ووضع “المكياج” أو رميهم بالصباغة أو الدقيق، والقيام بحركات وتصرفات تمس بشكل مباشر بكرامة الرجل وهيبته، في مشاهد يتم توثيقها ونشرها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل.
ولم تتوقف الظاهرة عند هذا الحد، وفق هؤلاء المصرحين، بل امتدت لتشمل مظاهر أخرى بعيدة كل البعد عن روح العرس الأصيل، كالصخب المفرط، والموسيقى المرتفعة في أوقات متأخرة، واستعمال المفرقعات والألعاب النارية التي تروع الأطفال والمرضى وكبار السن.
محمد أولحميد، فاعل جمعوي من الرشيدية، قال إن هذه السلوكيات لا تمت لثقافة وتقاليد الجنوب الشرقي بصلة، مضيفا أن الموروث الثقافي لهذه المناطق قائم على الوقار والاحترام، وعلى قيم الرجولة والنخوة، وعلى إعطاء العرس مكانته كميثاق مقدس وليس كمسرح للسخرية والاستهزاء.
وأردف أولحميد أن “هذا الواقع يطرح سؤالا مؤلما: هل تبخرت عاداتنا وتقاليدنا القديمة؟ وهل حل محلها التشبه والتقليد الأعمى الذي يمس بالهوية أم إن الأمر لا يعدو أن يكون انحرافا لفئة قليلة لا تمثل عموم شباب المنطقة؟”، مجيبا بأنه “مهما تكن الإجابة، فإن الصمت عن هذه الظاهرة سيجعلها تتفاقم وتتحول إلى عرف جديد مفروض يحتذى به وتتناقله الأجيال القادمة، فنفقد بذلك جزءا أصيلا من ذاكرتنا الجماعية”.
وشدد المتحدث ذاته على أنه أمام هذا الوضع، تستوجب المسألة وقفة جادة ومسؤولة من جميع الفاعلين. فعلى الأسر أن تستعيد دورها في التربية والتأطير، وأن ترفض بشكل قاطع هذه الممارسات داخل أعراسها، لأنها المسؤولة الأولى عن حفظ حرمة المناسبة.
في المقابل، ترى خديجة، فضلت عدم البوح باسمها العائلي، من جماعة إكنيون، أن للمجتمع المدني والوجهاء وشيوخ القبائل دورا محوريا في التوعية وإعادة الاعتبار للأعراف الحميدة، ونبذ كل ما هو دخيل ومشين، من خلال مجالس ولقاءات تعيد الاعتبار لمعنى “إسناين” الحقيقي.
وأضافت أنه لا يمكن إغفال دور السلطات المحلية والأمنية في تطبيق القانون بصرامة ضد كل من يخل بالنظام العام، أو يستعمل المفرقعات، أو يقوم بأفعال تخدش الحياء العام، أو قطع الطريق العمومية بحجة المرح والتسلية، حتى لا تتحول الأعراس إلى مصدر إزعاج ومس بالكرامة.








0 تعليق