عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم يرحلُ السّرغيني، ويَبقى شعرُه - بوابة المدينة برس
حين وصلني خبر رحيله اليوم، لم أصدق، وإن كنت أعرف أن زمن رحيله مسألة وقت وأجل مكتوب، نظراً لتقدمه في العمر (مواليد فاس 1930)، وكذلك طبيعة المرض. هكذا كان قدر السرغيني، أن يرحل عنا يوم الجمعة 14 غشت 2026 دون وداع. صاحبته مدة أطول، ومع ذلك، قليلٌ ما كنتُ أعرفه عنه، مقارنة بما كان يجب أن أعرفه. عرفت الشعر محمد السرغيني قبَيل تقاعده بقليل، وعلمت من صداقته أن أصدقاءه الخلّص قلة، وهم يُعدّون على رُؤوس الأصابع، وهذه حقيقة واقعية لا مجاز فيها أو مبالغة. لم يكن القُربُ بيننا سهلاً، وإن كنا نرتاد نفس المقهى الثقافي “إيريس”. لم يكن بيني وبينه قرابة أسرية أو عائلية، ولكن كانت هذه القرابة تأخذ أشكالاً متعدّدة في أوجهها. أغلبها يغلب عليها الطابع الصّامت، كنا نجلس أحياناً ساعات طويلة في المقهى، ولكن دون أن ننبس بكلمة، ولكن كان يشعر كل واحد منا أنه يوجد بالقرب من الآخر أكثر. كل الأمكنة تتكفّلُ بحفظ أسرار معانيها وتواريخها، والحقيقة أن القصيدة جمعتني بالشاعر السرغيني، قبل أن تجمعني به فاس أو أي شيء آخر.
لم تكن فاس تشكل مكاناً للرّاحل فحسب، ولا زماناً عابراً ممتدّاً عبر مئات السنين، بل قدراً مشتركاً جمع بيني وبينه. كان أغلب الوافدين الجُدد على فاس، يبدّلون أسماءهم أو يضيفون إليها ألقاباً أخرى جديدة تليق بمستوى العالم والمال والجاه. يبحثون عن ألقاب أخرى تليق بالعلاقات المشتبكة بين هذا الثلاثي عند الأسر الفاسية العريقة أو التي زارها الثراء بالصدفة في فاس، فيما حافظ السرغيني على لقبه الوحيد كما هو، رغم كل الإغراءات التي تعرض لها أو راودته هو عن نفسه، كما حكي لي في أكثر من مرّة.
في جغرافية فاس وسراديبها السّرية، تتراكبُ الخُطوات وتتآلفُ الذكريات، كنا نتشابه أنا والسرغيني كما لو أنّنا دون أن ندري، تقاسمنا شقاوة الطفولة في فاس، كما في “أيلة” قريتي، وإن باعدَتْ بيننا الأزمنة والأمكنة. ومثلما تتشابك أزقة فاس في المدينة القديمة، كانت تفعل ذات السحر في بادية “أيلة”، والسرغيني بدويّاً ويحب البُداة أمثالي، لأن أصوله تجعله واحداً منهم. كانت تتعدّد الأزقة والعُيون في قريتي بشكل يقترب من اتساع متاهات فاس، وتشابك ينابيعها ومساراتها، وتتنوّع العيون فيها بأسمائها وخصائص وصفاء مياهها.
وكان أيضاً للأزقة والعيون في قريتي، كما في فاس، ذات تنوّع في الأسماء والصفات والتعدّد. ولذلك، كنت أتشابه كثيراً مع الشاعر محمد السرغيني، وألتقي معه في كثير من الصفات، كما لو أننا عشنا نفس الطفولة، ونكاد نعزف نفس اللحن، ونغرفُ من عين واحدة. كان السرغيني يتنفّسُ عبق الحياة في كتابة القصيدة، وهكذا أصبح الشعر مأوى ذاكرته، جوهر شعره وكينونة قصائده، تُعانقُ الذاكرةُ اللغةَ في فاس، وتغدو كلُّ قصيدة من دواوينه فضاءً أو حيّاً نابضاً بالحياة في مدينة فاس ذاتها.
أشكر القدر والصدفة التي جمعتني به، ولا شيء آخر. وربما كنت محظوظاً أكثر بصداقتي معه، ومع بعض أصدقائه المُقرّبين، وقد يمكن حصرهم في ثلاثة: الإعلامي محمد بوهلال أحدهم، ومندوب الاتصال سابقاً عبد السلام الزّروالي أقربهم، والأديب الإعلامي محمد السعيدي ثالث الثالوث. أصدقاؤه لم يتحدثوا لأية وسيلة إعلامية عربية أو أجنبية، وبقي الشاعر محمد السرغيني الطفل والإنسان والشاعر محفوظاً في ذاكرتهم، كما عرفوه منذ صغره. الذي عرفته لاحقاً، وبالصدفة كذلك، هو أن السرغيني كان أستاذاً للزروالي الابن في الجامعة، ومن صدف الأقدار أن كان الزروالي الأب أستاذاً ومدرّساً للسرغيني في جامعة القرويين.
لم أعرف يوماً إنساناً عزيز النفس، كائناً نظيفاً مثل الشاعر السرغيني. شاعر ومبدع كبير بالإجماع، ولكنه إنسان متواضع، كائن منعزل، ولكنه حميمي الطباع في جلساته، حين يرتاح لأحد، وأكاد أجزم أنه كان خجولاً بعض الشيء. اشتغل بدأب وتُؤدة على القصيدة في تجربته، وحاول أن يبلغ بها أقصى درجات الكمال، وربما هذا ما صنع منه حالة استثنائية في الشعر المغربي والعربي المعاصر، وحتى الشعر العالمي الحديث. لم يكن الشاعر السرغيني منعزلاً بمفهوم العزلة، كما قد يتصوّره البعض، كانت له عوالم يرتاح فيها، وإن كان يحبّ المَيل إلى هذه العزلة المبدعة في كثير من الأحيان. حين كان يدخل إلى مقهى “إيريس”، يقرأ الجرائد، قبل أن ينكب على قراءة ديوان أو كتاب يصحبه معه، يتأمل جمله وأفكاره، وهو معتدل في جلسته، وحيداً على كرسيّ وطاولة، كما لو أنه في قداس ديني، ولم أكن أجرؤ في الغالب على اقتحام عالمه وسكونه، قبل أن ينتهي من عزلته العابرة، وأحياناً كان يخلصنا من العزلة قدوم أحد من رفاقه الثلاث.

فيما يخُصُّني، وقد أصبحنا صديقين بعد ذلك، لم أعد في حاجة إلى وساطة أحد من هؤلاء، كي أجالسه أو أناقش أفكاره وأطرح أمامه أفكاري. كنت ألتقي به في ذات المقهى، وأزوره كثيراً بحساب وترتيب في بيته بشاعر علال بن عبد الله، حين أصاب منه العياء والمرض، حتى لا أثقل عليه. أحياناً كنت أزوره منفرداً وحيداً، كنت أعرف أنه يرتاح لمُجالستي، لأنه يكون متيقناً أن نقاشنا لن يبتعد عن الشعر، وهذا ما كان يبتغيه ويفضله، وكان كثيراً ما يلومني رحمه الله على عدم زيارته بانتظام. وفي أحيان أخرى، أكون مصحوباً مع أصدقاء مشتركين، وكثيراً ما كان يتم ذلك رفقة صديقه الأقرب إليه، وطالبه وابن أستاذه في القرويين الأسبق عبد السلام الزروالي. كان يحثني دائماً على زيارته، ويقول لي في لطف، كثيراً ما كان يخجلني:
يا إدريس، أنت صاحبي، أبواب منزلي مفتوحة أمامك دائماً، لا تتأخر عن زيارتي…!!
كنت بصدق أشعر بالندم، لأنني كنت أفوّت عليّ كثيراً من فرص زياراته، والالتقاء به مُنفرداً. أحب السرغيني فاس حبّاً جمّاً، كان يشعر دائماً أنها المدينة الأقرب إلى قلبه، ولذلك كانت تحركاته وحركاته فيها مقصورة على الجزء العتيق منها، وفي كثير من الأحيان يذهب إلى المقهى، ويجلس منفرداً. لم يكن يخاف من الموت، كما كان يقول لي، ولكنه مثل كل الفلاسفة كان يحبذ الوحدة والعزلة إلى كتاب، حتى وهو في المنزل بين أفراد أسرته وأحفاده.
انشغل السرغيني كثيراً بالقراءة والكتابة الشعرية في جلّ أوقاته، وكان يقرأ باللغات الثلاث: الإسبانية، الإنجليزية والفرنسية، لأنه كان يتقن هذه اللغات أيّما إتقان، إضافة إلى اللغة العربية، كيف لا وهو خريج جامعة القرويين، وناهل من أشهر الجامعات العربية، قبل أن يختمها في جامعة السّوربون، التي نال منها شهادة الدكتوراه. لم يكن عهدي به مارس أيّ نوع من الرياضة أو السباحة، كان يفضل المشي كثيراً في صباحات فاس، يجوب شوارعها باكراً. ولم أعهده ساق سيارة منذ معرفتي به، وإن كان امتلك سيارات سابقاً. كان السرغيني يحب الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية العربية منها والغربية، وخصوصاً كبار الموسيقيين العرب والعالميين. كما كان الشاعر محمد السرغيني مُحبّاً صادقاً وودوداً لأصدقائه وللناس، متواضعاً جدّاً، عكس ما كنت أسمع عنه، قبل معرفتي به. إنسان بسيط، خجول ومتواضع، لا يحب البهرجة أو اللقاءات الاجتماعية، ولا يحب حفلات الاستقبال والدعوات والعزائم والغنائم.
وكان رحمه الله معتدلاً في مواقفه المعرفية والفكرية طيلة حياته، كما كان اعتداله في طعامه وشرابه ونقاشاته، أنيقاً في مظهره ولباسه. غير مُتطرّف أو مُعتدٍ برأيه ولا نفسه، متسامح جدّاً، ولم تكن لديه عداوات من جانبه مع أحد. لم أسمعه يذم أحداً من الشعراء، ولا غيرهم من الناس طيلة معرفتي به. ويبقى محمد السرغيني شاعراً كونياً، وليس محلياً أو عربياً، كان يكتب شعره، كما لو أنه كان يفعل ذلك للزمن القادم، ولذلك قد يفهمه قراؤه إلا بعد حين.
كثيراً ما كان يبدو لي مقبلاً على الحياة بطريقة جميلة، منذ أن عرفته في اللحظة الأولى، بدا لي أنني أمام رجل استثنائي، منحته الطبيعة ما لم تمنحه لغيره، هيبة علنية ربانية، وهالة نورانية نفاذة. كان له حضور خاص قوي المفعول، يجعل الحواس والأنظار متجهة إليه بشكل فطري، ولعل أكثر ما كان يثير الإعجاب بشخصيته، هو سرعة البديهة عنده، مع خفة ظل عجيبة، وتهذيب عالٍ في فن الخطابة والحديث، ولم تكن تغب عنه لباقة في الحديث مع الآخرين. أحببت فيه تواضعه، واحتفاله بتجارب غيره في الشعر، سيما الشعراء الشباب. وحين كان يفرح لاكتشافه موهبة شعرية جديدة، كان يفعل من قلبه. كان السرغيني متتبعاً لكل ما يكتبه الجيل الجديد من الشباب، ويفرح عند اكتشافه شاعراً متميزاً كتب قصيدة جميلة، ولا يتوانى عن إبداء إعجابه بأي نص جميل. سبق له أن قال في قصصي وأشعاري كلاماً جميلاً، وكثيراً ما أصابني ذلك بغرور مشروع. أحببت فيه بساطته وعفويته التي لا تخلو من شقاوة الطفولة. كان محمد السرغيني كذلك طفلاً كبيراً، لم يتخلّ عن طفولته، ويستمتع بما تبقى منها. السرغيني مُستمع جيّد، محدث لبق، يتابع محدثيه باهتمام وفضول، لا يميل إلى التنظير أو يحب إظهار دور الأستاذ الواعظ الذي يتوقعه منه البعض.
كثيراً ما أبدى لي بوضوح انزعاجه من فكرة استغلال اسمه من طرف بعض الكتاب لغايات خارج الشعر، كأن تنشر حوارات مفبركة معه في مجلات خليجية لغايات ربحية. كما أنه لم يكن يرغب في أن يحسب على أحد أو جهة معينة. ظل محمد السرغيني يحسب على الشعر، ولا شيء غيره، وكان له ما أراد. ولذلك، بقي السرغيني شاعراً وأكاديميّاً خارج التصنيف السياسي، وإن كان يحسب في فترة من الفترات على تيار سياسي معين، مثله في ذلك مثل الكثيرين.
السرغيني ولدٌ بارٌ بالشعر المغربي والعالمي، أحب فاس، وكان دائماً يقول لي: “إنها المدينة الوحيدة في العالم التي أتجوّل فيها، وأتنفس فيها الشعر بحرية”. كان رحمه الله شخصاً حميميّاً، أحبّ الناس جميعاً، فبادلوه الحب وأحبوه. ومع ذلك، ظلت صداقاته محدودة، حتى وهو ساكن في قلب المدينة التي أنجبته، وأحبها وأحبته. ظل السرغيني مثقفاً عالياً، وله دراية في فنون أخرى، مثل: الموسيقى والتشكيل، متذوق كبير للفنون، وهو أحد النقاد الكبار للفن التشكيلي. يسمع لمخاطبه جيداً، ويناقش بشكل جدي.
حين اقتربت منه أكثر، عرفته أكبر. وجدته شخصاً مختلفاً تماماً عن باقي الشعراء، وعن الصورة المشاعة عنه في المدينة، وبين بعض طلاب وطالبات الجامعة، كونه أستاذاً انفعالياً ومتعالياً أحياناً، ولكنني رأيت فيه الأمر معكوساً. شاعر جميل، بالقدر الذي شعره أجمل. كل الشعراء يجمعون على أنه نجم شعري ساطع في سماء القصيدة المغربية والعربية والعالمية، والعلاقة مع النجم عادة ما تكون ملتبسة، والاقتراب من ضوء النجم، قد يسبب الخوف من المًحو، والابتعاد عنه يسبب ذلك أيضاً.
مصاحبتي للسرغيني سنوات طويلة، جعلتني أطلع على جوانب أخرى من عالم السرغيني الخفية، عرفت فيه الإنسان والشاعر، واستفدت من الاقتراب منه على المستوى الإنساني. كان بالنسبة لي بمثابة اكتشاف كنز من الدهشة، هناك ثمة مستويات كثيرة في شخصيته الإنسانية والإبداعية شديدة الوعورة والتركيب، ولكن في معزل عن منجزه الإبداعي الشعري والفكري والنقدي العظيم، وهو إرث مسؤولية النبش فيه والحفاظ عليه من مسؤولية وزارة الثقافة المغربية. وجدت فيه رجلاً ذوّاقاً من الطراز الأول للشعر والأدب ومختلف الفنون، ولديه طريقة مميزة في سرد النكات تجعلك تضحك رغماً عنك، حتى لو سبق لك أن سمعتها من قبل، كانت له طريقته الخاصة في إعادة تدوير المبتذل من الحكي، وجعله جذّاباً ممتعاً، ويعطيه جمالية خاصة. كان الاقتراب من السرغيني، بالنسبة لي على الأقل، كما الآخرين، القريبين والبعيدين، امتيازاً، وفق كل المقاييس المعرفية والشعرية. ولكنني أحياناً، تمنيت لو أنني لم أعرفه بالشكل الذي عرفته به، على مستوى إنساني أكثر، ربما كان مستوى وقع البُعد والفراق عني أقل قسوة، بعد سماع نبأ وفاته، لأنني سأشتاق إلى رؤيته أكثر، ولكن كان للطبيب رأي، حين منع عنه الزيارة. وكان لله عز وجل رأي آخر، حين اختاره أن يكون إلى جانبه.
رحمك الله أستاذي محمد السرغيني، شاعراً وإنساناً نبيلاً. لا نقول في رحيلك، إلا ما يرضي الله عزّ وجلّ. هذه هي الحياة، وهذه هي سنة الله في أرضه. حين يكون الفراق قدراً، يكون الصبر واجباً. رحمك الله وغفر لك ما تقدم وما تأخر، وجعل مثواك الجنة إن شاء الله تعالى.








0 تعليق