غِيابٌ لا يَكْتَمِل! - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم غِيابٌ لا يَكْتَمِل! - بوابة المدينة برس

كَأنَّهُ خَرَجَ قليلاً مِنَ الغُرْفَة  .. محمود درويش بَعْدَ ثَمَانية عشَرَ عاماً: غِيابٌ لا يَكْتَمِل !

يَجيءُ غشت مُثقلاً بحرارتهِ، وتجيءُ مَعهُ ذكرى محمود درويش. كأنّ الشَّهْرَ لَمْ يَعُدْ زَمَناً عابراً، صَارَ موعداً مع غائبٍ لا يكتَمِلُ غيابُه، ومَع شاعرٍ أتْقَنَ أنْ يجعلَ الفَقْدَ شَكلاً آخرَ مِنْ أشكال الحضورِ.

رحَلَ محمود درويش في التاسع من غشت سنة 2008. رَحَل الجسدُ في مدينةٍ بعيدَة، وبَقِيَ الصوتُ قريباً. كانتِ السّنواتُ تمْضِي، وكانَ هُو يقْتَرِب. تَتَغَيَّرُ الوجُوهُ والخرائطُ واللُّغةُ اليومية، ويَظَلُّ صَوْتُهُ مُحتفِظاً بِنْبَرَتِه؛ حزِيناً مِنْ غَيْرِ انكسارٍ، ودافِئاً مِنْ غير طُمأنِينةٍ زائِفَة. كأنّ القصيدةَ وُجِدتْ كَيْ تَمْنَحَ الغائِبَ حياةً لا يَطالُها الغيابُ، وكأنَّ الشاعرَ يهْمِسُ مِنَ الجهةِ الأُخْرَى: “لَسْتُ أنَا مَن غابْ”، فمَا غابَ إلّا الجسَدُ.

بَعْضُ الشُّعراءِ ينْتَهِي حُضُورُهم عنْدَ حدُود كتُبِهِم، وبَعْضُهُم تبْدَأُ حياتُهُ الثّانِيّةُ بعْدَ الرّحيلِ؛ لأنَّ القصيدةَ التي كَتَبُوها لمْ تَكُن ابْنَةَ لحْظَتِهَا وَحْدَها، كانَتْ أوْسَعَ مِنَ المُناسَبَة، وأشَدَّ التِصَاقاً بِسِرِّ الإنسان. ينتمِي محمود درويش إلَى هؤلاءِ. فهُوَ أكثَرُ مِنْ شاعِرٍ نقرأهُ ثُمَّ نضعُهُ جانباً: تجربَةٌ ندخلهَا، وذاكرَةٌ نسكنهَا، وقلَقٌ نتعرَّفُ فيهِ إلَى شيْءٍ مِنْ ذواتِنَا. وحينَ وصَفَ العالَمَ، أعادَ ترتيبَهُ داخِلَ اللغَةِ، ومنَحَ الأشياءَ أسماء جديدَةً؛ للأرْضِ، وللبيْتِ، وللأُمِّ، وللمنفَى والموْتِ والحُبِّ. وعرَفَ أَنَّ الاسْمَ، حينَ يُهَدّدُهُ المحْوُ، يصيرُ وطناً صغيراً؛ لذلِكَ تبدُو وصيتُهُ فِي “جداريَّةٍ” شديدَةَ الصفاءِ: “هذَا هُوَ اسمُكَ، فاحفَظِ اسمَكَ جيّداً”.

دخَلَ إلَى الشعْرِ مِنْ بابِ فلسطينَ، وتجاوَزَ عتبَةَ الشعارِ منْذُ وقْتٍ مبكِّرٍ. حمَلَ فلسطينَ إلَى اللغَةِ، ومنهَا مضَى باللغَةِ إلَى الإنسانِ. لذلِكَ اتّسعَتْ فلسطينُ فِي شعرِهِ عَنْ حدودِ الخريطَةِ؛ صارَتْ وطناً مِنَ التفاصيلِ الصغيرَةِ: طفولَةً بعيدَةً، ونافذَةً تطِلُّ علَى مَا لَمْ يعُدْ موجوداً، ورائحَةَ خبْزٍ تتقدَّمُ علَى المعانِي الكُبرَى، وشجرَةً تحفَظُ مَا نسيَهُ “العابرونَ”، وَ”حصاناً وحيداً” ينتظِرُ مَنْ غادَروا، ومِفتاحاً يتشبَّثُ بيَدِ صاحبِهِ بعْدَ اختفاءِ البابِ. يكفِي أَنْ يقولَ: “أنَا مِنْ هناكَ. ولِي ذكرياتٌ”، فيغدُو المكانُ ذاكرَةً، وتغدُو الذاكرَةُ دليلاً علَى أَنَّ الاقتلاعَ لَمْ يكتمِلْ.

عرَفَ درويش أَنَّ الوطَنَ لَا يُختزَلُ فِي التّرابِ. فهُوَ أيضاً صورَةٌ قديمَةٌ، واسْمٌ نرفُضُ أَنْ يُغَيِّرَهُ الآخرونَ، ومشهَدٌ يظَلُّ حيّاً بعْدَ زوالِ المكانِ. كتَبَ فلسطينَ كمَا تُكتَبُ الكائناتُ الحيَّةُ؛ منحهَا وجهاً وصوتاً وجسداً، ورَدَّ إليهَا خوفهَا وأملهَا وحياتهَا اليوميَّةَ، وظلَّتْ فِي قصيدتِهِ كائناً حيّاً يتنفَّسُ فِي التفاصيلِ. وبهذِهِ التفاصيلِ ظهَرَ الفلسطينِيُّ فِي قصيدتِهِ إنساناً يُحِبُّ ويتعَبُ ويتردَّدُ، ويشتاقُ إلَى القهوَةِ والصباحِ والبيْتِ العادِيِّ، ويحلُمُ بأَنْ يعيشَ، لَا بأَنْ يموتَ جيّداً فقَط. وخرَجَ بذلِكَ مِنْ صرامَةِ الرّمْزِ المُجرَّدِ. وفِي هذَا المعنَى تقيمُ مقاومتُهُ: “ونحْنُ نحِبُّ الحياةَ إذَا مَا استطعنَا إليهَا سبيلاً”. تَرُدُّ العبارَةُ المقاومَةَ إلَى معناهَا الأعمَقِ.

وصانَ درويش، بوصفِهِ شاعراً كبيراً، الصّلَةَ الدقيقَةَ بيْنَ القضيَّةِ والشعْرِ؛ فالقضيَّةُ حاضرَةٌ فِي عمْقِ القصيدَةِ، مِنْ غيْرِ أَنْ تُصادِرَ حريّتهَا. وحافَظَ علَى المسافَةِ بيْنَ الالتزامِ والحريَّةِ، وبيْنَ التاريخِ والجمالِ، وبيْنَ صَوْتِ الجَماعَةِ وارتعاشِ الفرْدِ. عرَفَ أَنَّ القصيدَةَ لَا تخدُمُ الحقيقَةَ حينَ تُكرِّرُهَا؛ تخدُمهَا حينَ تُعيدُ خلقهَا، وتُنقذهَا مِنَ البلاغَةِ المستهلكَةِ. لذلِكَ ظَلَّ شعرُهُ يتحوَّلُ، مُغادراً كُلَّ صورَةٍ تكادُ تستقِرُّ حولَهُ، ومُتَخَفِّفاً مِنَ اللقَبِ الذِي التصَقَ بِهِ طويلاً. سُمِّيَ شاعِرَ المقاومَةِ، وأدرَكَ أَنَّ المُقاومَةَ نفسهَا تحتاجُ إلَى لغَةٍ تقاوِمُ التكرارَ؛ فاللغَةُ التِي تَتَوقَّفُ عَنْ مراجعَةِ ذاتهَا تتحوَّلُ إلَى عادَةٍ، والعادَةُ عدُوُّ الشعْرِ. وكانَ يقولُ: “أمشِي أمامِي علَى إيقاعِ أغنيتِي”، مُتَقَدِّماً علَى صورتِهِ السابقَةِ.

خفَّفَ، مَعَ الزمَنِ، مِنْ صَخَبِ العبارَةِ، وترَكَ للصمْتِ مكاناً أوسَعَ. ومَعَ خفوتِ اليقينِ، اتسعَتْ مساحَةُ السؤالِ والتأمُّلِ، وصارَتِ المسافَةُ بيْنَ الكلمَةِ وظِلّهَا جُزءاً مِنَ المعنَى. وكانَتْ تلْكَ، فِي عبارتِهِ: “خفَّةَ الأبدِيِّ فِي اليومِيِّ”.

إلَى جوارِ الوطَنِ، دخلَتِ الذاتُ بكُلِّ هشاشتهَا، ودخَلَ الزمَنُ بثقلِهِ، والجسَدُ بخوفِهِ مِنَ المرَضِ والزوالِ، وصارَ الموْتُ جليساً دائماً للنَّصِّ. وظلَّتِ القصيدَةُ، مَعَ ذلِكَ، بعيدَةً عَنِ الكآبَةِ. أضاءَ الحزْنُ مِنَ الداخِلِ، واحتشمَتِ المأساةُ، وتراجَعَ اليأْسُ أمامَ زهرَةٍ، أَوِ امرأَةٍ، أَوْ فنجانِ قهوَةٍ، أَوْ صباحٍ عابِرٍ يذكرنَا بأَنَّ “علَى هذِهِ الأرْضِ مَا يستحِقُّ الحياةَ”.

كتَبَ درويش عَنِ الموْتِ كثيراً، وكانَتِ الحياةُ هِيَ مَا يطلبُهُ مِنْ وراءِ الكتابَةِ. عرَفَ الألَمَ مِنَ الداخِلِ، ورفَضَ أَنْ يمنحَهُ الكلمَةَ الأخيرَةَ؛ فالحياةُ عندَهُ فعْلٌ جمالِيٌّ، واختيارٌ أخلاقِيٌّ، ومقاومَةٌ يوميَّةٌ. لذلِكَ استطاعَ أَنْ يقولَ: “إِنَّ الحياةَ هِيَ اسْمٌ كبيرٌ لنصْرٍ صغيرٍ علَى موتنَا”. كُلُّ صباحٍ يُنتزَعُ مِنَ العدَمِ انتصارٌ متواضِعٌ، ولكنَّهُ كافٍ كَيْ نواصِلَ. كأَنَّ الاستمرارَ نفسَهُ صورَةٌ صغيرَةٌ مِنَ الانتصارِ. وتجاوزَتْ عبارتُهُ عَنْ استحقاقِ الأرْضِ للحياةِ حدودَ الحكمَةِ العابرَةِ؛ فهِيَ خُلاصَةُ رؤيَةٍ تجعَلُ الدفاعَ عَنِ الجمالِ جزءاً مِنَ الدفاعِ عَنِ الإنسانِ، وتَحفَظُ للوردَةِ مكاناً إلَى جوارِ العَلَمِ، وتجعَلُ الحُبَّ فِي زمَنِ الحرْبِ برهاناً علَى أَنَّ الحرْبَ لَمْ تنتصِرْ تماماً. ومَا دامَ الإنسانُ قادراً علَى الحُبِّ ورؤيَةِ الجمالِ، لَمْ يتحوَّلْ بعْدُ إلَى حطامٍ، ولَمْ يفقِدِ العالَمَ كلَّهُ.

خشِيَ درويشٌ الموْتَ، وكتَبَ خوفَهُ بصدْقٍ، مِنْ موقِعِ مَنْ يحدِّقُ فِي مصيرِهِ ولَا يستسلِمُ لَهُ. اقترَبَ منْهُ باللغَةِ؛ اختبرَهُ، وحاورَهُ، وسلبَهُ شيئاً مِنْ سُلطتِهِ. فالقصيدَةُ عنْدَ محمودٍ تحديقٌ طويلٌ فِي الفناءِ، يظَلُّ فيهِ صوْتُ الحياةِ مسموعاً. ومَعَ ذلِكَ ظَلَّ يواجهُهُ بيقينِ مَنْ يقولُ: “سأصيرُ يوماً مَا أريدُ”. ففِي “جداريَّةٍ”، يقِفُ الشاعِرُ أمامَ العدَمِ عارياً مِنْ كُلِّ شيْءٍ تقريباً، وفِي يدِهِ الكلماتُ وحدهَا، عارفاً أنّهَا، أحياناً، أكثَرُ عناداً مِنَ الفناءِ. كانَ أكثَرَ حكمَةً مِنِ ادعاءِ الانتصارِ علَى الموْتِ، وقَدْ خاطبَهُ مَعَ ذلِكَ: “هزمَتْكَ يَا موْتُ الفنونُ جميعهَا”. أرادَ أثراً، لَا ضجيجاً؛ أثراً خَفِيفاً يستقِرُّ فِي الروحِ بعْدَ انطفاءِ المشهَدِ؛ فَـ”أثَرُ الفراشَةِ لَا يرَى”، وَ”أثَرُ الفراشَةِ لَا يزولُ”.

وقَدْ بقِيَ أثرُهُ: فِي قارِئٍ يجِدُ نفسَهُ فجأَةً داخِلَ بيْتٍ شعرِيٍّ؛ وفِي شابٍّ لَمْ يعِشْ زمَنَ البداياتِ، ويشعُرُ أَنَّ القصيدَةَ كُتبَتْ لَهُ؛ وفِي منفِيٍّ يبحَثُ بيْنَ الكلماتِ عَنْ صورَةِ بيْتٍ؛ وفِي امرأَةٍ تستعيدُ مِنْ قصيدتِهِ لُغَةً لحُبٍّ لَمْ تجِدْ لَهُ اسماً؛ وفِي طفْلٍ يتعلَّمُ أَنَّ الأرْضَ أوسَعُ مِنَ الحدودِ المرسومَةِ. ويبقَى أثرُهُ فِي قارِئٍ عربِيٍّ يرَى المدُنَ تُهدَمُ مِنْ جديدٍ، فيعودُ إلَى درويشٍ بحثاً عَنْ كلمَةٍ لَا تخونُ الفاجعَةَ. وبقِيَ صوتُه لأَنَّ قصيدتَهُ وسّعَتْ أزمنَةً لَمْ يعشهَا، وقراءً لَمْ يرهُمْ، ظلَّتْ تترُكُ بابهَا موارباً للأجيالِ؛ كُلُّ جيلٍ يدخلهَا مِنْ جهَةٍ مختلفَةٍ. جيلٌ قرَأَ فيهَا المقاومَةَ، وجيلٌ قرَأَ فيهَا المنفَى، وجيلٌ جديدٌ يرَى فيهَا مرآةً لخرابٍ لَمْ ينتَهِ. وفِي كُلِّ قراءَةٍ يعودُ سؤالُهُ كاملاً: “هَلْ فِي وسعِي أَنْ أختارَ أحلامِي، لئلَّا أحلُمَ بمَا لَا يتحقَّقُ؟”.

وهنَا تكمُنُ قوتُهُ. كتَبَ الأسئلَةَ أكثَرَ ممَّا طارَدَ الأجوبَةَ النهائيَّةَ. ومَنْ يكتُبُ السؤالَ الحقيقِيَّ لَا يشيخُ سريعاً؛ فالأجوبَةُ تتغيَّرُ، ويبقَى السؤالُ العميقُ مفتوحاً ومؤلماً. مَنْ نحْنُ حينَ نفقِدُ المكانَ؟ ماذَا يبقَى مِنَ البيْتِ حينَ يصيرُ ذكرَى؟ هَلْ تستطيعُ اللغَةُ أَنْ تعوِّضَ الأرْضَ؟ وهَلْ يعودُ المنفِيُّ حقّاً حينَ يعودُ، أَمْ يجِدُ مكاناً آخَرَ يحمِلُ الاسْمَ نفسَهُ؟ خرجَتْ هذِهِ الأسئلَةُ مِنْ جرْحٍ شخصِيٍّ، مِنْ حياةٍ انتقلَتْ بيْنَ قرَىً ومدُنٍ ومنافٍ، ومِنْ شعورٍ بأَنَّ العالَمَ يمنَحُ الشاعِرَ مكاناً مؤقتاً، ثُمَّ يطلُبُ منْهُ أَنْ يغادِرَهُ قبْلَ أَنْ يطمئِنَّ.

ومَعَ ذلِكَ، لَمْ يحوِّلْ درويشٌ المنفَى إلَى شكوَى؛ صنَعَ منْهُ أفقاً للرؤيَةِ. فمَنْ يقِفُ خارِجَ المكانِ يرَى مَا لَا يراهُ المقيمُ داخلَهُ: يرَى هشاشَةَ الهويَّةِ وتعدُّدهَا، ويدرِكُ أَنَّ الإنسانَ أكبَرُ مِنْ “بطاقَة هوية”، وأعقَدُ مِنْ تعريفٍ. كانَ المنفَى جرحاً شخصيّاً، ثُمَّ صارَ موقعاً لرؤيَةِ العالَمِ ومساءلَةِ معنَى الانتماءِ.

لهذَا قاوَمَ الصورَةَ الجاهزَةَ عَنْ نفسِهِ. خشِيَ أَنْ يصيرَ رمزاً صامتاً أَوْ تمثالاً قوميّاً بارداً؛ فالأيقونَةُ ترفَعُ الشاعِرَ عالياً، ثُمَّ تمنَعُ الناسَ مِنْ رؤيَةِ إنسانِيتهِ. وقَدْ ظَلَّ إلَى آخِرِ حياتِهِ يصِرُّ علَى حقِّهِ فِي أَنْ يكونَ شاعراً، لَا ناطقاً رسميّاً باسْمِ الألَمِ، ولَا حارساً لعباراتٍ قيلَتْ وانتهَتْ. وكلّمَا عُدْتُ إلَى مراحِلِ تجربتِهِ، بدَا لِي أَنَّ أشَدَّ مَا دافَعَ عنْهُ هُوَ حقُّهُ فِي التحوُّلِ: أَنْ يخطِئَ ويجرِّبَ ويغيِّرَ لُغتَهُ. وكانَتِ الحروفُ تدعوهُ، فِي كُلِّ منعطَفٍ: “اكتُبْ تكُنْ. واقرَأْ تجِدْ”.

كانَ فلسطينيّاً حتَّى العظْمِ، وسَّعَ فلسطينَ حتَّى صارَتْ جزءاً مِنَ السؤالِ الإنسانِيِّ؛ فغدَا المنفَى تجربَةً تتجاوَزُ الجغرافيَا، وصارَ فقدانُ البيْتِ صورَةً لفقدانِ العالَمِ. لهذَا نجِدُ أنفسنَا فِي شعرِهِ حتَّى حينَ لَا نكونُ فلسطينيينَ؛ نجِدُ خوفنَا مِنَ الزوالِ، وحاجتنَا إلَى الاعترافِ، وحنيننَا إلَى أماكِنَ لَمْ تعُدْ كمَا كانَتْ. ونجِدُ ضعفنَا أمامَ الزمَنِ، ورغبتنَا فِي أَنْ نترُكَ شيئاً خلفنَا؛ كلمَةً أَوْ ذكرَى أَوْ أثراً خفيفاً. كتَبَ تجربَةَ شعبِهِ مِنْ داخِلِ خصوصيتهَا، وتعمَّقَ فيهَا حتَّى وجَدَ الإنسانَ فِي قلبهَا.

عرَفَ أَنَّ اللغَةَ لَا تعيدُ الأرْضَ، وأَنَّ ضياعهَا فقْدٌ آخَرُ للأرْضِ؛ لذلِكَ تشبَّثَ بالعربيَّةِ، لَا بوصفهَا ميراثاً مغلقاً، ولكِنْ مادَّةً حيَّةً يصقلهَا، ويعيدُ تركيبهَا، ويوقِظُ القديمَ فيهَا. استدعَى الأُسطورَةَ والتّاريخَ والنُّصوصَ الكُبرَى دُونَ أَنْ يَجعلهَا مَعرِضاً لثقافَتِهِ. كانَ يبحَثُ عَنْ نَسَبٍ أوسَعَ للقصيدَةِ، وعَنْ ذاكرَةٍ تتجاوَزُ الفرْدَ، وعَنْ صوْتٍ يلتقِي فيهِ الشخصِيُّ بالجماعِيِّ، والمحلِّيُّ بالكونِيِّ. تبدُو عِبارتُهُ بَسيطَةً، ويقومُ خلْفَ خِفَّتِهَا بناءٌ شديدُ الدقَّةِ ووعْيٌ حادٌّ بالإيقاعِ. كانَ يعرِفُ متَى ترتفِعُ الجملَةُ، ومتَى تنكسِرُ، ومتَى تضيءُ الصورَةُ، ومتَى تنسحِبُ لتترُكَ للبياضِ أَنْ يتكلَّمَ.

لَمْ تكُنْ جماليتُهُ زُخرفاً، كانَتْ طريقَةً فِي التفكيرِ ومقاوَمَةِ القُبْحِ. وفِي عبارتِهِ: “فإِنَّ الجمالِيَّ حريَّةٌ”، يتحوَّلُ الجمالُ إلَى مبدَإٍ فِي النظَرِ إلَى العالَمِ. فقَدْ فهِمَ أَنَّ المحتَلَّ لَا يُصادِرُ الأرْضَ وحدَهَا؛ قَدْ يصادِرُ صورَةَ الضحيَّةِ عَنْ نفسهَا، ويحبِسُهَا داخِلَ جُرحِهَا.

لذلِكَ منَحَ الفلسطينِيَّ حقَّهُ فِي الجمالِ والحُبِّ والتأمُّلِ والخطَإِ والحياةِ العاديَّةِ. جعَلَ الإنسانَ أَكْبَرَ مِنْ مأساتِهِ، وتلْكَ واحدَةٌ مِنْ أعظَمِ مُنجزاتِهِ. فالقضيَّةُ العادلَةُ قَدْ تتحوَّلُ، فِي الخطابِ الرّديءِ، إلَى كَلماتٍ ميّتَةٍ؛ أمَّا درويش فأعادَ إليهَا نبضهَا. قدَّمَ الفلسطينِيَّ إنساناً يخافُ ويُحِبُّ ويتعَبُ ويحلُمُ، فأنقذَهُ مِنَ التجريدِ. وكانَ يطلُبُ فهماً يبْقَى بعْدَ انقضاءِ التعاطُفِ.

كانَ صوتُهُ أخلاقيّاً مِنْ غيْرِ وعْظٍ. يقولُ لنَا، ونحْنُ مُنشغلونَ بخُبْزنَا وحُروبنَا وبُيوتنَا: “فكِّرْ بغيرِكَ”. ويأتِي الآخَرُ فِي القصيدَةِ وَجْهاً لَهُ حَقٌّ فِي الماءِ والنّوْمِ والكلامِ، لَا فكرَةً بعيدَةً. هكذَا اتّسَعَتْ قصيدتُهُ مِنَ الوَطَنِ إلَى الضَّميرِ.

وفِي سنَةِ 2026، تبدُو حاجَتُنَا إلَى محمودٍ درويشٍ أشَدَّ مِنْ أَيِّ وقْتٍ قريبٍ. نَحتاجُهُ حينَ يُدفَعُ الفلسطينِيُّ إلَى مِساحاتٍ أضيَقَ، وحينَ يَضيقُ البيْتُ حتَّى يَصيرَ خيمَةً، ثُمَّ تَضيقُ الخيمَةُ حتَّى لَا تجِدَ فِي الجغرافيَا مَوْضِعاً آمناً. نحتاجُ لُغتَهُ حينَ تتحوَّلُ الضحايَا إلَى أرقامٍ، والجُوعُ إلَى خبَرٍ، والاقتلاعُ إلَى تفصيلٍ عابِرٍ فِي نَشراتِ المساءِ؛ كَيْ تُعيدَ إلَى الإنسانِ اسمَهُ ووجهَهُ وذاكرتَهُ، وتُذَكِّرَنَا بأَنَّ حِفْظَ الحِكايَةِ وصَوْنَ المعنَى مِنْ أشكالِ مُقاومَةِ المَحْوِ. وفِي أشَدِّ الأزمنَةِ قَسْوَةً، يَفْعَلُ المحاصرونَ مَا سمّاهُ: “نربِّي الأمَلَ”، ونسمَعُ وصيتَهُ: “فاخترِعْ أملاً للكلامِ”.

وأنَا أقرأهُ اليوْمَ، لَا أسمَعُ فِي “لَا شيْءَ يعجبنِي” عِبارَةَ مسافِرٍ ضَجِرٍ فحَسْبُ؛ أسمَعُ مزاجَ زمَنٍ عَربِيٍّ مُثقَلٍ بالعَجْزِ. غيْرَ أَنَّ السّأَمَ يَعبُرُ القصيدَةَ ولَا يَسْكُنهَا إلَى الأبَدِ، ويُجاوِرُ التّعَبَ شوْقٌ خَفِيٌّ إلَى الوُصولِ. وحينَ يقولُ: “سيرِي ببطْءٍ يَا حياةُ”، يُعيدُ للوجوهِ والتّفاصِيلِ زَمنهَا فِي عالَمٍ صارَتْ سُرعَتُهُ شكلاً مِنْ أشكالِ المحْوِ.

فِي كُلِّ خَرابٍ جَديدٍ يعودُ صَوْتُهُ، لَا لِيَمْنَحنَا عزاءً سهلاً، ولكِنْ لِيَحفَظَ للضحيَّةِ اسمهَا ووجههَا وحُلمهَا الصغيرَ بحياةٍ عاديَّةٍ. يَعودُ ليقولَ إِنَّ الفاجعَةَ ليسَتْ خَبراً عابراً، وإِنَّ البيْتَ ليْسَ حجارَةً فقَط، وإِنَّ قتْلَ المكانِ قتْلٌ لجزْءٍ مِنْ ذاكرَةِ ساكنيهِ. ويمنَحُ الألَمَ لُغَةً لَا تَسْتَغِلُّهُ ولَا تَبْتَذِلُهُ، بَلْ تصغِي إليْهِ بوقارٍ.

ذلِكَ هُوَ دفْءُ شِعْرِهِ. لَا يأتينَا مِنَ الطّمأنِينَةِ، وإنّمَا مِنَ الرُّفْقَةِ. نَشعُرُ معَهُ أَنَّ الشّاعِرَ لَا يقِفُ بعيداً عَنَّا؛ يَجْلِسُ قُرْبَ خَوْفنَا، يَسْمعُهُ، ثُمَّ يَمْنَحُهُ لغَةً. وحينَ يصيرُ الخوْفُ لُغَةً، يَغدُو أقَلَّ وحشَةً.

كانَ درويشٌ رَفيقاً لِقُرّائِهِ، يَكتُبُ مِنْ هَشَاشتِهِ وشَكِّهِ وارتِباكِهِ؛ لهذَا صَدّقْناهُ. فالقَصيدَةُ التِي تَدَّعِي القُوَّةَ دائماً لَا تُشبِهُ الإنسانَ، أمَّا قَصيدَتُهُ فكانَتْ تَعرِفُ ضَعْفهَا، وتَعرِفُ أَنَّ اليقينَ الكامِلَ شكْلٌ آخَرُ مِنَ العَمَى. وكانَ ضعفهَا الواعِي سِرَّ قُوّتِهَا، وقُرْبِهَا مِنْ جِراحنَا سِرَّ بقائهَا.

رُبّمَا لهذَا نحبُّهُ ! لأنَّهُ قالَ مَا كُنَّا نَشْعُرُ بِهِ ولَا نَعرِفُ كيْفَ نُسَمّيهِ، وأَعادَ إلينَا مشاعِرَنَا فِي صُورَةٍ أَوْضَحَ. جعَلَ الحُزْنَ قابلاً للإنصاتِ، والفَقْدَ أقَلَّ صَمْتاً.

فِي ذكرَى رحيلِهِ، لَا نَحتاجُ إلَى مَزيدٍ مِنَ التّمجِيدِ؛ فقَدْ تجاوَزَهُ. نَحتاجُ إلَى قِراءَتِهِ مِنْ جديدٍ، بعيداً عَنِ الاقتباساتِ المَبْتُورَةِ والصُّورَةِ المَدْرسيَّةِ الجاهزَةِ. نَحتاجُ إلَى اكتشافِ الشاعِرِ القلِقِ، والمُثقَّفِ الصّارِمِ، والصّانِعِ الماهِرِ، والإنسانِ الذِي كانَ يَخافُ المرَضَ والموْتَ والوَحدَةَ. ونحتاجُ إلَى قراءَةِ تَحَوُّلِهِ؛ فشِعرُهُ لَمْ يكُنْ مَساراً مستقيماً، كانَ مُراجعَةً دائمَةً للذاتِ، وخُروجاً متكرراً مِنْ نجاحٍ سابِقٍ نَحْوَ مجهولٍ جديدٍ.

فالشّاعِرُ الحقيقِيُّ لَا يُكرِّرُ نفسَهُ، ودرويش لَمْ يفعَلْ. كانَ يَهدِمُ مَا بَناهُ، ثُمَّ يبدَأُ مرَّةً أخرَى؛ لأنَّهُ أدرَكَ أَنَّ القَصيدَةَ التِي نَجحَتْ بالأمْسِ قَدْ تُصبِحُ قَيداً اليوْمَ. ظَلَّ يغامِرُ، ويُعرِّضُ صُورَتَهُ القديمَةَ للخطَرِ.

ذلِكَ مَا أبقاهُ حيّاً. بَقِيَ لأنَّهُ كتَبَ فلسطينَ شِعراً، ولأنَّهُ لَمْ يتوقَّفْ عندهَا موضُوعاً مُغْلقاً. مَضَى نحْوَ الإنسانِ والحُبِّ والموْتِ وسُؤالِ الهويَّةِ والحَيرَةِ التِي تَسْبِقُ المعنَى. لَمْ يمنَحْ قارئَهُ راحَةَ الإجابَةِ الأخيرَةِ؛ تركَهُ فِي مِنطقَةٍ خِصبَةٍ مِنَ الشَّكِّ، حيْثُ يَصيرُ الشِّعْرُ طريقَةً أخرَى لفهْمِ العالَمِ، لَا تفسيراً نِهائيّاً لَهُ.

فِي التاسِعِ مِنْ غُشْت، نتذكَّرُ رَحِيلَهُ، ولَا نجِدُ الغيابَ كاملاً. نفتَحُ كتاباً فيعودُ صَوتُهُ، ونقرَأُ سطراً فتستيقِظُ صُورَةٌ، ونَسمَعُ قصيدَةً فيتراجَعُ الزّمَنُ. كأَنَّ الشاعِرَ لَمْ يذهَبْ بعيداً، وكأَنَّ القَصيدَةَ تَقولُ: “قُلْ للغيابِ: نقصتنِي. وأنَا حضرْتُ لأكملَك”.

كأنَّهُ خرَجَ قليلاً مِنَ الغُرفَةِ، وترَكَ كلماتِهِ تَتَحدَّثُ نيابَةً عنْهُ. وأَحسبُ أَنَّ هذِهِ أجمَلُ صوَرِ انتصارِ الشعْرِ: أَنْ يعجِزَ عَنْ إعادَةِ الموتَى، ويَقدِرَ علَى حِمايتهِمْ مِنَ الغِيابِ التامِّ؛ فيمنحهُمْ حياةً أقَلَّ جَسداً وأكثَرَ اتّسَاعاً، تتَجدَّدُ مَعَ كُلِّ قراءَةٍ. ويُشارِكُ فِي صنعهَا كُلُّ قارِئٍ يجِدُ فِي القصيدَةِ مَا لَمْ يجدْهُ قارِئٌ قبلَهُ.

رحَلَ الشاعِرُ، وبقيَتِ القصيدَةُ. ومَا دامَ فِي اللغَةِ مُتسَعٌ للحُبِّ، وفِي الذاكرَةِ مُتسَعٌ للأرْضِ، وفِي الإنسانِ قدرَةٌ علَى مقاومَةِ العدَمِ، سَيظَلُّ محمود درويش بَيننَا؛ خَفيفاً كأثَرِ فراشَةٍ، وعميقاً كجرْحِ وطَنٍ، وقريباً مِنَ الذينَ لَمْ يروْهُ. فالشُّعراءُ الكبارُ لَا يُقيمونَ فِي تواريخِ ميلادهِمْ ورحيلهِمْ؛ يُقيمونَ فِي اللغَةِ، واللغَةُ، حِينَ تكونُ عظيمَةً، لَا تَعْرِفُ القبورَ.

يَعيشُ محمودٌ درويشٌ هذِهِ الحياةَ الآنَ: فِي لغتنَا، وذاكِرتِنَا، وخَوْفِنَا مِنَ المنفَى، وإصرارنَا علَى الجَمالِ؛ ويعيشُ كُلّمَا دافَعَ إنسانٌ عَنْ حقِّهِ فِي اسْمٍ وبيْتٍ وصَباحٍ عادِيٍّ.

أَكْتُبُ هَذِهِ السُّطُورَ الأخيرةَ وَأَنَا جَالِسٌ بِمَقْهًى، مِثْلمَا كَانَ محمود درويش يُحِبّ أَنْ يفعلَ: فِي رُكْنٍ هَادئٍ، أَمامَ جَريدَةٍ مَطْوِيّةٍ، وَبِقُرْبِ يَدِي فِنْجانُ قَهوةٍ أَترُكُهُ يَبْرُدُ قَليلاً. أُرَاقِبُ المَارَّةَ خَلْفَ الزُّجَاجِ، فَتَهُبُّ أبياتُهُ كَأَنّها تَصِفُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ: “مَقْهًى، وَأَنْتَ مَعَ الجَرِيدَةِ جَالِسٌ / فِي الرُّكْنِ مَنْسِيًّا”. ومِنَ الفنْجانِ يَجِيءُ صَوْتُهُ النَّثْرِيُّ فِي “ذَاكِرَةٍ لِلنِّسْيَانِ”: “وَالقَهْوَةُ، لِمَنْ أَدْمَنَهَا مِثْلِي، هِيَ مِفْتَاحُ النَّهَارِ]…[ القَهْوَةُ صَوْتُ المَذَاقِ، صَوْتُ الرَّائِحَةِ”. أَرْفَعُ الفنجانَ إِلَى فَمِي، وَأَفهَمُ شَيْئًا مِنْ وَلَعِهِ بها؛ فَفِي رَائِحَتِهَا يَبْدَأُ الصَّبَاحُ، وَتَهْدَأُ النَّفْسُ قَلِيلاً، وَتَعُودُ إِلَى الطَّاوِلَةِ وُجُوهٌ غَابَتْ منذُ زَمَن. أَشْرَبُهَا عَلَى مَهَلٍ، وَأَضَعُ كِتَابَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَأَتْرُكُ المَقْعَدَ المُقَابِلَ لِشَيءٍ مِنَ الصّمْتِ؛ كَأَنَّ مَحْمُودًا سَيَعُودُ بعد قَلِيلٍ، يَفْتَحُ الجَرِيدَةَ، وَيَرْفَعُ فِنجَانَهُ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الكَلامَ مِنْ حَيْثُ تَوَقَّف !

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق