عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم بين الاستجمام والتباهي .. هل تحولت عطلة الصيف إلى استعراض اجتماعي؟ - بوابة المدينة برس
ترتبط العطلة الصيفية عادة بالراحة والاستجمام واكتشاف أماكن جديدة، غير أن ممارسات برزت في الفترات الأخيرة تعكس تحولا في طريقة تعامل بعض الأسر مع السفر والتخييم، بعدما أصبح اختيار الوجهة وطبيعة الإقامة وما يرافقهما من تفاصيل حاضرا في صورة الأسرة أمام محيطها الاجتماعي، سواء داخل المغرب أو خارجه.
ومع تصاعد حضور منصات التواصل الاجتماعي لم تعد الرحلات الصيفية تنتهي بانتهاء أيامها، بل باتت تفاصيلها ترافق أصحابها إلى العالم الافتراضي، من خلال الصور والمنشورات التي تستعرض الوجهات والإقامات وأجواء العطلة، وهو ما يفتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين مشاركة اللحظات الجميلة والرغبة في لفت الانتباه وإبراز المكانة.
ولا يقف الأمر عند ما ينشر على المنصات الرقمية، إذ يجد صداه أحيانا في الحياة اليومية بعد العودة، حين تتحول تفاصيل الرحلة إلى أحاديث متكررة بين الزملاء والأصدقاء، تستعاد خلالها الوجهات والإقامات ومظاهر الرفاه.
إثبات المكانة
ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إن “السفر والتخييم الصيفي لم يعودا، لدى بعض الأسر، مجرد فرصة للراحة وتغيير الأجواء وقضاء وقت ممتع مع العائلة، بل بدآ يتحولان أحيانًا إلى وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية والتفوق على الآخرين، خصوصًا مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي”.
وأضافت الفضل: “بالنسبة لبعض الأشخاص لم تعد قيمة الرحلة مرتبطة بما عاشوه فعلًا من راحة وسعادة، وإنما بما يمكن عرضه منها أمام الآخرين، كمكان الإقامة، السيارة، المطاعم، الوجهة السياحية، التجهيزات الخاصة بالتخييم، وحتى تفاصيل المصاريف ومستوى الرفاهية؛ وهنا ينتقل السفر من تجربة شخصية إلى نوع من ‘العرض الاجتماعي’، يصبح فيه الآخرون جمهورًا يجب إبهاره”.
وأبرزت المتحدثة ذاتها أن “منصات التواصل الاجتماعي تلعب دورًا مهمًا في تعزيز هذا السلوك؛ فالصورة أو الفيديو المنشور من مكان فاخر، أو من شاطئ أو مدينة سياحية داخل المغرب أو خارجه، قد يتحولان إلى وسيلة غير مباشرة لإيصال رسالة مفادها: ‘أنا أعيش بشكل أفضل’، أو ‘أستطيع أن أتحمل ما لا يستطيع الآخرون تحمله’، ومع تكرار المقارنة يمكن أن تصبح الرحلة نفسها مرتبطة بالحاجة إلى التقدير والإعجاب أكثر من ارتباطها بالراحة والاستمتاع”.
ونبّهت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية إلى أن “اللافت في الأمر كون هذا الاستعراض قد لا ينتهي بانتهاء العطلة، فبعد العودة إلى العمل قد يستمر بعض الأشخاص في سرد تفاصيل الرحلة أمام الزملاء: أين ذهبوا، ماذا أكلوا، كم أنفقوا، أين أقاموا، وما الذي قاموا به، وكأن الرحلة تحتاج إلى أن تستمر اجتماعيًا حتى بعد انتهائها”.
ومن الناحية النفسية قالت ندى الفضل، في تصريحها لهسبريس: “هذا السلوك قد يعكس أحيانًا حاجة قوية إلى الاعتراف الاجتماعي، أو البحث عن التقدير، أو محاولة تعزيز صورة الشخص أمام محيطه؛ كما يمكن أن يرتبط بالمقارنة الاجتماعية، حيث يصبح الإنسان أكثر اهتمامًا بموقعه مقارنة بالآخرين بدلًا من التركيز على رضاه الشخصي”.
وأضافت المعالجة النفسية أن “المشكلة ليست في السفر، ولا في التخييم، ولا في مشاركة لحظات جميلة مع الآخرين، فمشاركة الصور والذكريات أمر طبيعي وممتع”، موضحة أن “الإشكال يبدأ عندما يصبح الاستمتاع بالرحلة مشروطًا بنظرة الآخرين إليها، وعندما يتحول الإنفاق والسفر إلى وسيلة لإثبات القيمة الشخصية أو الاجتماعية”.
وبعدما شددت الفضل على أن “الراحة الحقيقية لا تحتاج إلى جمهور، والرحلة الناجحة ليست بالضرورة الرحلة الأكثر تكلفة أو الأكثر ظهورًا على مواقع التواصل الاجتماعي”، أوردت:
“أحيانًا تكون أجمل الرحلات هي تلك التي نعيشها بصدق، دون أن نشعر بالحاجة إلى تحويل كل تفاصيلها إلى دليل على مكانتنا أمام الآخرين”.
وختمت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية توضيحاتها بأهمية أن يسأل كل شخص نفسه سؤالًا بسيطًا: “هل نسافر لأننا نريد أن نعيش تجربة جميلة أم لأننا نريد أن يرى الآخرون أننا نعيش حياة جميلة؟”.
رأسمال رمزيّ
وعن الجانب الاجتماعي في موضوع “التباهي في التخييم” قال زكرياء أكضيض، أستاذ علم الاجتماع، إن “ممارسات العطلة لا يمكن عزلها عن التفاوتات الاجتماعية في المغرب”، معتبراً أن “نوعية العطلة تعكس الرأسمال الرمزي الذي يحمله الفرد بناء على سلمه الاجتماعي”.
وأوضح أكضيض، في تصريح لهسبريس، أن “قضاء العطلة خارج المغرب لا يماثل قضاءها داخله”، مبرزاً أن “اختلاف الوجهات وأنماط الاستجمام يرتبط، إلى حد كبير، بالمكانة الاجتماعية للفرد وما يرافقها من تمثلات وانتظارات بشأن الطريقة التي ينبغي أن يقضي بها عطلته”.
وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن ما يمكن وصفه بـ”التباهي” من خلال سرد تفاصيل العطلة بين الأفراد يعكس محاولة كل شخص المحافظة على رأسماله الرمزي، وذلك عبر انتقاء نوعية من العطلة تنسجم مع توقعاته بشأن مكانته الاجتماعية، وتتيح له في الوقت نفسه تقديم صورة تتوافق مع تلك المكانة أمام الآخرين.








0 تعليق