عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم قضايا القاصرين غير المرفوقين - بوابة المدينة برس
بين زجرية القانون الدولي والمناورات السياسية الأوروبية
في عمق النقاش الجيوسياسي المستمر بين ضفتي المتوسط، يبرز ملف القاصرين المغاربة غير المرفوقين في دول أوروبا كأحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية. هذا الملف، الذي يتداخل فيه البُعد الإنساني الصرف بالتوظيف السياسي، يعيد تسليط الضوء على المقاربة المغربية الشاملة التي تنطلق من توجيهات ملكية حاسمة وصارمة، تقابلها في كثير من الأحيان عراقيل وبيروقراطية أوروبية تحاول التملص من المسؤولية المشتركة وخرق المبادئ المستقرة في القانون الدولي.
المقاربة المغربية السامية: تجسيد لروح القانون الدولي
لم يكن المغرب يوماً بحاجة إلى دروس في تدبير ملفات مواطنيه بالخارج، وخاصة الفئات الهشة منهم. فقد شكلت التعليمات الملكية السامية الصادرة لإعادة جميع القاصرين المغاربة غير المرفوقين الموزعين على عدد من الدول الأوروبية، خارطة طريق واضحة وحاسمة. هذه المقاربة لا تنظر إلى القاصر كـ “رقم” في معادلة الهجرة غير النظامية، بل كطفل ذي حقوق أولوية، تتماشى تماماً مع المادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل (CRC) لعام 1989، والتي تنص على جعل “المصلحة الفضلى للطفل” اعتباراً أولياً في جميع التدابير التي تتخذها مؤسسات الرعاية الاجتماعية أو السلطات الإدارية والقضائية.
وقد تجسد هذا الالتزام في إحداث آليات تنسيق مغربية رفيعة المستوى، شملت وزارتي الداخلية والخارجية، للتنقل ميدانياً والاشتغال بتنسيق مع السلطات الأوروبية لتسهيل عمليات التحديد الدقيق للهويات ومباشرة إجراءات العودة الأمنة والكريمة التي تحفظ كرامة الطفل القانونية والإنسانية.
البيروقراطية الأوروبية.. مناورات وتملص من المسؤولية المشتركة
في المقابل، وأمام هذه الجدية المغربية الصارمة، يصطدم الواقع الميداني بجدار من العراقيل الإدارية والقانونية التي تضعها بعض العواصم الأوروبية. فبينما تتعالى أصوات بعض السياسيين في القارة العجوز لتوظيف الورقة الانتخابية والضغط على الرباط بادعاءات “غياب التعاون”، تظهر الحقائق والتقارير الدبلوماسية عكس ذلك تماماً.
تتحمل بعض الدول الأوروبية مسؤولية مباشرة في تعثر عمليات الإعادة، نتيجة تعقيد مساطرها القضائية الداخلية، وضغوطات بعض المنظمات غير الحكومية المحلية، مما يشكل خرقاً صريحاً لمبدأ “المسؤولية المشتركة” المكرس في الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية (ميثاق مراكش 2018). هذا التناقض يوضح بجلاء أن أطرافاً أوروبية تفضل الإبقاء على الملف كورقة ضغط سياسي بدلاً من الانخلاق الفعلي في حلول قانونية تحترم الالتزامات الدولية.
أزمة حماية القاصرين في بلدان الاستقبال
إن الإجراءات الحمائية داخل دول الاستقبال الأوروبية تثير العديد من التساؤلات القانونية؛ فحالة الاكتظاظ في مراكز الاحتجاز المؤقتة ببعض الثغور والمدن الأوروبية تتنافى مع المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل التي تحظر سلب حرية الأطفال إلا كملجأ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة. كما أن التباطؤ في تعيين الأوصياء القانونيين ومباشرة إجراءات لم الشمل العائلي، يمثل قصوراً صريحاً في تنزيل التزامات تلك الدول أمام الآليات الأممية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
نحو شراكة حقيقية بعيداً عن المزايدات
إن تدبير ملف القاصرين غير المرفوقين يتطلب انتقالاً حقيقياً من منطق “الدركي” الذي يحرس الحدود، إلى منطق الشراكة الاستراتيجية المبنية على المسؤولية المشتركة وفقاً لقواعد القانون الدولي. المغرب يفي بالتزاماته انطلاقاً من سيادته وواجباته الإنسانية تجاه أبنائه، وليس كاستجابة لإملاءات خارجية.
بات من الضروري اليوم على الشركاء الأوروبيين الكف عن المزايدات الإعلامية، وتطهير هذا الملف الإنساني من الحسابات السياسية الضيقة، عبر تبسيط المساطر القانونية في دول الاستقبال، ودعم برامج الإدماج السوسيو-اقتصادي للقاصرين بعد عودتهم، لضمان استقرارهم وحمايتهم من الوقوع مجدداً في شبكات الاتجار بالبشر والتهريب الدولي، وهو ما تحث عليه الصكوك والبروتوكولات الدولية المعنية بمكافحة الجريمة المنظمة عابرة الحدود.








0 تعليق