عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم سعيد ولد الحوات - بوابة المدينة برس
لكلّ سلوك “هابط” ما يهوى بصاحبه إلى رتبة “النازلين”. هذا ما ينطبق تماماً على المغني الشعبي سعيد ولد الحوات، الذي يستحقّ “النزول” هذه المرة؛ فبدلاً من أن يستثمر منصة الندوة الصحفية على هامش موسم مولاي عبد الله أمغار لترسيخ حضوره الفني وتعزيز التواصل الرزين اختار الانفعال ليهدم به اللقاء الإعلامي قبل أن ينطلق، محوّلاً موعد التداول إلى محطة لتفريغ التوتر.
لم يكن ولد الحوات، الذي يحل كضيف غير مرغوب فيه لدى هسبريس، موفقاً في إدارة لحظة تدافع بسيطة أثارتها ملاحظات أهل المهنة بخصوص طريقته الدائمة في التعاطي مع وسائل الإعلام؛ كما لم يستطع، على ما يبدو، أن يستوعب أن نجومية الفنان ومكانته لا تُقاسان فقط بحجم الحضور على المسارح أو التصفيق، وأن هذه العناصر “الأولية” لا تكتمل إلا بمؤازرة من النضج الأخلاقي وضبط النفس والقدرة على الامتثال للضوابط التي تؤطر أي محفل رسمي.
تصرّف بخفة لا تليق بشرط الفنان، وكان ربما “أكثر حماسةً” من أن يدرك أن الندوة الصحفية أُقيمت أساساً لبناء جسور التواصل وتقديم الإجابات والتصريحات التي تشعرُ الناس بوجوده في الملتقى؛ فالإعلام هو محطته للعبور إلى جماهيره البعيدة لمعرفة تفاصيله، غير أنّه اختار في المقابل فتح أبواب النار والمواجهة الحادة واستعراض القوة بدلاً من امتصاص الموقف بحكمة.
الخطير هذه المرة أن الفنان سقط في فخ الانزلاق اللفظي الاستفزازي، وأمام عدسات الكاميرات والميكروفونات الحاضرة وجّه عبارة مخلة ونابية إلى المراسل المعني بالقول: “سير ينعل ملتك” (وفق الصوت المسموع) أمام الملأ؛ وهو سلوك شارد عكس الضيق بملاحظات الصحافة وإن كانت في منطلقها “حادّة” حسب ما يبينه المقطع المنتشر.
يبدو أن الحوات تجاوز عن سبق إصرار الخلاف إلى اقتراف سلوك حاطّ بالكرامة الإنسانية، وأتبعَ القولَ القبيح مباشرة بفعل البصق الاستفزازي تجاه الصحافي؛ وهو السلوك الذي يحمل في السنن والرموز الاجتماعية المغربية أقصى درجات التحقير والإهانة، ضمن عملية استخفاف صريحة لم تمس شخص المراسل وحده، بل طالت الهيبة المعنوية للجسم الصحفي برمته.
هذا التصرف الطائش، الذي حذّر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مما يماثله في رأيه بشأن “السلوك المدني في الأماكن والفضاءات العمومية نحو ترسيخ قيم المواطنة خدمة للتنمية المستدامة”، يوضح مجدداً أن تغطية الفعاليات الوطنية لا تتم بإهانة الفاعلين الإعلاميين. ومن ثم أكد الصحافي المعني في حينه أن ما وقع سوف تتبعه ملاحقة قضائية في حق المغني الشعبي.
المأزق الذي يواجهه “النازل” أسوأ، لكون مقطع الفيديو المصور الذي وثق الواقعة بالصوت والصورة سيبقى وصمة عار في مسيرته الفنية، وسيتعارض مع حقه في النسيان. والضمير الصحافي يبقى ملزماً بتذكر ما جرى، مثلما يتذكر “مول السمطة” في مسيرة الأحد 6 أبريل 2014 التي دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل رفقة نقابتين أخريين.
إن سلوك ولد الحوات، الذي ليس الأولَ في تعاطيه مع الصحافيين، ينطوي على خلل هيكلي أعمق يتعلق بتغييب الوعي بتقاطع المصالح الحيوي بين الفن والصحافة؛ فالأول يحتاج المنبر الإعلامي لضمان الامتداد وصيانة الرصيد الفني، والثانية تحتاجه لضمان الحق في الإخبار وتحقيق مقاصد الترفيه، وهي علاقة تتطلب التوازن عوض تحويلها إلى منطق استعلاء ينم عن جهل فظيع بقواعد اللعبة.
ما لا يدركه الفنان الشعبي هو أن التعاطي مع وسائل الإعلام يُفترض أن يتأسس على التقدير المتبادل والشراكة المتكافئة، لأن “الهبوط” الأخلاقي لدى بعض “الشخصيات العمومية” يتجلى بوضوح في لحظات التماس الميداني. فكيف يظهر هذا النوع من العجز عن ضبط النفس والإدارة الذاتية في أوقات الضغط لدى فنان يحظى بامتداد شعبي لا غبار عليه؟.
تظل الشهرة، في الأصل، قشرة هشة إن لم تُدعم بالرزانة والاتزان والقدرة على كبح جماح “الأنا” عندما يغدو الموقف مختلاً؛ خصوصاً أن الفنان رغم كل الجدل لم يعتذر ولم يسعَ إلى ترميم اللحظة، بكل ما في ذلك من استخفاف بتبعات سلوكه على صورته العامة وعلى موسم مولاي عبد الله أمغار، الذي أحيا سهرته الختامية يوم الجمعة (14 غشت).
يطرح سعيد ولد الحوات النموذج الخاطئ للتعاطي مع وسائل الإعلام عندما يحل التوتر مَحَلَّ الهدوء كغاية. لقد أثبت هذا التصرّف أن النجاح يبقى “يتيماً” إذا لم يحظَ بأبوّةِ سَنَدٍ أخلاقيّ يتولى حماية الاحترام المتبادل. لكن الفنان أشهر ورقة “التحقير”، ليحرم نفسه في النهاية من لائحة التشريف ويضع اسمه، طبقاً لاختياره، في جدول “النازلين” بلا رجعة.








0 تعليق