عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم حين تُختبر الدولة الاجتماعية أمام باب المستشفى
لا تقاس قوة المنظومات الصحية بعدد المستشفيات التي تُشيد أو الأجهزة الطبية التي تُقتنى فحسب، وإنما بقدرتها على صون كرامة الإنسان في أكثر لحظات حياته هشاشة. فحين يقصد المواطن المستشفى، لا يبحث فقط عن العلاج، بل عن الطمأنينة والاحترام والإحساس بأن الدولة تقف إلى جانبه في محنته. لذلك، فإن أي مشهد يمس كرامة مريض، خاصة إذا تعلق الأمر بشخص مسن أو في وضعية صحية حرجة، يتحول إلى قضية رأي عام، لأنه يمس جوهر العلاقة بين المواطن والمرفق العمومي.
وما شهده محيط مستشفى للا عائشة بمدينة تمارة لم يكن مجرد حادث عرضي، بل مناسبة أعادت إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً حول جودة الاستقبال، وطرق التكفل بالمرضى، ومدى تجسيد قيم الإنسانية داخل المؤسسات الصحية. فالصور التي انتشرت خلفت صدمة واسعة، ليس لأنها توثق واقعة بعينها، وإنما لأنها أيقظت مخاوف لدى فئات واسعة من المواطنين من أن تتحول رحلة العلاج إلى رحلة معاناة إضافية.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال حجم الإصلاحات التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة لإعادة بناء القطاع الصحي. فقد جعل صاحب الجلالة الملك محمد السادس إصلاح الصحة ورشاً استراتيجياً ضمن مشروع الدولة الاجتماعية، وتم إطلاق إصلاحات هيكلية شملت تعميم الحماية الاجتماعية، وإعادة تنظيم المنظومة الصحية، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، وتحديث البنيات التحتية، إلى جانب تعبئة استثمارات مالية غير مسبوقة لتأهيل المستشفيات وتحسين الخدمات.
غير أن نجاح هذه الأوراش الكبرى يظل رهيناً بترجمتها إلى ممارسات يومية يشعر بها المواطن داخل المستشفى. فالمريض لا يحكم على الإصلاح من خلال القوانين أو الأرقام، بل من خلال طريقة استقباله، وسرعة التكفل به، واحترام إنسانيته، وحسن التواصل معه ومع أسرته. ولذلك فإن العنصر البشري يبقى الحلقة الحاسمة في إنجاح أي إصلاح، مهما بلغت أهمية الإمكانات المادية.
ومن هذا المنطلق، فإن مثل هذه الوقائع تستوجب تحقيقاً شفافاً لتحديد المسؤوليات، ليس بمنطق البحث عن مذنب فقط، وإنما بهدف الوقوف على مكامن الخلل ومعالجتها، حتى لا تتكرر مثل هذه المشاهد. كما أنها تفرض مواصلة الاستثمار في تكوين الموارد البشرية، وترسيخ ثقافة المرفق العمومي القائم على خدمة المواطن واحترام كرامته.
لقد اختار المغرب مسار بناء دولة اجتماعية تجعل الإنسان محور السياسات العمومية، ولا يمكن لهذا المشروع أن يحقق أهدافه إلا إذا أصبحت كرامة المريض قيمة ثابتة لا تقبل أي استثناء. فالمستشفى ليس مجرد فضاء للعلاج، بل هو عنوان لمدى احترام المجتمع للإنسان في لحظات ضعفه.
إن حماية كرامة المرضى ليست مسؤولية الأطباء والممرضين وحدهم، بل مسؤولية جماعية تشمل الإدارة، والسلطات الصحية، وصناع القرار، وكل من يساهم في تدبير هذا المرفق الحيوي. وعندما تصبح الكرامة جزءاً من ثقافة العمل اليومي، عندها فقط يمكن القول إن إصلاح المنظومة الصحية قد بلغ غايته الحقيقية.



0 تعليق