حين كان العلماء في مقدمة الصفوف؟! - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم حين كان العلماء في مقدمة الصفوف؟! - المدينة برس

ماذا خسرنا يوم غاب العلماء عن مقدمة المشهد؟ وماذا ربحت الأمة حين كان تكريم العلماء حدثًا وطنيًا ينتظره الجميع؟ وهل كانت احتفالات عيد العلم في ستينيات القرن الماضي مجرد مناسبة بروتوكولية، أم كانت إعلانًا صريحًا عن فلسفة دولة آمنت بأن نهضتها تبدأ من المعمل قبل المصنع، ومن الجامعة قبل السوق، ومن العقل قبل المال؟


ولماذا حرص الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على أن يجعل عيد العلم مناسبة وطنية يكرم فيها العلماء والباحثين والمفكرين، ويجلسون في الصفوف الأولى، بينما كانت الدولة تتوسع في إنشاء الجامعات، وتؤسس المراكز البحثية، وترسل البعثات العلمية إلى أرقى جامعات العالم؟ 

 

لقد كان يدرك أن معركة الاستقلال لا تكتمل بخروج المحتل من الأرض، وإنما بامتلاك أدوات العلم والمعرفة، وأن السيادة الحقيقية لا تُصان بالسلاح وحده، وإنما بالعقول القادرة على إنتاجه وتطويره.
هذه الأسئلة أعادها إلى الأذهان الزميل علي فتحي في مقاله عن عيد العلم، وهي أسئلة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا.. 

لا لنستدعي الماضي بحنين عاطفي، وإنما لنفهم كيف بنت الأمم الكبرى مجدها، وكيف تراجعت أمم أخرى حين اختلت لديها موازين التقدير؟، فتقدم أهل الشهرة على أهل المعرفة، وأصبح صانع الترفيه أكثر حضورًا من صانع الدواء، ومنتج الضجيج أشهر من منتج الفكرة.


لقد حسم القرآن الكريم مكانة العلم منذ اللحظة الأولى لنزوله، فجاء أول خطاب إلهي للإنسان: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وكأن الرسالة الخاتمة تعلن أن بناء الإنسان يبدأ بالمعرفة. ثم يقول سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ﴾، ويقول أيضًا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، فجعل للعلم منزلة لا يدانيها جاه ولا مال.


وفي السنة النبوية يقول رسول الله ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، ويقول كذلك: «إن العلماء ورثة الأنبياء». وما أعظمها من منزلة؛ فالعلماء هم حملة النور، وورثة الرسالة، وحراس وعي الأمة.


وفي تراثنا قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال.» وقال الإمام الشافعي: «من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معًا فعليه بالعلم.» وقال المتنبي: وذو العقل يشقى في النعيم بعقله / وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.


ولم يكن هذا التقدير للعلم ترفًا ثقافيًا، بل كان أساسًا لبناء الحضارة الإسلامية، ومنها انطلقت علوم الطب والفلك والهندسة والكيمياء والرياضيات، حتى أصبحت بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة قبلة طلاب العلم من أنحاء العالم.


واليوم لم تعد القوة تقاس بعدد الجنود وحدهم، وإنما بعدد العلماء، وبراءات الاختراع، وحجم الإنفاق على البحث العلمي، والقدرة على إنتاج التكنولوجيا والدواء والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. فمن يملك المعرفة يملك الاقتصاد، ومن يملك الاقتصاد يملك القرار، ومن يملك القرار يصنع مستقبله بيده.


ومن هنا تبدو المفارقة المؤلمة؛ فقد تبدلت منظومة القيم، وأصبح كثير من شبابنا يحفظ أسماء نجوم الفن والرياضة ومنصات التواصل، بينما يجهل أسماء كبار العلماء والمخترعين الذين يرفعون اسم وطنهم في المحافل الدولية. 

وليس المقصود التقليل من قيمة الفن أو الرياضة، فكلاهما ركن من أركان بناء الإنسان، لكن الخلل يبدأ حين تختل الموازين، فيصبح من يصنع المتعة أكثر تقديرًا ممن يصنع الدواء، أو يطور الصناعة، أو يحل مشكلات المياه والطاقة والغذاء.


إن تكريم العلماء ليس احتفالًا شكليًا، بل رسالة سياسية وثقافية تقول للأمة كلها: هنا القدوة، وهؤلاء هم بناة المستقبل. وما فعله جمال عبد الناصر في عيد العلم كان تعبيرًا عن هذه الفلسفة؛ فلسفة تجعل العقل شريكًا في صناعة القرار، والعالم رمزًا للقوة الوطنية.


واليوم نحن في أمسّ الحاجة إلى استعادة هذه الروح، لا بتكرار طقوس الماضي، وإنما ببناء منظومة جديدة تضع التعليم والبحث العلمي في مقدمة الأولويات، وتعيد للمعلم مكانته، وللجامعة دورها، وللباحث حقه في التقدير والرعاية، حتى يصبح التفوق العلمي حلمًا يطارد أبناءنا كما يطاردهم حلم الشهرة.


لقد صدق الله تعالى حين قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾، والقوة في عصرنا تبدأ من المختبر، ومن قاعة الدرس، ومن مركز الأبحاث، قبل أن تصل إلى ساحات القتال. فلا سلاح بلا علم، ولا اقتصاد بلا معرفة، ولا سيادة بلا ابتكار.


والخلاصة التي ينبغي أن نتعلمها اليوم أن تكريم العلماء ليس تكريمًا لأشخاص، بل تكريم لفكرة، وأن احترام العقل ليس ترفًا، بل ضرورة وجود. فالأمم التي رفعت مكانة العلماء قادت العالم، والأمم التي انشغلت بالمظاهر وأهملت العقول دفعت ثمن ذلك تخلفًا وتبعية.

ولعل أعظم تكريم للعلم ليس إقامة احتفال سنوي، وإنما أن يرى كل طفل في العالم والمعلم والمخترع قدوته الأولى، وأن تؤمن الدولة والمجتمع معًا بأن الاستثمار الحقيقي ليس فيما نستهلكه، بل فيما ننتجه من علم ومعرفة.
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.. إنها الآية الوحيدة التي أُمر فيها النبي ﷺ أن يسأل ربه المزيد من شيء، وكأنها رسالة خالدة إلى كل أمة تريد أن تكتب تاريخها بيدها، لا أن تعيش على أمجاد غيرها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق