حُلم مغربي - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم حُلم مغربي - بوابة المدينة برس

أحلم بـ”المؤسسة الوطنية للسينما” تليق بالمغرب الذي يصنع مستقبله

لا أكتب هذه الكلمات بصفتي متفرجا عابرا على أحوال السينما المغربية، ولا بصفتي صاحب مطلب شخصي تأخر تحقيقه، بل بصفتي كاتبا وباحثا وناقدا سينمائيا، انتميت إلى جيل تشكل في زمن كان فيه الاقتراب من السينما يقتضي القراءة والصبر والتكوين، وحمل الأفلام الثقيلة على الأكتاف من محطات القطار أو الحافلات إلى نوادي السينما، وتنظيم نقاش المسيسين والشغوفين بسلطة المعرفة والمشاهدة المتواصلة.

درست الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والجماليات، واشتغلت على الصورة والسمعي البصري انطلاقا من الفوتوغرافيا وشغف الروايات الكلاسيكية، وكتبت ونشرت منذ أربعين سنة الكتب والمقالات والدراسات، وساهمت في كتابة بعض الأفلام وتصويرها بشكل أو بآخر، ونظمت المهرجانات والندوات واللقاءات الفكرية والنقاشات السينيفيلية بل وصياغة التوصيات التي رفعت لجهات رسمية، وانخرطت في العمل الجمعوي الحقوقي والفني والثقافي، وظللت طيلة عمري أؤمن بأن السينما ليست تسلية هامشية رغم ما تحمله من متعة لذيذة ومفيدة، بل هي معرفة وصناعة وذاكرة وقوة رمزية، تصوغ صورة الأمة أمام نفسها وأمام العالم.

بعد هذا العمر المهني والتربوي والجمعوي والثقافي، ما زلت أحلم:

أحلم بأن تنتبه الدولة المغربية إلى السينما في أعلى مستويات التفكير والقرار الاستراتيجي، ليس باعتبارها ملفا إداريا داخل ولاية حكومية عابرة، بل باعتبارها قطاعا استراتيجيا يستحق “مؤسسة وطنية مستقلة”، دائمة الرؤية وواضحة الاختصاص ومحصنة من التقلبات السياسية والحسابات الحزبية والبيروقراطية الثقيلة التي تفرض عليها طبيعتها حدودا تحول دونها وفهم السينما بتجرد وعشق واحترافية.

أحلم بأن يقرر المغرب إنشاء “المؤسسة الوطنية للسينما”:

مؤسسة تتجاوز منطق الولاية الحكومية

لا يعني الاستقلال المؤسسي في حلمي الانفصال عن الدولة، كما أنه لا يعني غياب المحاسبة والرقابة. يعني أن تحمي الدولة سياستها السينمائية من التغير المتكرر في الأولويات، ومن انتقال القطاع بين مسؤولين قد يملكون حسن النية، لكنهم لا يملكون دائمًا الخبرة السينمائية والرؤية الثقافية والفنية والعملية والصناعية اللازمة.

يخضع المركز السينمائي المغربي حاليا لوصاية وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ويمارس مهام متعددة تشمل تنظيم قطاعات الإنتاج والتوزيع والاستغلال، ومراقبة الإنتاج السمعي البصري، ودعم الصناعة السينمائية، وترويج السينما المغربية، وحفظ التراث السينمائي، وتسليم التراخيص والبطائق المهنية!!! وتأشيرات الاستغلال. وقد أنشئ سنة 1944، وهو ما يجعله من أقدم المؤسسات العمومية السينمائية في العالم.

يحمل تاريخ المركز السينمائي المغربي قيمة رمزية ومؤسساتية لا يمكن إنكارها، كما حققت سياسات الدعم والإنتاج والتصوير الأجنبي نتائج مهمة. لكن امتلاك مؤسسة قديمة لا يعني أن بنيتها الحالية ما تزال قادرة، وحدها، على قيادة التحول الذي تحتاج إليه المملكة المغربية اليوم.

أحلم بمؤسسة تتبع الدولة في معناها الاستراتيجي والدائم، لا الحكومة في معناها الدوري والمؤقت. تضع الدولة لها إطارًا قانونيًا واضحًا، وتضمن استقلال قرارها المهني، وتخضعها للتدقيق والتقييم، ثم تترك أهل السينما المؤهلين يديرون شؤون السينما.

الكفاءة قبل التمثيل والحسابات

أحلم بأن تُحرِّر المؤسسة الجديدة قطاع السينما من المعايير التي لا ترتبط بالكفاءة والتخصص والخبرة والقدرة على الحكم الفني والإنتاجي. لا يكفي أن يحمل عضو لجنة صفة عامة أو أن يمثل هيئة أو قطاعا ثقافيا أو شبه ثقافي، أو اتجاها في الرأي أو في العلاقة بالمؤسسة الوصية أو توازنًا ظرفيًا. يجب أن يكون لكل عضو لجنة من اللجان المتدخلة في قطاع السينما، رصيد كاف عن تاريخها ولغاتها ومدارسها وتحولاتها قبل كل هذا طبيعتها وجدواها في البلاد وعلى العباد، وأن يفهم الكتابة والإخراج والإنتاج والتوزيع والاستغلال والاقتصاد الرقمي وحقوق المؤلف والعلاقات الدولية.

تقرر اللجان مصير المشاريع والأفلام والمواهب. لذلك ينبغي أن يعلن المسؤولون معايير اختيار أعضائها بوضوح وبدقة، وأن ينشروا سيرهم المهنية الكاملة، وأن يحددوا مدة مهامهم شكليات ذلك في ارتباط بالمهام وبالمطلوب منهم، وأن يمنعوا تضارب المصالح وأن يبرروا قراراتهم فنيًا ومهنيًا.

يجب كذلك ألا يتحول مقرر إداري إلى سلطة فنية غير معلنة، وألا تختبئ القرارات الثقافية خلف الصيغ البيروقراطية.

أحلم بأن تقلص المؤسسة التضخم الإداري، وأن تعيد توزيع الموارد نحو الإنتاج والإبداع والبحث والتكوين والتوزيع والقاعات والأرشفة والترويج الدولي الذكي والفعال. لا يحتاج قطاع السينما إلى إدارة تنتج المراسلات أكثر مما تنتج السياسات التدبيرية الملائمة والمنتجة والبراغماتية الحاذقة، بل يحتاج جهازا خفيفا وذكيا ورقميا سريعا، يصغي إلى المهنيين ويحاسبهم في الوقت نفسه بمدى فعالية وإجرائية ومعقولية أعمالهم وأقوالهم معا.

برنامج قصير ومتوسط وطويل المدى

لن تبني “المؤسسة الوطنية للسينما” مشروعها بالشعارات، بل يجب أن تضع برنامجا عمليا ودقيقا يمتد عبر ثلاثة أزمنة مترابطة، ويأخذ في الاعتبار كل تغيرات وتطورات السياقات الوطنية والقارية والدولية في كل أبعادها.

يبدأ البرنامج على المدى القصير بإجراء تشخيص وطني دقيق، لا يهمل ولا ينشغل كثيرا بكل المناظرات واللقاءات والأيام الدراسية التي تم انتاجها عبر الماضي. تشخيص يحصي المهن والكفاءات والمعدات والقاعات ومختبرات ما بعد الإنتاج، ويراجع بنيات وأنظمة مؤسسات التكوين القائمة من حيث التدبير والبرمجة والمهنية والملائمة، ويفتحص بصرامة ودقة المهرجانات والأرشيفات وحاجات جهات المملكة، كما يراجع قوانين الدعم وايجابيات وسلبيات تفريخ بطاقات المهنة وشروط بنيات وجدوى اللجان والتراخيص، ثم تَبنِّي منصة شاملة شفافة تنشر النتائج والتقارير والمبالغ والمعايير.

أحلم بأن تطلق “المؤسسة الوطنية للسينما” على المدى المتوسط برنامجا وطنيا للتكوين والتشغيل، تربط المدارس والجامعات ومراكز التدريب بشركات الإنتاج والاستوديوهات والمنصات والمهرجانات، وتنشئ مسارات في كتابة السيناريو والإخراج والتصوير والصوت والمونتاج والديكور والمؤثرات البصرية، وبالإنتاج التنفيذي والتوزيع والتسويق والأرشفة والترميم.

أحلم بأن تبني “المؤسسة الوطنية للسينما” على المدى الطويل صناعة وطنية مكتملة الحلقات. تدعم الأفلام التي تجمع القيمة الفنية والقدرة على الوصول إلى الجمهور، وتوسع شبكة القاعات، قاعات للسينما، وأن تؤسس أرشيفًا وطنيًا حديثًا وتطور أسواقا للفيلم المغربي، وتبني حضورا مستمرا في إفريقيا والعالم العربي وأوروبا وأمريكا وآسيا، لا هو مناسباتي ولا هو غير مفكر فيه.

قدمت المملكة المغربية دعما عموميا فريدا وكريما ومتطورا للسينما المغربية منذ إنشاء صندوق دعم الإنتاج سنة 1980، ثم توسعت آلياته لتشمل الإنتاج والقاعات والمهرجانات السينمائية وجذب التصوير الدولي الأجنبي. وتفيد بيانات منشورة ضمن منصة اليونسكو، بأن السياسة العمومية ساهمت في إنتاج عشرات الأعمال سنويا، وفي حضور الأفلام المغربية داخل مهرجانات دولية عديدة. لكن الكم والدعم والتظاهرات لا تكفي وحدها للنهوض الاستراتيجي الطويل النفس بصناعة كانت ولا زالت في قلب أي تنمية استراتيجية لمجتمع طموح وعريق. يستحب انتظام كل ما سبق ضمن رؤية واحدة تقيس الأثر الثقافي والاقتصادي والاجتماعي.

شباب السينما مثل شباب كرة القدم

أرى آلاف الشباب المغربي مفتونين بالسينما. يحملون الكاميرات والهواتف ويكتبون المشاهد، يمثلون ويركِّبون الصور ويتعلمون المؤثرات بأشكالها وأنواعها ويصنعون أفلامًا قصيرة بوسائل محدودة. يمتلك بعضهم موهبة استثنائية لكنه لا يجد المسار الذي يحوِّل الموهبة إلى مهنة.

أحلم بأن تعامل الدولة، عبر “المؤسسة الوطنية للسينما”، هؤلاء الشباب كما تعاملت مع المواهب الرياضية حين وفرت لها الأكاديميات والتكوين العلمي والتأطير والمنافسة. لم يصنع التفوق في كرة القدم نفسه بالمصادفة، بل صنعته رؤية ملكية طويلة النفس، جمعت البنية التحتية والكشف المبكر والتكوين والانضباط والاحتكاك الدولي.

تستطيع السينما تشغيل كتاب ومخرجين وممثلين وتقنيين ومهندسين ومصممين وحرفيين وموسيقيين وباحثين ومترجمين ومسوقين ومحامين ومحاسبين. يستطيع الفيلم كذلك تحريك السياحة والنقل والفنادق والصناعة التقليدية والأزياء والخدمات الرقمية. لكن هذه الآثار لن تظهر تلقائيًا، ستحتاج استراتيجية تضبط العلاقة بين الثقافة والصناعة، وتحمي الإبداع من الابتذال كما تحمي المال العمومي من الهدر.

السينما وحدها، والتلفزيون شريك تعاقدي

أحلم بأن تتخصص “المؤسسة الوطنية للسينما” في السينما وحدها. لا ينبغي أن تحمل كل ما يندرج تحت اسم الصورة المتحركة والسمعي البصري.

يملك التلفزيون منطقه البرامجي والإخباري والإشهاري والجماهيري، بينما تمتلك السينما منطقا آخر يقوم على العمل المؤلَّف، وعلى زمن الكتابة والإنتاج والتوزيع والعرض داخل القاعة والمهرجان والسوق.

لا يعني الفصل بين السينما والتلفزيون القطيعة. تستطيع “المؤسسة الوطنية للسينما” أن توقع مع مؤسسات التلفزيون اتفاقيات دقيقة للإنتاج المشترك والاقتناء والعرض وحفظ الحقوق. تحدد الاتفاقيات التمويل ونسب الملكية ومدد الاستغلال وحقوق المؤلف ونوافذ العرض وشروط المحافظة على النسخ. لكن يجب ألا يفرض منطق الشبكة التلفزيونية وضرورات البث اليومية معاييره على الفيلم السينمائي وإلا ضاعت هوية السينما الأصلية والأصيلة.

تجارب تفيد ولا تقلد

سلكت فرنسا منذ إنشاء المركز الوطني للسينما سنة 1946 طريقًا مؤسساتيًا جعل الدعم والتنظيم وحماية الصناعة أجزاءً من سياسة واحدة. وتدخل المؤسسة الفرنسية اليوم في مختلف حلقات الكتابة والتطوير والإنتاج والتوزيع والاستغلال والتصدير، وإن كانت قد وسعت مجالها لاحقًا ليشمل قطاعات أخرى من الصورة المتحركة.

وجعلت بريطانيا من المعهد البريطاني للفيلم مؤسسة قيادية تدعم الإنتاج والتوزيع والتربية السينمائية وتنمية الجمهور، وتحفظ الأرشيف الوطني، وتؤدي دورًا مرجعيًا في سياسة الفيلم. أما كوريا الجنوبية فأنشأت هيئة عمومية متخصصة تعمل على تطوير جودة السينما الوطنية ودعم صناعتها، وربطت ذلك بالبحث والتكوين والترويج والإنتاج المستقل.

لا أحلم بنسخ فرنسا أو بريطانيا أو كوريا. تنجح المؤسسات حين تنبع من تاريخ بلدانها وثقافتها وتركيب مجتمعها. ويجب أن يصنع المغرب نموذجه الخاص، لأن ثقافته متعددة، وتاريخه عميق، وهويته تجمع العربي والأمازيغي والحساني والإفريقي والمتوسطي والأندلسي واليهودي المغربي.

السينما رافعة للصورة الوطنية

يتقدم المغرب اليوم في مشاريع النقل والطاقة والصناعة والبنية التحتية والتكنولوجيات بمختلف أنواعها والدبلوماسية بفعاليتها وذكائها. يحتاج، في حلمي، هذا الإقلاع إلى سرديات بصور وحكايات تمنحه معنى إنسانيا وحضاريا. لا تكفي الطرق والموانئ والمصانع لكي يعرف العالم بلدا. تصنع السينما الذاكرة التي ترافق المنجز وتكشف الإنسان الذي يسكن وراء الأرقام والمؤشرات.

تستطيع السينما المغربية أن تصبح دبلوماسية موازية، لا بمعنى الدعاية، بل بمعنى تقديم المجتمع في تناقضاته وأسئلته وثرائه. لا يخدم الوطن الفيلم الذي يجمِّله بطريقة مصطنعة وإنما يخدمه بفيلم جيد يفكر فيه بحرية ويقدمه بكرامة وبصدق وبجمالية.

حلم رجل ظل يتكلم ولم يُسمع صوته

أكتب هذا الحلم وأنا في مرحلة من النضج تسمح لي بأن أنظر إلى القطاع بلا خصومة شخصية وبلا طلب منصب أو امتياز. قضيت عمرا أكتب وأدرس وأصور وأنظم وأناقش. نشرت مئات المقالات وعشرات الدراسات، وألفت الكتب، وساهمت في أعمال سينمائية في ظروف وفي سياقات مختلفة، ونظمت مهرجانات ولقاءات ودافعت عن التكوين والنقد الإبداعي الرصين وعن الذاكرة والعمل الجمعوي.

ومع ذلك، لم يجد هذا الصوت دائما من يصغي إليه. لست ولم أكن وحدي. همّشت سياسات تنفيذية وتدبيرية متعاقبة خبرات كثيرة وهذا معروف ومتداول، وأهدرت خبرات وذاكرات ليبدو الأمر في كل مرة كما لو أن السينما المغربية ستولد بمنطلق ملائم لكن..

لا أكتب اليوم لأعاتب الماضي وإنما لأنني أحلم بحماية المستقبل من تكراره. أحلم بأن تجمع “المؤسسة الوطنية للسينما” بين خبرة الرواد ونضج الجيل الذي راكَم المعرفة وجرأة الشباب الذين يمتلكون أدوات العصر يحتاجون خبرة وفكرا ووعيا جماليا شاملا وعميقا. أحلم بأن تجلس هذه الأجيال إلى طاولة واحدة ببرنامج عملي وإجرائي ودقيق ومحدد الأهداف والغايات، لا لكي تتقاسم المواقع وإنما لإعادة بناءٍ حداثي لقطاع عليه أن يستمر بعد رحيل الجميع.

قد يبدو إنشاء “مؤسسة وطنية مستقلة للسينما” حلما كبيرا، لكن المملكة المغربية التي أنجز تحولات استراتيجية ملكية كبرى تستطيع إنجازه، يحتاج الأمر النظر إلى السينما كما ينظر إلى أي قطاع سيادي للمستقبل: بالخبرة والصرامة والاستقلال والاستمرارية.

أحلم بذلك لأنني ما زلت أعتقد أن الأمة التي لا تصنع صورها يفرض الآخرون عليها صورهم، وأن البلد الذي لا يكتب حكايته على الشاشة سيجد نفسه يؤدي دورًا ثانويًا في حكايات الآخرين.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق