عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الهجرة سباحة نحو سبتة المحتلة.. حين يتحول الحلم إلى مجازفة بالحياة
هبة بريس – عبد اللطيف بركة
لم تعد ظاهرة الهجرة السرية في المغرب مجرد محاولات فردية معزولة، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى سلوك جماعي متكرر، يأخذ أحيانا أشكالا صادمة، من بينها الإقدام على السباحة نحو مدينة سبتة المحتلة، فمشاهد لعشرات الشباب وهم يخوضون عرض البحر بأجسادهم العارية إلا من الأمل، تختزل عمق الأزمة المركبة التي تتجاوز بعدها الاقتصادي لتلامس مستويات نفسية واجتماعية أكثر تعقيدا.
إن قراءة هذه الظاهرة من زاوية سيكولوجية تكشف أن الدافع نحو “الحريك” لم يعد مرتبطا فقط بالفقر أو البطالة، بل أصبح نتيجة لما يمكن تسميته بـ”الإحباط المقارن”، حيث يقارن الشباب أوضاعهم اليومية الصعبة بما يتم تسويقه من صور نجاح لمهاجرين في الخارج، هذه المقارنة “الخادعة” تخلق شعورا حادا بالغبن، يدفع إلى البحث عن خلاص سريع، ولو كان محفوفا بالمخاطر.
وفي هذا السياق، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا حاسما في تضخيم “وهم الفردوس الأوروبي”، من خلال عرض أنماط حياة مثالية، تغيب عنها معاناة الهجرة وصعوباتها الحقيقية.
ومع تكرار هذه الصور، تتشكل لدى فئة من الشباب قناعة راسخة بأن الهجرة هي الطريق الوحيد نحو الكرامة وتحقيق الذات، ما يعمق الفجوة النفسية بينهم وبين واقعهم المعاش.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال تأثير “سيكولوجية القطيع”، حيث تتحول محاولات الهجرة الجماعية إلى عدوى سلوكية، يتناقلها الشباب فيما بينهم، سواء عبر الأحياء أو الفضاء الرقمي، في هذه الحالة، يتراجع التفكير العقلاني لصالح الاندفاع الجماعي، ويصبح قرار المجازفة بالحياة أقل صعوبة تحت ضغط الانتماء إلى المجموعة.
كما تعكس ظاهرة السباحة نحو سبتة بعدا نفسيا أكثر حدة، إذ تمثل أقصى درجات اليأس وانعدام الوسائل.
فاختيار الجسد كوسيلة للعبور ليس مجرد قرار عملي، بل هو تعبير رمزي عن “العبور الوجودي” من واقع مرفوض إلى أفق مجهول، هنا، لا يكون البحر مجرد حاجز جغرافي، بل يتحول إلى اختبار مصيري بين الحياة والموت.
ورغم المخاطر المعروفة، من غرق أو توقيف أو استغلال، فإن تكرار هذه المشاهد يسهم في تبلد الإحساس بالخطر، حيث يصبح الموت احتمالا مألوفا في ذهن البعض، أو ثمنا مقبولا مقابل فرصة تغيير المصير، هذا التحول الخطير في تمثل المخاطر يعكس خللا عميقا في إدراك القيمة الذاتية للحياة.
إن استمرار هذه الظاهرة يطرح أسئلة جوهرية حول فعالية المقاربات التقليدية التي تركز على الجانب الأمني فقط، في حين أن الواقع يؤكد أن الهجرة السرية، في عمقها، هي تعبير عن أزمة ثقة وأزمة معنى لدى فئة من الشباب. لذلك، فإن معالجتها تقتضي مقاربة شمولية، تعيد الاعتبار للأمل داخل الوطن، وتوفر شروط الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب مواكبة نفسية تعيد بناء الثقة في المستقبل.
فالهجرة السرية لم تعد مجرد رحلة نحو الضفة الأخرى، بل تحولت إلى مرآة تعكس اختلالات عميقة في البنية الاجتماعية والنفسية، حيث يصبح البحر، في لحظة يأس، أقرب من الوطن، ويغدو الحلم، مهما كان بعيدا، أقوى من الخوف.



0 تعليق