عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الجواهري .. “عندما تشير بإصبع الاتهام إلى الآخرين، فإن الأصابع المتبقية تشير إليك”

حجم الخط:
استمع للخبر
هبة بريس -إ.السملالي
ليست المشكلة في أن يكتب المخرج عبد الإله الجواهري تدوينة عن أحداث الهجرة غير النظامية نحو سبتة المحتلة، فإبداء الرأي حق مكفول لكل مواطن، وإنما تكمن الإشكالية في أن تأتي هذه القراءة بعد أن يكون المشهد قد كُتب، ووثق، وعاشه المغاربة بكل تفاصيله، وبعد أن يكون الإعلام الوطني قد أدى دوره كاملاً في نقل الوقائع، ومواكبة التطورات، والإنصات إلى أصوات الأسر التي عاشت القلق والخوف على مصير أبنائها.
حين يطالب الجواهري بما سماه “إعلام الذل والعار” بمواكبة عودة الشباب ومنحهم الكلمة، فإنه يتحدث وكأن الإعلام المغربي كان غائباً عن المشهد، بينما الحقيقة أن مختلف المنابر الوطنية ظلت منذ الساعات الأولى تنقل الوقائع من الميدان، وتتابع التحركات، وتفتح صفحاتها وشاشاتها لشهادات العائدين وأسرهم، وللنقاش الجاد حول الأسباب التي دفعت آلاف الشباب إلى الارتماء في المجهول.
الإعلام لم يكن نائما حتى يوقظه أحد، ولم يكن ينتظر تدوينة ليكتشف أن “زيف الأحلام” قد انكشف؛ فقد كان هناك منذ البداية، يؤدي واجبه المهني والوطني، بينما جاءت بعض المواقف بعد أن هدأت العاصفة، لتمنح نفسها دور المكتشف لما كان الجميع يتابعه لحظة بلحظة.
واللافت أن الجواهري، قبل ساعات فقط، نشر تدوينة أخرى قدّم فيها تعازيه للشعب الجزائري إثر وفاة 25 شخصاً في حادث أليم ببومرداس، وهو موقف إنساني لا خلاف حول نبله. لكن من حق الرأي العام أن يتساءل: لماذا حضرت كلمات المواساة سريعاً تجاه مأساة خارج الحدود، فيما غابت كلمة تضامن واضحة مع الأسر المغربية التي كانت تعيش مأساة حقيقية وهي تترقب أخبار أبنائها؟ هنا فقط يبرز المعنى الذي يفرض نفسه: خيركم خيركم لأهله؛ ليس باعتباره استشهاداً من صاحب التدوينة، وإنما باعتباره ميزاناً أخلاقياً لترتيب الأولويات.
فالتعاطف مع مآسي الشعوب قيمة إنسانية راقية، لكنه لا ينبغي أن يسبق مواساة أبناء الوطن، ولا أن يحجب الألم الذي يعيشه المجتمع المغربي في مثل هذه المحطات. فالوطن أولى بأن يُحتضن، وأهله أولى بأن تُجبر خواطرهم، قبل الانشغال بأي خطاب آخر.
أما حديث الجواهري عن أن المغرب “يعرف جيداً أصول اللعبة وكيفية كسر العظام مع الجار الإسباني”، فهو لا يضيف جديداً إلى ما هو معلوم. فالدولة المغربية تدير ملفاتها الحساسة بمؤسساتها، ودبلوماسيتها، وأجهزتها، ورؤيتها الاستراتيجية، وليس بمنطق الانفعال أو التدوينات المتأخرة. كما أن الإعلام الوطني كان جزءاً من هذه المعركة، يواكبها بمهنية ومسؤولية، وينقل الحقيقة للرأي العام دون انتظار شهادة من أحد
في النهاية، ليست المشكلة في أن يكتب عبد الإله الجواهري تدوينة، فذلك حقه الكامل، وإنما في أن تأتي متأخرة، متناسية أن معركة الكلمة كانت قد بدأت وانتهت، وأن الإعلام الوطني لم يكن ينتظر من يوقظه، لأنه لم يغمض عينيه أصلاً. فالوطن لا يحتاج إلى أصوات تستيقظ بعد انقضاء الامتحان، بل إلى مواقف تُولد في لحظة الاختبار، حيث تكون الكلمة الصادقة سنداً لأهلها قبل أن تكون خطاباً موجهاً إلى الآخرين



0 تعليق