عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم "معركة ديغول".. ملحمة سينمائية تتجاوز التاريخ إلى أسئلة فرنسا المعاصرة - بوابة المدينة برس
لم يكن شارل ديغول حاضرا في السينما الفرنسية بالحجم الذي يوازي حضوره في التاريخ السياسي للبلاد، إذ ظل الرجل الذي قاد “فرنسا الحرة” خلال الحرب العالمية الثانية شخصية تثير رهبة المخرجين أكثر مما تغريهم بالاقتراب منها، غير أن فيلم “معركة ديغول” (La Bataille de Gaulle) للمخرج أنطونان بودري كسر هذا الحاجز، مقدما أضخم عمل سينمائي فرنسي عن الجنرال، في ملحمة تمتد على جزأين يتجاوز مجموعهما خمس ساعات، تعيد قراءة السنوات الحاسمة بين 1940 و1944، حين انتقل ديغول من ضابط مغمور نسبيا إلى رمز للمقاومة واستعادة الدولة الفرنسية.
ولا يتعامل الفيلم مع ديغول بوصفه بطلا تقليديا أو سيرة ذاتية تمجد شخصيته، وإنما يقدمه وسط شبكة معقدة من الصراعات العسكرية والسياسية والدبلوماسية، واضعا المشاهد أمام لحظة تاريخية لم تكن فيها معركة فرنسا ضد الاحتلال النازي منفصلة عن معركة أخرى خاضها الرجل لإقناع الحلفاء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا، بأن فرنسا لا تزال دولة ذات سيادة تستحق أن تكون شريكا في تقرير مستقبل أوروبا بعد الحرب.
" frameborder="0">
ويحمل هذا الاختيار دلالة خاصة، لأن الفيلم يأتي في وقت تعيش فيه فرنسا وأوروبا نقاشات واسعة حول الاستقلال الاستراتيجي، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ومستقبل القارة في ظل التحولات الدولية، وهو ما جعل كثيرا من النقاد يعتبرون أن العمل لا يستحضر الماضي فقط، وإنما يقرأ الحاضر من خلاله.
من السيرة إلى الملحمة السياسية
استغرق المخرج أنطونان بودري نحو ست سنوات لإنجاز المشروع، بعدما استند إلى عدد من المراجع التاريخية، وفي مقدمتها كتاب المؤرخ البريطاني جوليان جاكسون “ديغول… فكرة معينة عن فرنسا”، كما استفاد من تجربته الشخصية داخل وزارة الخارجية الفرنسية، حيث عمل سنوات مستشارا وكاتبا لخطابات وزير الخارجية الأسبق دومينيك دو فيلبان، وهو ما منحه معرفة دقيقة بكواليس القرار السياسي والدبلوماسي.
ولا يخفي بودري أنه أراد تحرير ديغول من الصورة الجامدة التي التصقت به لعقود، فبدل تقديمه باعتباره “تمثال الأمة”، يصوره رجلا يواجه الشك والعزلة والرفض، ويخوض معارك متزامنة مع خصومه وحلفائه، في وقت لم يكن يملك فيه سلطة رسمية ولا جيشا كبيرا، لكنه كان مقتنعا بأنه يجسد الشرعية الفرنسية.
ولهذا جاء اختيار الممثل سيمون أبكاريان لتجسيد الشخصية بعيدا عن التقليد الخارجي فقط، إذ ركز الأداء على الجانب النفسي والسياسي للرجل أكثر من محاكاة تفاصيله الشكلية، وهو ما منح الشخصية بعدا إنسانيا افتقدته معظم الأعمال السابقة التي تناولت ديغول.
كما يمنح الفيلم مساحة واسعة لشخصيات تاريخية أخرى، من بينها ونستون تشرشل، وفرانكلين روزفلت، والجنرال جيرو، والجنرال لوكلير، وجان مولان، لتتحول الأحداث إلى ملحمة جماعية تتقاطع فيها الجبهات العسكرية مع المفاوضات السياسية وشبكات المقاومة الداخلية.
السيادة… المعركة الثانية
أحد أهم عناصر قوة الفيلم أنه لا يحصر الصراع في مواجهة ألمانيا النازية، وإنما يبرز أن ديغول كان يخوض في الوقت نفسه معركة سياسية مع الحلفاء، وخاصة الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي لم يكن يخفي تحفظه على الاعتراف بديغول ممثلا شرعيا لفرنسا.
ويعرض الفيلم تفاصيل هذا الصراع من خلال اجتماعات ومفاوضات وأحداث استندت إلى وثائق تاريخية، من بينها وجود خطط أمريكية لإدارة فرنسا بعد التحرير عبر إدارة عسكرية مؤقتة، مع إعداد عملة خاصة بالقوات الأمريكية، وتدريب مسؤولين لتولي تسيير بعض المرافق، وهي معطيات ينظر إليها الفيلم باعتبارها جزءا من معركة السيادة التي خاضها ديغول، إذ كان يرفض أن تتحول بلاده إلى منطقة نفوذ حتى ولو جاء ذلك باسم التحرير.
ولا يكتفي العمل بسرد الوقائع، وإنما يجعل من هذا الصراع مدخلا لفهم النقاشات الفرنسية الراهنة حول الاستقلال الاستراتيجي، ودور الدولة، والعلاقة مع القوى الكبرى، لذلك بدا ديغول في الفيلم أقرب إلى رجل يدافع عن حرية القرار الفرنسي أكثر من كونه قائدا عسكريا فقط.
ويفسر ذلك أيضا تركيز المخرج على الخلافات التي جمعت ديغول بتشرشل وروزفلت، وإظهارها باعتبارها جزءا من معركة الاعتراف الدولي بفرنسا الحرة، وليس مجرد اختلافات شخصية بين زعماء الحرب.
إنتاج ضخم… ونجاح متأخر
ينتمي “معركة ديغول” إلى أكبر الإنتاجات السينمائية في تاريخ فرنسا، إذ قدرت ميزانيته بما بين 70 و100 مليون يورو، وهو رقم نادر بالنسبة للسينما الفرنسية، كما اعتمد على تصوير امتد إلى فرنسا والمغرب وعدد من الدول الأوروبية.
واحتضن المغرب جزءا من التصوير، خاصة المشاهد المرتبطة بشمال إفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية، مستفيدا من تنوع فضاءاته الطبيعية والعمرانية، وخبرته الطويلة في استضافة الإنتاجات العالمية، إضافة إلى بنياته التقنية واستوديوهاته التي أصبحت وجهة مفضلة للأفلام التاريخية الكبرى.
ورغم هذا الاستثمار الكبير، لم تكن بداية الفيلم في شباك التذاكر مطمئنة، إذ جاءت نتائج الأسبوعين الأولين أقل من التوقعات، واعتبر بعض المراقبين أن المشروع يتجه نحو الإخفاق التجاري.
لكن المشهد تغير بسرعة، بعدما ساهمت التقييمات الإيجابية، والتوصيات بين المشاهدين، وتزامن عرض الجزء الثاني مع “عيد السينما” في فرنسا، في رفع عدد الحضور بشكل كبير، ليتحول العمل إلى أحد أبرز نجاحات الموسم، في ما وصفته الصحافة الفرنسية بـ”الريمونتادا السينمائية”، بعدما انتقل من عمل مهدد بالفشل إلى أحد أكثر الأفلام مشاهدة خلال صيف 2026.
ويرى متابعون أن هذا التحول لم يكن مرتبطا فقط بالحملة التسويقية، وإنما أيضا بقدرة الفيلم على جذب جمهور جديد، خاصة الشباب، الذين وجدوا أنفسهم أمام عمل يجمع بين الملحمة التاريخية والإيقاع السينمائي الحديث.
ديغول يعود إلى الشاشة… وإلى النقاش العام
لا يفسر نجاح الفيلم بجودته الفنية فقط، وإنما أيضا بالسياق السياسي والثقافي الذي جاء فيه، إذ تشهد فرنسا منذ سنوات عودة متزايدة للنقاش حول مفهوم الدولة والسيادة والهوية الوطنية، وهي القضايا التي ارتبط اسم ديغول بها لعقود.
ويرى نقاد أن الفيلم نجح في إعادة تقديم شخصية ظلت حاضرة في الكتب المدرسية والشوارع والساحات أكثر مما كانت حاضرة في السينما، محولا إياها من رمز رسمي إلى شخصية درامية مليئة بالتناقضات والقرارات الصعبة.
كما يبرز العمل كيف أن ديغول لم يكن يخوض معركته منفردا، بل ضمن شبكة واسعة من المقاومين والسياسيين والعسكريين الذين ساهموا في إعادة بناء فرنسا، وهو ما جعل الفيلم يتجاوز السيرة الذاتية إلى قراءة جماعية لسنوات الحرب.
وفي المقابل، يطرح الفيلم أسئلة لا تزال مطروحة حتى اليوم، تتعلق بحدود النفوذ الأمريكي في أوروبا، وموقع فرنسا داخل التحالفات الدولية، ومعنى الاستقلال السياسي في عالم تتشابك فيه المصالح الدولية.
هكذا، يتحول “معركة ديغول” إلى أكثر من فيلم تاريخي، إذ يعيد قراءة السنوات التي أعادت تشكيل فرنسا الحديثة، ويستحضر عبرها أسئلة السيادة والقيادة واستقلال القرار الوطني، وهي قضايا لا تزال تحتل موقعا محوريا في النقاش الفرنسي والأوروبي.
لذلك، لم يُستقبل العمل بوصفه استعادة للماضي فحسب، بل باعتباره قراءة للحاضر من خلال التاريخ، وهو ما يفسر الاهتمام الواسع الذي حظي به داخل فرنسا وخارجها، ويضعه في مصاف أبرز الإنتاجات السينمائية الأوروبية لسنة 2026.








0 تعليق